أين الشباب الفلسطيني؟ هل تركوا السياسة أم تركتهم السياسة؟
يحضر هذا السؤال المهم في هذه اللحظة بالذات، إذ تنشغل الساحتان الفلسطينية والإسرائيلية بدورة انتخابية جديدة في ظروف استثنائية وشديدة الخطورة. وتتحرك الأحزاب والقوى السياسية داخل الخط الأخضر، إضافة إلى الفصائل والمبادرات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ فتُطلق المبادرات، وتُعاد صياغة التحالفات والخطابات، وتحتدم النقاشات حول هذه الانتخابات، وحول المشاركة والمقاطعة والتمثيل والبدائل السياسية. الكل تقريبا منشغل بالانتخابات، أو بما ستفرزه، أو بكيفية خوضها، أو بما ينبغي أن يأتي بعدها.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
بيد أنه في وسط هذه المعارك السياسية والانتخابية، يبرز سؤال يكاد يغيب عن النقاش: أين الشباب؟ وأين صوتهم؟ هل هم غائبون أم مُغيَّبون؟ وهل باتت وسائل التواصل الاجتماعي بديلا عن الحركة والحراك والفعل المباشر؟
ليس المقصود فقط: كم شابا سيصوّت؟ أو كم شابا سينضم إلى هذه القائمة أو تلك؟ بل السؤال الأهم والجوهري: أين الجيل الذي يُفترض أن يكون القوة الأكثر حيوية في تشكيل السياسة، ووجهة فلسطين وشعبها، وطبيعة المجتمع الذي يتطلع إلى العيش فيه؟ ولماذا لا نسمع صوته بوضوح في واحدة من أكثر اللحظات السياسية حساسية؟ لماذا لا يكون صوته هادرا وحضوره قويا على الأرض، كما هو الحال مع صوت الشباب الفلسطيني وغير الفلسطيني، من مختلف الجنسيات والأعراق، في أميركا والدول الغربية، في مواجهة أنظمة تلك الدول الداعمة للإبادة؟
هل ترك الشباب السياسة؟ أم أن السياسة الفلسطينية هي التي تركتهم؟
هذا السؤال المقلق يتكرر في كل لحظة تاريخية حرجة، وليس السؤال فقط حول ضعف مشاركة الجيل الجديد في الأحزاب السياسية والفصائل الفلسطينية؛ فقد أُشبع هذا الموضوع تمحيصا وتحليلا، وإن كان القليل من الشباب يهتمون بالاطلاع على هذه الدراسات. لكن بعد مرور زمن ليس بقصير على جمود الحالة الحزبية والفصائلية، يعود السؤال بقوة، لأن اللحظة تصرخ بالحاجة إلى قوة بشرية حيوية تبث روحا جديدة في الحياة السياسية، وتبعث الامل.
وتسمع هذه التساؤلات الصادقة من قادة ونشطاء المبادرات الشعبية المستقلة، وغالبيتهم الساحقة من الجيل القديم، من الذين حافظوا على البوصلة الوطنية وعلى قدر كبير من المصداقية، ولكن دون إدراك كاف لسرّ الغياب: إنه سؤال سياسي يرتبط بالحاضر والمستقبل، بل بمصير كل واحد منا، وربما هو أحد أكثر الأسئلة إلحاحا أمام الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم داخل فلسطين، بين النهر والبحر.
ففي كل لحظة سياسية حرجة، وفي كل موسم انتخابي تعود الأحزاب إلى مخاطبة الشباب بوصفهم كتلة انتخابية، أو قوة يمكن تعبئتها في الحملات، أو جمهورا مطلوبا منه التصويت. لكن نادرا ما يُطرح السؤال المعاكس: هل صُممت السياسة نفسها بطريقة تجعل الشباب يريدون المشاركة فيها؟
فالمشكلة ليست فقط في أن الشباب لا يظهرون في الحملات الانتخابية أو في الهياكل الحزبية والفصائلية، بل المشكلة الأعمق هي أنهم، في كثير من الأحيان، لا يجدون أنفسهم في الخيارات السياسية المطروحة أصلا.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه الأحزاب والمبادرات المختلفة بإعادة ترتيب مواقعها استعدادا للاستحقاقات الانتخابية، تبدو الفجوة بين الجيل السياسي القديم والجيل الجديد أكثر وضوحا. ومع ذلك، فإن الفجوة الجيلية لا تفسر كل شيء؛ فهناك عوامل أكثر أهمية. الشباب حاضرون في المجتمع، وفي الجامعات، وفي الفضاء الرقمي، وفي حملات التضامن، وفي الاحتجاجات، وفي المبادرات المحلية والعابرة للحدود؛ لكن حضورهم السياسي لا ينعكس في مؤسسات الحركة الوطنية المستقلة، أو في النظام السياسي الفلسطيني، ولا في مراكز صنع القرار، ولا حتى في الأحزاب والفصائل المعارضة، وهنا تكمن المعضلة.
فالشباب الفلسطيني الذي يتابع الحرب على غزة، ويقرأ عن الاستعمار والصهيونية، ويناقش القضية الفلسطينية، وينشط على وسائل التواصل، بل ويجيد بعضهم الكتابة التحليلية بامتياز، ليس شبابا غير مُسيَّس. إنه يحمل أفكارا سياسية، ويمتلك بعضهم عمقا في فهم اللحظة وسياقها، لكنه ليس بالضرورة مُنظّما؛ أي إنه لا يمارس السياسة ولا ينخرط في عملية التغيير المنظم والشامل، ومع مرور الزمن يعتاد على التغيب السياسي.
وتغرينا المقارنة مع جيل "زد" في الغرب، حيث نشهد هناك عودة قوية إلى السياسة، وإلى مساءلة الرأسمالية والإمبريالية والصهيونية واللامساواة الجندرية والاستعمار الاستيطاني والعنصرية. وفي الجامعات الأميركية والغربية، أصبح التضامن مع فلسطين جزءا من سياسة أوسع تعيد تعريف علاقة الشباب بالسلطة والأحزاب والقضايا العالمية. إننا نشهد تحولا عميقا فيما يُطلق عليه وصف "ثورة معرفية وأخلاقية".
أما في فلسطين، حيث يعيش الشباب في قلب الاستعمار والاحتلال والحرب والتمييز والتفكك السياسي، فيبدو الغياب أو التغييب صارخا: لماذا لا تتحول هذه الطاقة السياسية الهائلة إلى قوة شبابية منظمة ومستدامة؟
ولذلك فإن السؤال الذي تفرضه علينا الحراكات السياسية من خلال الانتخابات في هذه اللحظة ليس فقط: من سيفوز؟ ومن سيخسر؟ ومن سيدخل البرلمان، أو الكنيست، أو المجلس التشريعي الفلسطيني، أو المجلس الوطني الفلسطيني؟ ومن سيشكل الحكومة؟ بل هناك سؤال أعمق: أين الشباب من كل ذلك؟ ومن يتحدث باسمهم؟ ومن يمنحهم حقا حقيقيا في صياغة البدائل السياسية التي ستحدد مستقبلهم؟
ربما لا تكمن المشكلة في أن الشباب، في العموم، أصبحوا أقل اهتماما أو انشغالا بالسياسة، بل في أن السياسة الفلسطينية أصبحت أقل قدرة على استيعابهم. ومن هنا يصبح النقاش حول الشباب أكثر من مجرد حديث عن جيل جديد؛ إنه نقاش حول مستقبل الحركة الوطنية نفسها، وحول قدرتها على التجدد وعلى إنتاج أشكال جديدة من التنظيم والقيادة والمشاركة.
فالانتخابات تأتي وتذهب، والقوائم تتغير، والتحالفات تتبدل؛ لكن الواقع مثقل بالكوارث الإنسانية والانحرافات السياسية الخطيرة، والتي تتطلب مواجهتها قوة أكثر إبداعا وفاعلية. لذلك فإن السؤال الذي يبقى هو: هل تستطيع السياسة الفلسطينية أن تستعيد الشباب بوصفهم قوة منتجة للسياسة، لا مجرد جمهور انتخابي؟
إن رفض الشباب للأحزاب القديمة ليس في حد ذاته مشكلة، بل ربما يكون هذا الرفض صحيا وضروريا، خاصة عندما تفقد هذه الأحزاب، أو معظمها، وظيفتها وتتجمد عند الماضي. المشكلة تبدأ عندما يتحول رفض التنظيم القديم إلى رفض للتنظيم نفسه؛ وعندما يتحول الغضب إلى تعبير فردي، والاحتجاج إلى لحظة، والموقف إلى منشور، والحراك إلى تجمع مؤقت لا يترك وراءه مؤسسة قادرة على الاستمرار. وفي حالات كثيرة، يستقيل الكثير من الشباب من السياسة، ويتركونها لمن ينتقدونهم، ويعتادون على راحة الوقوف جانبا.
من الحركة إلى الحراك
السؤال إذن ليس: لماذا لا يعود الشباب إلى الأحزاب؟ بل: كيف يتحول رفضهم للأحزاب القديمة إلى صوت قادر على إنتاج سياسة وتنظيم جديدين؟
إن العنوان أعلاه هو عنوان دراسة للباحث الأكاديمي والقيادي الفلسطيني، الدكتور أحمد جميل عزم، صدرت قبل سنوات في كتاب عن مركز مسارات في رام الله بعنوان "الشباب الفلسطيني: من الحركة إلى الحراك (1908–2018)". يتتبع الكتاب تاريخ النشاط الشبابي الفلسطيني وتحولاته على مدى أكثر من قرن، ويبين أن الشباب لم يكونوا تاريخيا مجرد جمهور للحركة الوطنية، بل كانوا في مراحل عديدة من صانعيها.
كما يحلل الكتاب مسار الحراكات الشبابية الفلسطينية التي انطلقت بعد الثورات العربية، في رام الله ضد الانقسام، وهبة 2015 ضد الاحتلال، ويشير إلى الدور الذي لعبته، ويتوقف عند قصوراتها ونواقصها، ويقدم في نهاية الكتاب عدة توصيات لكيفية تفادي تلك القصورات، والانتقال إلى مرحلة تنظيم من نوع جديد.
قبل النكبة ظهرت جمعيات وأطر شبابية ساهمت في تشكيل الوعي الوطني. وبعد النكبة، ارتبط النشاط الطلابي والشبابي بصعود الحركات الفلسطينية المقاومة، وكان الشباب جزءا من البيئة التي ساهمت في نشوء حركات مثل فتح والجبهة الشعبية وغيرها، ولاحقا حركات المقاومة الإسلامية.
وفي داخل الخط الأخضر، بنى وقاد الشباب أحزابا وحركات سياسية كالحزب الشيوعي، وحركة الأرض، وحركة أبناء البلد، والحركة التقدمية، والحركة الإسلامية، والتجمع الوطني الديمقراطي، وغيرها من الأطر الطلابية والتطوعية. ولاحقا ظهرت الحركات الشبابية غير الحزبية وخاضت معارك شعبية لافتة، لكنها انطفأت.
وهذا الاستعراض مهم جدا؛ لأن الصورة الحالية التي تقدم الشباب بوصفهم "جيلا غير سياسي" تتناقض مع جزء أساسي من التاريخ الفلسطيني. لقد كان الشباب، في لحظات تاريخية حاسمة، المختبر الذي ولدت فيه المشاريع السياسية الجديدة والكبيرة.. لكن شيئا ما تغير.
عندما أُغلقت أبواب السياسة
مع قيام سلطة أوسلو، ولا سيما مع انحدار وظيفتها إلى دور الوكالة للاستعمار، وطمس قيم التحرر، شهدت الساحة تراجعا للعمل الشعبي لمصلحة المؤسسات الرسمية، وانتقل مركز الثقل من التعبئة الوطنية إلى إدارة السلطة والمفاوضات والمؤسسات البيروقراطية التي ينخر فيها الفساد. وقد أدى ذلك إلى تقلص المجال الذي كان يسمح للشباب بالمشاركة في إنتاج الحركة الوطنية.
ثم جاء الانقسام الفلسطيني ليعمق الأزمة، ولتتراكم أمام الجيل الجديد صورة منظومة سياسية مغلقة: قيادات متقدمة في العمر، وفصائل متجمدة، وانقسام جغرافي وسياسي، ومؤسسات تمثيلية ضعيفة، وأحزاب لم تعد قادرة على إقناع قطاعات واسعة من الشباب بأن المشاركة فيها يمكن أن تغير شيئا، وجزء أساسي من المنظومة السياسية متورط في التنسيق الأمني مع المستعمر.
إضافة إلى ذلك، برز تغلغل تأثيرات الـ"نيوليبرالية" وإفرازاتها المتمثلة في سيادة النزعة الاستهلاكية والفردانية، والبحث الدؤوب عن الأمن المعيشي الفردي، مما أدى إلى تراجع الروح الجمعية وضياع المعنى السياسي الجامع.
وفي هذا السياق، يتناول الباحث والقيادي في حزب التجمع، الدكتور خالد عنبتاوي، في دراسته الجادة عن هبة الوحدة والكرامة عام 2021 بعنوان "هبة في حالة عتبة، الفعل الانتفاضي الشعبي لدى فلسطيني الداخل 1948" الصادر عن مركز "مدى الكرمل -حيفا"، يتناول السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي نشبت فيه الهبة، والأسباب التي حالت دون استمرارها، كما يتطرق إلى أبعاد الأزمة النفسية والاجتماعية والقلق الوجودي الذي يعيشه الشباب الفلسطيني، خصوصا في ظل ضغوطات الحياة اليومية وتفكك الأطر الجمعية والقمع الإسرائيلي الشديد، إضافة إلى هيمنة ثقافة الاستهلاك والبحث عن الأمان المعيشي الخاص كآلية للبقاء.
وينعكس هذا القلق الوجودي والتحول الـ"نيوليبرالي" في شعور بالفقدان والاغتراب، وتراجع الأمل في التغيير السياسي عبر المؤسسات القائمة، مما يحول حالة الانسداد السياسي إلى أزمة ذاتية ونفسية مركبة تجعل من الصعب على الشباب تنظيم أنفسهم دون معالجة هذا العبء الوجودي والاجتماعي الثقيل.
في مثل هذه البيئة، يصبح الابتعاد عن الحزب مفهوما. لكن هنا تقع المفارقة: الشباب خرجوا من الحركة، لكنهم لم يجدوا بعد تنظيما جديا يحل محلها. وهكذا انتقلنا من "الحركة" إلى "الحراك"، كما يقول الدكتور أحمد عزم.
إن الحراك قوة هائلة، ولكنها قصيرة العمر. لقد كان ظهور الحراكات الشبابية الفلسطينية تعبيرا عن حاجة حقيقية إلى تجاوز الأطر التقليدية؛ فالحراك أكثر مرونة، وأقل هرمية، وأسرع في الاستجابة، ويتيح لمن هم خارج الأحزاب المشاركة في الفعل السياسي.
وقد شهدت فلسطين خلال العقدين الماضيين نماذج عديدة: مقاومة الجدار والاستيطان، والمبادرات الشعبية، وحركة المقاطعة (BDS)، والحراك ضد الانقسام، والتضامن مع غزة، والحراكات الشبابية داخل أراضي 1948، ومنها النضال ضد مخطط "برافر" الاقتلاعي، ومواجهة الجريمة، وهبة الوحدة والكرامة عام 2021 التي قادها الشباب في غياب دور الأحزاب، إضافة إلى شبكات الشباب العابرة للحدود.
لكن الحراك، مهما بلغت قوته، يواجه مشكلة أساسية: يستطيع أن يقول "لا" بقوة، لكنه يجد صعوبة أكبر في بناء "نعم" سياسية مستدامة.
يمكنه أن يحشد آلاف الشباب في لحظة، لكنه لا يستطيع الاحتفاظ بهم من دون تنظيم. يستطيع أن ينتج شعارا قويا، لكنه يحتاج إلى برنامج لتحويل الشعار إلى مشروع. ويمكنه أن يرفض القيادة القديمة، لكنه يحتاج إلى إنتاج قيادة جديدة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا بعد الحركة؟ بل ماذا بعد الحراك؟
الداخل الفلسطيني: الطاقة موجودة، لكن أين التنظيم؟
داخل الخط الأخضر، تكشف التجربة الشبابية عن معطيات إضافية. فقد عرفت الجامعات والبلدات العربية موجات متتالية من النشاط السياسي والشعبي، وتحديدا منذ السبعينيات، أي بعد انتفاضة يوم الأرض المجيدة عام 1976. وقد أنتج هذا الحراك حركات طلابية وطنية ويسارية وإسلامية مهمة في الجامعات الإسرائيلية، وكذلك تنظيمات للطلاب الثانويين.
تميزت العقود التي تلت يوم الأرض بنهوض شعبي كبير، انضوى فيه الشباب ضمن الحركات والأحزاب العلمانية والإسلامية، لكن في لحظة زمنية لاحقة، أخذ الشباب هذا الحراك إلى مستوى متقدم، فبعد أن كانت لجنة المتابعة العليا تنظم المظاهرات المرخصة، انتقل الحراك الشبابي الى اعتماد تكتيك إغلاق الشوارع والمواجهة مع قوات الأمن الإسرائيلية.
وفي الحراك ضد مخطط "برافر"، الذي امتد بين عامي 2010 و2013، ظهر الشباب كقوة مركزية وقيادية، بل ومبادرة، واجتمعت فيه قيادات حزبية، خاصة من حزب التجمع وحركة أبناء البلد، ولاحقا انضمت الجبهة، مع الآلاف من الشباب الوطني غير المحزب، وشكل هذا التلاقي والتنسيق، برأيي، تطورا لافتا لم يسبقه مثيل.
كانت لحظة مهمة التقت فيها أعداد كبيرة من الشباب من داخل الأحزاب وخارجها في مواجهة مشروع اقتلاعي يستهدف الأرض والوجود في النقب، مما أدى في نهاية المطاف إلى إسقاط القانون الجائر في حينه.
ثم جاءت هبة الوحدة والكرامة عام 2021 لتؤكد أن الشباب الفلسطيني داخل منطقة الـ48 ليسوا كتلة سياسية خاملة؛ فعندما انفجرت اللحظة، خرجوا إلى الشارع، وتجاوزوا الحدود الحزبية والجغرافية، وأعادوا طرح وحدة القضية الفلسطينية.
لكن السؤال بقي نفسه: لماذا لا تستمر الطاقة التي تظهر في لحظات الانفجار؟
المشكلة ليست في غياب الطاقة، بل في غياب الأطر القادرة على تحويل الطاقة إلى قوة سياسية مستدامة. وهذا هو التحدي الذي لا يمكن تجاوزه بمجرد الدعوة إلى "إعادة الشباب إلى الأحزاب"، وهو تحد ليس موجها إلى الأحزاب فحسب، بل أيضا إلى طلائع الشباب الواعي.
لقد أصبح الفضاء الرقمي جزءا أساسيا من السياسة الفلسطينية. وبعد جريمة الإبادة في غزة، وصلت القضية الفلسطينية إلى ملايين الأشخاص حول العالم، وأصبح الشباب الفلسطيني، خاصة في الخارج وتحديدا في الدول الغربية، حاضرا بقوة في النقاش السياسي العالمي. وتخوض طلائعه الواعية والمثقفة نضالا منظما بمستويات رفيعة، ومن خلال التقاطع مع نضالات محلية تخص هموم المواطن الأميركي والغربي، مما يمنحهم قدرة أعمق على التأثير في الحياة السياسية هناك.
لكن الوصول إلى ملايين الأشخاص لا يعني بناء حركة، فالإعجاب ليس التزاما، والتفاعل ليس تنظيما، والمتابعة ليست عضوية، والانتشار ليس قوة سياسية.
المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي، بل في الاعتقاد بأنها تستطيع أن تحل محل التنظيم، فالتكنولوجيا تستطيع أن تساعد على بناء الحركة، لكنها لا تستطيع أن تكون الحركة نفسها.
وهنا يكمن خطر السياسة المتشظية، فآلاف الشباب لديهم مواقف سياسية قوية، لكنهم يعملون بطريقة منفصلة في شبكات ومبادرات وحملات مختلفة، من دون إطار قادر على جمع هذه الطاقات وتحويلها إلى قوة سياسية مشتركة. وهناك شباب يرتضون بالعمل في حركات وطنية صغيرة دون أن تتوسع، ودون امتلاك ملكة النقد والمراجعة، لدرجة أن الإطار يصبح هدفا بحد ذاته.
وهذا يعني أن الخطر ليس أن الشباب أصبحوا غير سياسيين، بل أن السياسة أصبحت فردية في الوقت الذي تحتاج فيه القضية إلى العمل الجماعي أكثر من أي وقت مضى.
لا يجوز أن تتحمل الأجيال الجديدة وحدها مسؤولية هذه القطيعة؛ فالأحزاب والفصائل تتحمل مسؤولية أساسية. إذ لا يمكن لحزب أن يشكو من عدم اهتمام الشباب، وهو لا يمنحهم حقا حقيقيا في صنع القرار. ولا يمكن لفصيل أن يطلب من جيل جديد أن يعيش داخل خطاب صاغته ظروف تاريخية مختلفة، من دون أن يمنحه الحق في إعادة صياغة البرنامج.
والتشبيب الشكلي لا يكفي؛ فوضع عدد من الشباب في مواقع رمزية لا يعني نقل السلطة إليهم. والمطلوب هو توزيع حقيقي للسلطة السياسية عبر انتخابات داخلية، وتداول للقيادة، ومساءلة، وشفافية، وحق في الاختلاف، وفتح المجال أمام جيل جديد لصناعة القرار، لا مجرد تنفيذ قرارات صيغت من فوق.
هناك بعض الأحزاب التي حققت خطوات مهمة في هذا الاتجاه، أي في تمكين الشباب داخل الهيئات القيادية، ومن المفترض أن يترسخ هذا التوجه ويعم الحياة السياسية كلها.
لا نحتاج إلى إعادة الشباب إلى الماضي
ربما لا يكون السؤال: هل نحتاج إلى أحزاب جديدة؟ بل: هل نحتاج إلى ثقافة سياسية وتنظيمية جديدة؟
الشباب اليوم يحتاجون إلى تنظيم أكثر ديمقراطية ومرونة، وأكثر اتصالا بالمجتمع، وقادر على الجمع بين العمل الرقمي والعمل الميداني؛ تنظيم لا يحول العضو إلى تابع، ولا القيادة إلى طبقة مغلقة؛ تنظيم يستفيد من الشبكات الرقمية، لكنه لا يعيش داخل الشاشة. والأهم أن يكون قادرا على وصل الجغرافيا الفلسطينية بعضها ببعض: الضفة، وغزة، والقدس، ومنطقة 1948، والشتات.
فهذه الجغرافيا مقسمة سياسيا واستعماريا، لكن الشباب فيها يواجهون سؤالا وطنيا مشتركا. وإعادة بناء الحركة الوطنية لا يمكن أن تتم من دون خلق مساحات سياسية جديدة تجمعهم.
لذلك ربما لا يكون المطلوب العودة من الحراك إلى الحركة القديمة، بل الانتقال إلى صيغة ثالثة، كما يرى الكثيرون من المتخصصين في الحراكات الاجتماعية: تنظيم شبكي لكنه مؤسسي، ديمقراطي لكنه قادر على اتخاذ القرار، مرن لكنه يمتلك برنامجًا سياسيًا واضحًا، ومفتوح لكنه قادر على الاستمرار والتجدد.
إذن، ليس السؤال: لماذا لا يهتم الشباب بالسياسة؟ بل: لماذا لم تعد السياسة قادرة على جذب الشباب؟ وليس السؤال: كيف نعيد الشباب إلى الأحزاب القديمة؟ بل: كيف نبني سياسة تستحق أن ينخرط فيها الشباب؟
الشباب الفلسطينيون الذين يرفضون الأحزاب القديمة لا ينبغي أن يُطلب منهم العودة إليها كما هي. ينبغي أن يُطلب منهم شيء أصعب وأهم: أن ينظموا أنفسهم، وأن ينتجوا رؤيتهم، وأن يبنوا مؤسساتهم، وأن ينتقلوا من الاحتجاج إلى الفعل السياسي المنظم.
فالمشكلة ليست أن الشباب تركوا السياسة؛ المشكلة أن السياسة الفلسطينية تركت الشباب. فالشباب الذين كان يُفترض أن يكونوا مستقبل الحركة الوطنية أصبحوا خارج مؤسساتها، بينما المؤسسات التي يُفترض أن تمثل المستقبل أصبحت أسيرة الماضي.
إن الخروج من هذه الحلقة لن يكون بإعادة إنتاج التنظيمات القديمة، ولا بتحويل كل حراك إلى حزب بالمعنى التقليدي. المطلوب هو بناء شكل سياسي جديد يأخذ من الحراك قدرته على المبادرة والمرونة، ومن الحركة قدرتها على التنظيم والاستمرارية والبرنامج.
فالرفض وحده لا يكفي؛ الغضب يحتاج إلى تنظيم، والتنظيم يحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى قوة جماعية.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الشباب الفلسطيني اليوم: ليس أن يعودوا إلى السياسة التي غادروها، بل أن يبادروا إلى اختراع السياسة التي تستحق أن يعودوا إليها.
فإذا كان ثمة مستقبل للحركة الوطنية الفلسطينية، فلن يكون ممكنا من دون استعادة الشباب لموقعهم في صناعة هذا المستقبل؛ لا بوصفهم جيلا ينتظر دوره، بل بوصفهم الجيل الذي يستطيع أن يعيد تعريف معنى السياسة والتنظيم والتحرر.