23/08/2026 - 13:22

لمنع عودة نتنياهو وعصابته...

لا يعني إسقاط نتنياهو وصول حكومة سلام، لكنه قد يشكّل خطوة ضرورية لوقف الانحدار المتسارع نحو مزيد من العنصرية والتطرف والفاشية، ما يجعل المشاركة العربية في الانتخابات أداة سياسية لا ينبغي التخلي عنها.

لمنع عودة نتنياهو وعصابته...

نتنياهو وزوجته سارة يدليان بصوتيهما في الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود في 17 آب 2026، استعدادا لانتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول المقبل (Getty Images)

إسقاط نتنياهو لن يأتي لنا بـ"حمائم سلام"، ولا الحكومة التي ستخلفه ستوافق على شروط تضعها الأحزاب العربية، وهي بعيدة جدًا عن مجرد الحديث عن حل عادل للقضية الفلسطينية.

المسألة أبسط وأكثر إلحاحًا: هل نستطيع المساهمة في وقف هذا الانحدار المتسارع نحو المزيد من العنصرية والتطرف والفاشية، التي باتت تطرق كل مجال ومجال؟ وهل لدينا أداة نستطيع استخدامها لتحقيق ذلك؟

التحريض الدموي يتسع ويصبح جزءًا من الحياة اليومية: تحريض على الأطباء والعاملين العرب في الجهاز الطبي، وعلى سائقي الحافلات والعاملين في المواصلات والخدمات العامة، واعتداءات عنصرية في الأماكن العامة، واعتداءات على نساء بسبب لباسهن الذي يدل على هويتهن العربية والإسلامية، وعائلات عربية تتعرض للتنمر والإهانات في أماكن الترفيه، إلى جانب التهديد المتواصل بهدم البيوت والترحيل، وخصوصًا في النقب.

لهذا كله، هنالك مصلحة مباشرة للجماهير العربية في المساهمة في إسقاط هذه الحكومة ومنع عودتها.

هناك نكتة عن رجل حُكم عليه بالخازوق، وبعد مدة أخذ يصرخ مطالبًا بنقله إلى الخازوق الآخر. استغرب زميل له وسأله: وما الفرق بين هذا وذاك؟

فقال الرجل: على الأقل أرتاح خطوتين وأنا أنتقل بين هذا وذاك!

إسقاط نتنياهو لا يعني وصول "حمائم سلام" إلى السلطة، ولا أحد يستطيع بيع الناس هذا الوهم. ولكنه يعني، في الحد الأدنى، محاولة صد التدهور السريع نحو مرحلة أكثر خطورة من الفاشية القومية الدينية.

هنا يأتي السؤال الذي يطرحه الممتنعون عن التصويت، وهو سؤال مشروع: ماذا حققت المشاركة طوال هذه السنوات؟ وهل غيّر النواب العرب من طبيعة الدولة، أو أنهوا الاحتلال، أو أوقفوا الاستيطان؟

بالطبع لا.

لكن هذا ليس المعيار الوحيد الذي نقيس به جدوى المشاركة في الانتخابات!

حل القضية الفلسطينية أصبح أكبر بكثير من تركيبة حكومة إسرائيلية واحدة. ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، والصراع مع إيران، والدور التركي المتصاعد، والتحولات في مواقف عدد من الدول الأوروبية، والتململ في دول عربية بسبب خطورة نتنياهو على استقرارها، والتحول النامي في الرأي العام الأميركي تجاه السيطرة الصهيونية على القرار الأميركي، كلها عوامل تلعب دورًا في ما ستؤول إليه القضية الأساسية.

لذلك، ليس واقعيًا أن نطالب عضو الكنيست العربي بحل القضية الفلسطينية، ولا أن نقيس أهمية التصويت بقدرته على حل القضية الفلسطينية.

ولكن باستطاعتنا أن نسأل عن دوره في مواجهة العنصرية، وعن هدم البيوت، والميزانيات، والتعليم، والجريمة، والحق في العمل، والتخطيط والبناء، وعن الدفاع عن المواطن العربي عندما تصبح هويته نفسها، ولغته وملابسه وشكله، مادة للتحريض.

في انتخابات عام 2022، بلغت نسبة التصويت بين العرب و"الدروز" نحو 53.2% فقط، في حين بلغت نسبة التصويت العامة في البلاد 70.6%. حصلت القائمة الموحدة على خمسة مقاعد، والجبهة والعربية للتغيير على خمسة مقاعد، وبقي التجمع خارج الكنيست.

أما في انتخابات عام 2020، فعندما ارتفعت نسبة التصويت العربية إلى نحو 64.8%، حصلت القائمة المشتركة على خمسة عشر مقعدًا.

هذه الأرقام تقول شيئًا بسيطًا: نسبة المشاركة تتحول إلى مقاعد، وكل عضو كنيست عربي إضافي يعني، حسابيًا وسياسيًا، مقعدًا أقل للقوائم الأخرى في الكنيست. وفي معركة قد يُحسم فيها تشكيل الحكومة بمقعدين أو ثلاثة، فإن خمسة عشر أو ستة عشر نائبًا عربيًا ليسوا رقمًا يستطيع أحد تجاهله بسهولة.

لا يعني ذلك أنهم سيصبحون شركاء في الحكومة بالضرورة، ولا أن الأحزاب الصهيونية ستتحول فجأة إلى أحزاب معترفة بحقوق العرب وبالشراكة معهم. بل من المرجح أننا سنسمع، كلما اقترب موعد الانتخابات، مزيدًا من التصريحات التي تتبرأ من الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة.

سنشهد أيضًا تحريضًا على الناخب العربي، ومحاولات تخويف الناخب اليهودي من مجرد فكرة أن يكون للعرب تأثير في تحديد هوية الحكومة القادمة.

هذا بحد ذاته يجعلنا نتساءل: إذا كان خصومنا السياسيون يخشون ارتفاع نسبة تصويت العرب، فلماذا نمنحهم ما يريدون ونبقى في بيوتنا؟

المشكلة الحقيقية ليست في عدم وجود أصوات عربية، بل في أن جزءًا كبيرًا منها لا يصل إلى صناديق الاقتراع.

هنا تقع مسؤولية على الأحزاب العربية نفسها.

إذا كانت هناك قائمتان تخوضان الانتخابات، فهذا لا يبرر أن تتحول الحملة الانتخابية إلى حرب تخوين وتسخيف متبادل. أنصار كل قائمة يستطيعون محاولة إقناع الناس بصحة برنامجهم ومواقفهم، ولكن عندما ينشغل كل طرف بإقناع الناخب بأن الطرف العربي الآخر خائن أو عديم الجدوى، فالنتيجة قد تكون ردّ الناخب: كلكم سواء، ولن أصوت لأحد.

هكذا لا يخسر المنافس العربي وحده، بل تخسر الجماهير العربية كلها.

لهذا، مطلوب ميثاق انتخابي واضح بين القائمتين العربيتين، وإدارة الخلاف بصورة حضارية، والاتفاق على فائض الأصوات، وإطلاق دعوة مشتركة لرفع نسبة التصويت، حتى مع استمرار الخلاف السياسي والرؤية بينهما.

إن الأقلية التي تملك حق التصويت ثم تتخلى عنه طوعًا تمنح الآخرين فرصة أن يقرروا عنها.

ليس مطلوبًا من الناخب العربي أن يؤمن بأن صندوق الاقتراع سيحرر فلسطين أو سيقضي على العنصرية، أو أنه سيحقق له المساواة، وإنما أن يفهم أن صوته أداة من أدوات عديدة، وأن التخلي عن أداة متاحة لا يجعل الأدوات الأخرى أقوى.

لن يأتي بعد نتنياهو من يحمل غصن الزيتون، ولن نجد حكومة مستعدة لتحقيق مطالبنا القومية والمدنية، ولكن إسقاط حكومة تتغذى على التحريض اليومي وعلى المزيد من الدموية تجاه شعبنا وشعوب المنطقة هو هدف مرحلي واضح ومحدد.

إذا استطاعت الجماهير العربية أن ترفع تمثيلها إلى خمسة عشر عضوًا أو أكثر، فلن يستطيع أحد أن يتجاهل مليوني عربي كأنهم غير موجودين.

بعد ذلك، تبقى المسؤولية على هؤلاء المندوبين: ما الذي سيفعلونه بهذه القوة؟ وكيف يديرونها بما يخدم الأهداف والقضايا الملحّة التي باتت تحزّ في العظم؟