بينما تستعد إسرائيل لانتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر القادم، تكشف سلسلة تقارير اقتصادية عن توجه رئيس الوزراء والحكومة، مع أنها حكومة انتقالية، نحو تخصيص عشرات، بل مئات المليارات من الشواقل الإضافية لموازنة الأمن، في خطوة يصفها معارضون ومصادر في وزارة المالية نفسها بأنها "اقتصاد انتخابات" أكثر منها ضرورة أمنية بحتة.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
من 62 مليارا إلى ما يقارب 200 مليارا: القفزات التي لا تتوقف
قبل اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بلغت موازنة الأمن الإسرائيلية نحو 62 مليار شيكل. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت هذه الموازنة أكثر من مرة. وقد أُقرت موازنة الأمن للعام 2026 في الأصل 112 مليار شيكل، ثم قفزت مع الحرب على إيران إلى 143 مليارا، ثم أُضيف لها 15 مليارا أخرى لتصل إلى 158 مليار شيكل. والآن، وبحسب ما كشفه موقع "واينت" في 19 آب/ أغسطس، اتفق رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، على إضافة نحو 25 مليار شيكل أخرى لشراء عتاد وذخيرة عاجلة للجيش، ما سيرفع الموازنة إلى نحو 184 مليار شيكل؛ لتصل إلى ما يقارب 3 أضعاف موازنة الأمن عشية الحرب.
غير أن هذا الرقم ليس سوى جزء من الصورة؛ فبحسب موقع "غلوبس" الاقتصادي، تسعى الحكومة إلى إقرار "خطة تعزيز قوة" منفصلة تصل إلى 400 مليار شيكل على مدى العقد القادم، مع العلم أن الاقتراح الأولي الذي اقترحه نتنياهو كان 350 مليار شيكل. والمفارقة أن هذه الزيادة الأخيرة، من 350 إلى 400 مليار، طُلبت قبل أن يُعثر أصلا على مصادر تمويل للمبلغ الأصلي.
ميزانيات في الوقت الضائع
ما يثير القلق في الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية ليس فقط حجم المبالغ المقترحة، بل أيضا توقيتها وطريقة تمريرها؛ فالقانون الإسرائيلي يفرض قيودا صارمة على تحويل الأموال الحكومية خلال الـ90 يوما التي تسبق الانتخابات العامة، وهذا أمر يتطلب موافقة المستشارة القضائية للحكومة، وتمريره عبر ما يعرف بـ"لجنة التوافقات" التي تتشكل من ممثلين عن الائتلاف الحكومي والمعارضة. ومع ذلك، يُتوقع أن توافق هذه اللجنة على طلب الحكومة؛ لأن الطلب يُسوّق على أنه يأتي للاستجابة "لأغراض أمنية لا يمكن تأجيلها".
وقد نقل موقع "غلوبس" أن الحكومة نجحت بالفعل، رغم عطلة الكنيست، في تمرير 40 مليار شيكل على عجل لشراء طائرات، إضافة إلى 12.5 مليار شيكل لوزارة الخارجية، و7 مليارات لإعادة إعمار الجنوب.
معارضون: الجيش لن يستلم المعدات قبل أشهر فلمَ العجلة؟
الجدل الأبرز يتمحور حول توقيت تقديم طلبات زيادة الميزانيات، إذ توضح المعارضة أن المعدات العسكرية المطلوبة لن تصل أصلا خلال الأشهر القريبة، وأنه كان بالإمكان الانتظار شهرين إضافيين حتى ما بعد الانتخابات لتمرير هذه الميزانيات عبر القنوات التقليدية. من هنا تلمّح المعارضة بأن تسريع تقديم هذه الطلبات ليس بريئا، وأنه قد يخدم رئيس الحكومة والائتلاف في خضم الحملة الانتخابية، عبر إظهار نتنياهو كرئيس حكومة يعمل على تعزيز الأمن حتى بعد حل الكنيست من جهة، ومن جهة أخرى لكي يعيد نتنياهو إبراز المحور الأمني في الحملة الانتخابية على رأس سلم أولويات النقاش العام والانتخابي.
هذا التوظيف السياسي للملف الأمني ليس جديدا في الخطاب الانتخابي لنتنياهو؛ ففي تصريح له تفاخر نتنياهو بأنه "يدفع نحو بناء استقلالية تسليحية لإسرائيل باستثمار 350 مليار شيكل خلال العقد القادم". وفي مقابلة إذاعية مع غادي تاؤوب في 3 آب/ أغسطس 2026، تحدث نتنياهو عن طموحه بامتلاك إسرائيل طائرة مقاتلة "شبح" غير مأهولة محلية الصنع؛ "لأننا لا نستطيع أبدا أن نعرف إن كانت ستُسلب منا المنصات المهمة التي نحصل عليها من الخارج حاليا".
المؤسسة العسكرية تستغل فترة الانتخابات للحصول على ميزانيات
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، تشير الصحيفة إلى أن المؤسسة العسكرية تستغل فترة الانتخابات، وترى وجود فرصة سانحة في رغبة نتنياهو الشخصية بأن يكون موقّعا على توسعة ضخمة لموازنة الأمن قبيل الانتخابات، فتستغل ذلك للطلب والحصول ربما على المزيد من الميزانيات دون تحديد أي سلم أولويات. وقد عبّرت مصادر في وزارة المالية عن غضبها من هذا النمط، معتبرة أنه لا يمكن إشباع رغبات الجيش المالية مهما بلغ حجم الموازنة المخصصة له، وأن أي مبلغ يُمنح سيُستنفد فورا، مع انتقادات موازية لإدارة وزارة الأمن للموازنة، وضعف الكفاءة في ملف خدمة الاحتياط.
وهذا النمط له سوابق في التاريخ الإسرائيلي؛ فبعد حرب 1973، تضاعف تقريبا حجم قوات الجيش خلال عقد واحد. وعلى سبيل المثال، ارتفع عدد الدبابات من 1,900 إلى 3,600 كنوع من أنواع استخلاص العبر من الحرب، فيما تدهور الوضع الاقتصادي بطريقة دراماتيكية، ووصل عجز ميزان المدفوعات من 782 مليون دولار عام 1973 إلى 4 مليارات دولار عام 1975. وبحلول عام 1984، بلغ الدين العام الإسرائيلي 719 مليار دولار وتجاوز التضخم السنوي 400%، ولم يُنقذ الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار حينها سوى خطة طوارئ وطنية، ومساعدات أميركية سخية.
بنك إسرائيل يحذر
في ظل النقاش الدائر حول حجم تقديم طلب إضافة الميزانيات وتوقيتها، اختار بنك إسرائيل أخذ مسافة واضحة من هذا الطلب، أي النأي بنفسه عن هذه المغامرة المالية. فقد رد المصرف المركزي على تقارير صحيفة "غلوبس" بالتأكيد أنه "لم يكن شريكا في عملية اتخاذ القرار" بشأن رفع ميزانية الأمن. وكان محافظ البنك، أمير يارون، قد حذّر في كانون الثاني/ يناير أمام لجنة المالية في الكنيست من أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل قد تقفز من 69% حاليا إلى 76% خلال عقد، إذا تحققت الزيادة المطلوبة في ميزانية الأمن.
وحذّرت وحدة الأبحاث في البنك في تقرير لها في تموز/ يوليو الماضي من أن "عدم اليقين بشأن موازنة 2027 أكبر من ذلك، وقد يؤدي إلى رفع سعر الفائدة الأساسية".
وهذا التحذير ليس أكاديميا بحتا: فأي زيادة بمقدار ملياري شيكل على ميزانية الأمن دون آلية تمويل مقابلة ومناسبة؛ ترفع العجز المالي للحكومة بنسبة 0.1% من الناتج المحلي. أي أن إضافة الـ25 مليار شيكل وحدها سترفع العجز نحو 1.3%، ليقترب من 4.6% من الناتج المحلي، وهو مستوى، رغم أنه لا يزال دون سقف 4.9% المعتمد لعام 2026، يضع إسرائيل في مرمى تحذيرات وكالات التصنيف الائتماني وصندوق النقد الدولي، مع احتمال حقيقي لخفض تصنيفها الائتماني، ما يعني رفع الفوائد على القروض الحكومية، وزيادة ميزانية إرجاع القروض، وبالتالي أعباء اقتصادية إضافية تنتظر المواطن الإسرائيلي في السنوات المقبلة.
من سيدفع الثمن؟ الحكومة القادمة
المفارقة الأكبر في هذا الملف هي أن الحكومة الحالية، التي تُقرّ هذه الزيادات الضخمة قبيل مغادرتها، لن تكون المسؤولة عن تحمل عبء تمويل هذه الإضافات. فبحسب مصادر في وزارة المالية، لن تحتاج الحكومة الحالية إلى فرض ضرائب جديدة أو لخفض موازنات وزارية أخرى قبل الانتخابات، وأصلا يحظر القانون اتخاذ خطوات كهذه في فترة 90 يوما قبل الانتخابات، بل ستكتفي الحكومة الحالية بخرق إطار الموازنة فقط، تاركة للحكومة القادمة، التي ستتشكل بعد الانتخابات، مهمة اتخاذ قرارات لتمويل هذه الزيادة عبر خفض ميزانيات عام من كافة الوزارات المدنية، وفرض ضرائب جديدة، مباشرة كانت (كضريبة الدخل والعقارات) أو غير مباشرة (كرفع ضريبة القيمة المضافة)، لسد الفجوة التي ستخلّفها هذه الالتزامات الممتدة لسنوات مقبلة دون مصدر تمويل واضح لها.
ليست بظاهرة جديدة
يبدو المشهد الاقتصادي الإسرائيلي، على أبواب انتخابات 27 تشرين الأول/ أكتوبر، وكأنه يعيد إنتاج نمط متكرر في تاريخ إسرائيل السياسي: توظيف الحالة الأمنية والمخاوف الجماعية للمجتمع الإسرائيلي لتمرير قرارات مالية ضخمة يصعب تمريرها في ظروف عادية، مع ترحيل فاتورة هذه القرارات إلى ما بعد الانتخابات. وبينما تصرّ المؤسسة الأمنية على أن هذه الأموال ضرورية لمواجهة تهديدات حقيقية، من إيران إلى الساحتين السورية واللبنانية وربما يضاف عليهم تركيا أيضا في الأيام الأخيرة، تشير مصادر اقتصادية، بينها بنك إسرائيل نفسه، إلى أن جزءا كبيرا من هذا الاندفاع مرتبط بحسابات سياسية وانتخابية أكثر من ارتباطه بتقييم عسكري مهني دقيق للاحتياجات الفعلية.