الطب في البلاد: موجز من تاريخ التماسّ والمساس

إذا كان من قفزة مكّنت من الحضور المؤسسي للعرب في إسرائيل، فإنها في الطب تحديدا، إلى حد صار فيه اليهودي مريضا والعربي طبيبا، ليغدو المستشفى في إسرائيل الفضاء المؤسسي الأكثر تماسّا واحتكاكا ما بين العرب واليهود.

الطب في البلاد: موجز من تاريخ التماسّ والمساس

قسم الولادة في مستشفى حمزة في حيفا سنة 1940 (فلسطين في الذاكرة)

في الطب ثمة ما هو أبعد من علاقة الطبيب بجسد مريضه، ليس ذلك لأن الطب حقل يُعيد تعريف العلاقات الإنسانية المتجاوزة لجدران الهوية فقط، بل لأنه حقل وُظف وما يزال في سياسات الهوية، وتمكين مشاريع لا إنسانية في الوقت نفسه وخصوصا في السياقات الاستعمارية، فما تزال قصة اختفاء المئات من أطفال يهود اليمن في مطلع خمسينيات القرن الماضي تعد واحدة من أكبر الجرائم الإنسانية، التي تورط فيها الطب الكولونيالي الحديث.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

كان الأطباء الصهاينة الذين أشرفوا على معسكرات المستوطنين اليهود القادمين من اليمن إلى فلسطين صحيا، هم من تولوا اختطاف الأطفال اليمنيين ثم إخفاءهم.

وإذا ما أردنا التأصيل لتاريخ احتكاك السكان المحليين في فلسطين بالآخر الأجنبي، فإن الأخير قبل أي شيء هو ذلك الطبيب القادم مع تجربة الطب بنسخته الإرسالية - التبشيرية منذ أواخر القرن التاسع عشر. ما كان للنشاط المسيحي الإرسالي – التبشيري أن يجد له في بلادنا، وسائر المشرق، موطئ قدم بمبشّريه، لا بأناجيلهم ولا بعلومهم، لولا أسرّة فردوها وفرشوها وقد دعوا المرضى من السكان المحليين إليها.

كانت مشافي الإرساليات وظلت أطول عمرا من مبشّريها، حتى صار المشفى الإرسالي معلما في ذاكرة المدينة الفلسطينية، المستشفى: الإنجليزي، والفرنسي، والنمساوي والطلياني وغيرها. ولكل بيت في بلادنا حكاية مع أحد هذه المشافي، إذ ما تزال أسماؤها رطبة على ألسنتنا عند الحديث عن الولادة أو الموت أو المرض عموما.

أطلق فلاحو بلادنا على المستشفى الإرسالي بعاميتهم اسم "الإسبطار"، وذلك نسبة إلى جماعة الإسبتارية (فرسان القديس يوحنا) التي نشطت في فلسطين أيام الحملات الصليبية كمنظمة خيرية طبية لرعاية الحجّاج والمرضى الصليبيين.

ومع المشروع الصهيوني، وبدء الهجرة اليهودية والاستيطان في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين، بدأت ظاهرة "طبيب المستعمرة"، أو "حكيم الكوبّانية" بعامية أهالينا في حينه. كان حكيم الكوبّانية يهوديا، أو صهيونيا للدقة، وإذا كان الطب المسيحي – الإرسالي قد شكّل تحولا في ذاكرة المدينة الفلسطينية صحيا واجتماعيا؛ فإن طبيب الكوبّانية الصهيوني مثّل اختراقا للقرية الفلسطينية تحديدا، والريف الفلسطيني عموما.

إذ كان على الفلاح إذا ما ألمّ به مرض وقد عجز الطب الشعبي عن شفائه أن يختار له ذووه، إما نقله إلى الإسبطار الإرسالي في أقرب مدينة عليهم، وإما حمله إلى كوبّانية اليهود المجاورة.

ومن يعود إلى موقع "فلسطين في الذاكرة" الإلكتروني، والذي يتضمن عشرات بل مئات المقابلات الشفوية عن ذاكرة فلسطين ومدنها وقراها قبل نكبة عام 48، سيجد في كل مقابلة تقريبا إشارة إلى علاقة القرية الفلسطينية بالكوبّانية "المستعمرة" اليهودية، تمر عبر طبيب هذه الأخيرة. لم يعرف فلاحو بلادنا من أو عن المستعمرة الصهيونية في جوارهم إلا طبيبها، الذي كان في المقابل يعرف عن القرية الفلسطينية المجاورة للكوبّانية كل شيء تقريبا.

كانت مهمة طبيب المستعمرة الصهيونية أكثر من مجرد الكشف عن مرضاه، إذ استغل أطباء المستعمرات الصهاينة أسرّتهم لاستكشاف كل ما يتصل بحياة القرية الفلسطينية وفلاحيها. ويتضمن موقع "برويكت بن – يهودا" الإلكتروني بالعبرية عشرات كتب المذكرات والسيّر الذاتية الإلكترونية الصهيونية، التي تشير إلى نشاط الأطباء الصهاينة أو حتى مطببين شعبيين يهود بين السكان المحليين العرب قبل النكبة، بوصفه نشاطا استكشافيا لفهم المجتمع المحلي، واستخباريا في الوقت نفسه.

ومن هؤلاء الأطباء اليهود من كان يقوم بحملة موسمية من مدينة مثل صفد إلى قرى ريفها، لتطبيب السكان المحليين العرب. وهذا ما يُعرف في أدبيات الطب وتاريخه بـ "طب الفراش"، حيث كان الطبيب هو من يزور مريضه في فراشه، قبل مرحلة "الطب السريري" الذي صار فيها المريض يأتي إلى سرير طبيبه.

كان للطبيب المستوطن دور استيطاني ليس في تنظيم الحياة الصحية للمستوطنة فحسب، بل في تحديد موقع المستوطنة في بعض الأحيان. وفي كتابه "فراشيم عال هيركون" (فرسان على اليركون) المنشور إلكترونيا على موقع "برويكت بن – يهودا" نفسه، يروي يهود بن عازر فيه حكاية قيام "بيتح تكفا"، أول مستعمرة صهيونية في فلسطين على أراضي قرية "ملبِس" العربية في الساحل.

فشل مشروع المستعمرة بنسختها الأولى سنة 1878، بعد أن أقامها المستوطنون القادمون من شرقي أوروبا على ضفاف نهر العوجا، "اليركون"، على طريقة التوطن الريفي الأوروبي على ضفاف الأنهار.

وبحسب بن عازر، كان الأطباء اليهود المقيمون في يافا هم وحدهم من استطاعوا إقناع مستوطني "بيتح تكفا" الأوائل بالعدول عن موقع المستوطنة، بالابتعاد عن ضفة النهر إلى موقع أبعد وأكثر ارتفاعا تفاديا للأمراض السارية التي هددت حياة المستوطنين في ملبِس. والملفت أن اقتناع المستوطنين بتغيير موقع مستوطنتهم "بيتح تكفا" ما كان ممكنا بحسب بن عازر، لولا أن قص عليهم طبيب يهودي من على ظهر حصانه القادم عليه من يافا حكاية تسمية قرية ملبس العربية، بوصفها قرية "موبوئة" تاريخيا، ظلت تخلع سكانها وتلبس غيرهم بين فترة وأخرى بسبب الأمراض المعدية، ومن هنا كان اسمها ملبٍس. وذلك إلى حد كان إذا ما شرب الطير من ماء ملبس سقط عنه ريشه بحسب ما روى الطبيب لمستوطني القرية، كما يقول بن عازر في كتابه. وهو مما يبين لنا ذلك الدور الاستكشافي والاستخباري الذي لعبه الأطباء في تمكين المشروع الصهيوني.

ومن هنا، كان الطب والطبيب أول وأكثر شيئين شدّا الأهالي في فلسطين نحو الحداثة وفكرتها، إلى حد ظلّ التعليم على مدار القرن العشرين يعني بالنسبة إليهم أولا "الطب". وقبل نكبة عام 1948، كان عدد الأطباء الفلسطينيين العرب لا يتجاوز عدد أصابع اليد، إلى حد عُرفت فيه أسماؤهم في كل أنحاء فلسطين، لا بل عرفت بعض مشافي مدن البلاد بأسمائهم، مثل "مستشفى حمزة" نسبة إلى الطبيب اللبناني نايف حمزة في حيفا، الذي صار يعرف بعد النكبة باسم مستشفى "رمبام"، وكذلك "مستشفى الدجاني" في يافا، وهكذا. كما للأطباء العرب في فلسطين قبل النكبة دور اتصل بالحياة الاجتماعية والسياسية بما يتجاوز دورهم الصحي.

في مسلسل التغريبة الفلسطينية الشهير للكاتب الفلسطيني وليد سيف، إشارة إلى أحد أطباء الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939، أكرم السويدي، هكذا هو اسمه في المسلسل. قُتل السويدي بحسب المسلسل على يد بعض الجماعات المسلحة المجهولة عندما بدأت الفوضى تدب في صفوف الثورة والثوار. كان اسم السويدي في المسلسل يُحيل إلى واقعة تاريخية حقيقية متصلة بالطبيب الشقيري.

مستشفى فؤاد الدجاني في يافا الذي أُسس عام 1933م (فلسطين في الذاكرة)

الدكتور أنور الشقيري ابن مدينة عكا، أبوه أسعد الشقيري مفتي الجيش الرابع أيام الأتراك في الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، وأخوه أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية لاحقا. قُتل الدكتور أنور الشقيري في الثورة، ودارت حول مقتله شبهات أدت إلى انقسامات في صفوف الثورة في الجليل في حينه. لكنّ مقتل أنور يمكننا اعتباره أول مأساة طبيب فلسطيني، وفي تاريخ الطب الفلسطيني الحديث عموما. تماما مثلما هي حكاية الطبيب الغزي الأسير حسام أبو صفية، آخر مأساة طبيب فلسطيني في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة.

كما للطب في السياق الفلسطيني، وتحديدا في الداخل، دور توثيقي – تأريخي للأحداث التاريخية الكبرى، فقد كانت أهم شهادة عربية عرفناها عن نكبة مدينة اللد ومذبحتها عام 1948، هي تلك التي وثقّها لنا الدكتور إسبير منيّر في كتابه "اللد: في عهدي الانتداب والاحتلال" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية. كان منيّر طبيبا يعمل في مدينة اللد حين حلت النكبة فيها، وقد أبقاه واجبه المهني كطبيب في المدينة، ليرصد لنا تهجير المدينة ومذبحة جامع دهمش فيها، ثم السياسات التي مورست على الباقين من أهل المدينة بعد نكبة 48.

بعد نكبة عام 48، التي جاءت على كافة مقومات حياة الفلسطينيين ومواردهم في أراضي الـ48، بما فيها الجانب الصحي الذي مورس عليهم من أعلى ضمن منظومة الحكم العسكري الذي رزح تحته فلسطينو الداخل ما بين 1948 – 1966. وبعد رفع الحكم العسكري، كان أول ما سعى لدراسته بعض فلسطينيي الداخل منذ سبعينيات القرن العشرين هو الطب، وما يزال لهذا الموضوع هالة مردها إلى طبيعة البنية الاجتماعية لمجتمع الداخل بوصفهم فلاحين، أكثر مما كان خيارا متصلا بأسئلة سوق العمل كما صار لاحقا. وما تزال العائلة الفلسطينية تعتبر امتهان ابنها أو بنتها الطب بمثابة رأس مال اجتماعي تفاخر به، على الرغم من الوعي بأهمية الطب في سوق العمل الإسرائيلية.

وفي كتابه "الوجع الدفين: حكايات طبيب من الجليل"، يقص علينا الدكتور حاتم كناعنة ابن قرية عرابة البطوف في الجليل سيرة قريته عرابة في سبعينيات القرن الماضي، من جوانب اجتماعية وسياسية، أكثر مما يحكي عن نفسه ومهنته كطبيب، ليكشف لنا كناعنة بحكاياته عن حظوة الطبيب لدى أهله وأبناء قريته، بما يتجاوز خدماته الصحية إلى منحه ثقة مجانية في جوانب أخرى مختلفة، إلى حد يمكننا فيه القول إنه ليس في عرابة البطوف من كان يعرف أسرار وخبايا أهلها مثلما عرف الدكتور كناعنة في حينه. وقد أثارت حكايات كتابه بعد نشره حفيظة بعض سكان بلدته عرابة، احتجاجا على ما جاء في الكتاب، باعتبارها خصوصيات ما كان لكناعنة ذكرها حتى لو بعد عقود من الزمن.

ومنذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، طرأت جملة من التحولات على حقل الطب في إسرائيل، وليس من محل لتناول هذه التحولات هنا. وقد غيّر ذلك التحول المتصل بحضور الطبيب/ة أو الممرض/ة العربي/ة في فضاء المستشفى الإسرائيلي خصوصا في العقدين الأخيرين، إذ غزا الأطباء العرب حقل الطب الإسرائيلي مؤسسيا. وإذا كان من قفزة مكّنت من الحضور المؤسسي للعرب في إسرائيل، فإنها في الطب تحديدا، إلى حد صار فيه اليهودي مريضا والعربي طبيبا، ليغدو المستشفى في إسرائيل الفضاء المؤسسي الأكثر تماسّا واحتكاكا ما بين العرب واليهود، يقدم فيه العربي خدمات صحية لليهودي، وقد أثبت الأطباء العرب في العقد الأخير كفاءة ولياقة مهنيتين في هذا الحقل غير مسبوقة في تاريخ العرب أنفسهم، وفي تاريخ حقل الطب الإسرائيلي نفسه.

وعلى الرغم من أن حقل الطب في إسرائيل كان وما زال من أكثر المساحات التي يتصالح فيها العرب واليهود، إذ لطالما اعتُبر المرض وواجب علاجه قيمة إنسانية يفترض بها أن تعلو على أي اعتبار آخر، إلا أن هذا التماسّ الإنساني ما ينفك يفضح مظاهر المساس به؛ عبر مظاهر التحريض والتشكيك والتنمر على الطبيب العربي وحضوره في المستشفى الإسرائيلي، وخصوصا في السنوات الأخيرة في ظل حرب الإبادة على غزة.

وذلك مردّه إلى البنية العنصرية – العُصابية التي خلفتها هستيريا حرب الإبادة في المجتمع اليهودي - الإسرائيلي ضد العرب ووجودهم في البلاد، لتمسّ العنصرية أكثر المواقع تماسا بين العرب واليهود، وهي المستشفيات.