26/08/2026 - 15:44

العودة إلى دروس جنوب إفريقيا في ضوء الحرب في منطقتنا

إذا كانت نهاية الحرب الباردة قد سمحت للإمبريالية بالتخلي عن معقلها العنصري الأبيض في جنوب إفريقيا، فلماذا، في المرحلة نفسها، اشتدّ تمسّكها بمعقلها الصهيوني في المشرق؟

العودة إلى دروس جنوب إفريقيا في ضوء الحرب في منطقتنا

وقفة مناصرة للقضية الفلسطينية وداعية إلى مقاطعة إسرائيل في جنوب إفريقيا، تشرين الأول/ أكتوبر 2025 (Getty Images)

هناك أسباب عديدة للاعتماد على تجربة حركة التحرر الوطني ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا عند بحث إستراتيجيات ممكنة لاسترجاع الحقوق الفلسطينية المسلوبة؛ أبرزها نجاح هذه التجربة في إنهاء ذلك النظام القمعي الدموي، الذي كان يمتلك مختلف أنواع الأسلحة الحديثة بما في ذلك الأسلحة النووية، ودون إراقة دماء هائلة خلال عملية التغيير. ومن الطبيعي أن يكون أكثر المهتمين بتجربة جنوب إفريقيا في الساحة الفلسطينية هم من يدعون لتطبيق حل الدولة الديمقراطية الواحدة.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

منذ تحرير مستعمرات إسبانيا والبرتغال في أميركا اللاتينية مطلع القرن التاسع عشر، وعلى نطاق أوسع مع إنهاء الاستعمار في معظم بلدان إفريقيا وآسيا خلال القرن الماضي، عاشت غالبية شعوب العالم تجربة التحرر الوطني بشكل أو بآخر. إلا أن استعمار فلسطين يختلف عن معظم الأنظمة الاستعمارية بكونه "استعماراً استيطانياً"؛ لا يعتمد على سيطرة قوة عسكرية تأتي من دولة مستعمِرة بعيدة فحسب، بل على جلب مهاجرين لبناء قاعدة من المواطنين الموالين له. وقد تشكّل شبه إجماع بين المحللين المهتمين بالقضية الفلسطينية أن الإطار الأصح لدراستها هو أدبيات "الاستعمار الاستيطاني"، وأن هذا النمط من أخطر أنواع الاستعمار؛ لأنه لا يكتفي بقمع الشعوب المستعمَرة واستغلالها، بل يعمل على تهميشها، وقد يلجأ إلى التطهير العرقي، وحتى إلى ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، كما كان الأمر في الولايات المتحدة وأستراليا على سبيل المثال.

ومن هنا، اعتبر كثير من المحللين تجربة جنوب إفريقيا دليلاً على "أن العالم قد تغيّر"، وأنه لا يمكن في العصر الحديث حل مشاكل الاستعمار بأسلوب الإبادة أو القضاء على الشعوب الأصلية. غير أن وحشية هجوم جيش الاحتلال على سكان قطاع غزة خلال حرب الإبادة، والدعم غير المشروط من القوى الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وعجز القانون الدولي والمؤسسات الأممية والمجتمع المدني عن فعل أي شيء ملموس لوقف يد الجلادين؛ قد فاجأت الجميع.

لقد تفوقت حملة القتل والتدمير هذه على كل ما شهدناه على مدى قرن ونصف، عانى خلاله الشعب الفلسطيني من القمع والاقتلاع والمجازر على يد آلة البطش الصهيونية. كما فاجأ الإفلاس الأخلاقي التام والمفضوح لما يُسمى "المجتمع الدولي" كل إنسان كان يؤمن بأن العالم قد يتقدم نحو إعلاء قيم العدالة وحقوق الإنسان، فهل كانت حالة جنوب إفريقيا استثنائية؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة؟

أوجه التشابه والاختلاف

سلط العديد من الكتّاب الفلسطينيين وأنصار الحق الفلسطيني الضوء على التشابه الهيكلي بين النظام الصهيوني ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ من حيث القوانين التمييزية والمعاملة العنصرية ضد السكان الأصليين، وذلك بهدف إثبات أن النظام الصهيوني لا يختلف عن سلفه من حيث المبدأ، وأنه ينطبق عليه تعريف "الأبارتهايد".

وبالفعل، خلال العقود الأخيرة رأينا ترسيخاً للوعي بطبيعة دولة إسرائيل بصفتها دولة فصل عنصري (أبارتهايد)؛ وهو تعريف تبنّته رسمياً في بداية هذا العقد مؤسسات حقوق الإنسان العالمية الرائدة، وحتى بعض المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية. وبحسب القانون الدولي، يعدّ نظام الأبارتهايد جريمة ضد الإنسانية، ويقع على عاتق الجميع واجب العمل على وقف جرائمه.

ولكن، للاستفادة من هذه التجربة في تحليل مسار الصراع ولرسم سياسات ومناهج تحررية، لا يكفي جلب الانتباه إلى جانب واحد من جوانب التشابه، كما لا يكفي تعداد الصفات المشتركة، بل يجب الانتباه أيضاً إلى جوانب الاختلاف، وإلى المسارين التاريخيين اللذين مرت بهما التجربتان، وبقدر كثرة أوجه التشابه، تزداد أهمية التحليل الدقيق لنقاط الافتراق بين المسارين.

لن يكون من المبالغة القول إن إسرائيل وأبارتهايد جنوب إفريقيا ولدتا كتوأم، أُسسا كلاهما على أيدي السكان المستوطنين للسيطرة على مستعمراتهم، في أعقاب انسحاب الاحتلال البريطاني المباشر بعد الحرب العالمية الثانية. نقطة الانطلاق لتأسيس "الدولة البيضاء" في جنوب إفريقيا كانت انتصار "الحزب القومي الموحد" في الانتخابات "العامة"، التي استثنت السكان الأصليين، وذلك في 26 أيار/ مايو 1948، بعد 11 يوماً فقط من تأسيس "الدولة اليهودية" في فلسطين.

وكان المكوّن الأساسي في أبارتهايد جنوب إفريقيا من المستوطنين من أصول هولندية، وينتمون إلى الكنيسة الإصلاحية الهولندية، وبذلك لم يكن عندهم ارتباط بنيوي بالاستعمار البريطاني، بخلاف العديد من المستوطنين في مستعمرات أخرى، بريطانية وفرنسية وغيرها.

وبرد فعل طبيعي، رفض السكان الأصليون سلب حقوقهم الإنسانية والقومية تحت نظام الأبارتهايد، واستخدموا كل أشكال المقاومة؛ بدءاً من النضال الجماهيري والسياسي وصولاً إلى الكفاح المسلح. وقد قادت المقاومة ضد الأبارتهايد في جنوب إفريقيا حركة "المؤتمر الوطني الأفريقي" (ANC)، التي أُسست للدفاع عن حقوق السكان الأصليين تحت الاحتلال البريطاني عام 1912، إلى جانب الحزب الشيوعي و"المؤتمر الإفريقي الجامع لأزانيا" (PAC) الأكثر راديكالية.

وفي مرحلة ما، كان دور منظمة التحرير الفلسطينية، التي أُسست عام 1964 لتوحيد حركة التحرر وقيادتها، يشبه دور المؤتمر الوطني الإفريقي. أما دور الأحزاب الشيوعية في فلسطين والمنطقة فقد اختلف نوعياً عن دور الشيوعيين في جنوب إفريقيا؛ حيث رفض الشيوعيون هناك الاعتراف بشرعية نظام الأبارتهايد، وكان لهم دور محوري في بناء حركة التحرر وتطويرها، بما في ذلك الكفاح المسلح.

وفي نطاق التشابه، نذكر التحول المهم الذي شهده عام 1976؛ حيث خاضت الجماهير الفلسطينية في مناطق الـ48 إضراب "يوم الأرض" (30 آذار)، وهو أول إضراب عام في الداخل الفلسطيني منذ النكبة احتجاجاً على مصادرة الأراضي وتهويد الجليل، وقد سقط خلاله 6 شهداء والمئات من الجرحى. كما امتد إضراب يوم الأرض إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ومخيمات اللجوء في الدول العربية، ممّا أكد على وحدة الشعب الفلسطيني وعلى الهوية الجماهيرية الشاملة لحركة التحرر.

وفي العام نفسه، وتحديداً في 16 حزيران/ يونيو، اندلعت في جنوب إفريقيا "ثورة سويتو"؛ حيث خرج آلاف الطلاب في مظاهرات احتجاجاً على قرار الحكومة بتعليم التلاميذ السود بلغة "الأفريكانز" (لغة المستعمرين من أصل هولندي). وقد انتشرت مظاهرات الطلاب في أنحاء البلاد واستمرت عدة أشهر، وسقط خلالها أكثر من 500 طالب شهيداً بنيران الشرطة والجيش، وكان لها دور تاريخي في تثبيت الطابع الجماهيري لحركة التحرر، ولفت انتباه العالم إلى الطابع الإجرامي للنظام.

وفي جنوب إفريقيا، كما في فلسطين، لم يقتصر الصراع على ما داخل حدود دولة الأبارتهايد؛ فعلى مدى 46 عاماً من حكم ذلك النظام المجرم، لم تهدأ دول الجوار من الغزوات والاغتيالات والغارات وحملات زعزعة الاستقرار، وكلها بهدف "القضاء على المقاومة".

وتُذكر من بينها الحرب الأهلية الدموية في أنغولا التي اندلعت عام 1975 (بالتزامن مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان)، وكان لنظام الأبارتهايد دور رئيسي في إشعال نيرانها في خدمة "الغرب"، وهي الحرب التي أسفرت عن مقتل أكثر من 500 ألف شخص وتشريد الملايين.

سبقت حركة التحرر في جنوب إفريقيا في ثمانينيات القرن الماضي الانتفاضة الفلسطينية؛ فقد أُسست عام 1983 "الجبهة الديمقراطية الموحدة" (UDF)، التي جمعت بين صفوفها أكثر من 400 إطار من النقابات والمنظمات النسائية والشبابية والأهلية، وخاضت خلال عامين (1984–1986) معركة عصيان مدني متعددة الأشكال تحت شعار: "اجعلوا جنوب إفريقيا غير قابلة للحكم".

وفي هذا السياق، من المهم الانتباه إلى فرق جوهري بين وضع المواطنين السود في جنوب إفريقيا وبين الفلسطينيين تحت حكم إسرائيل؛ فمع كل عنصريتها، كانت الطبقة البرجوازية الحاكمة في جنوب إفريقيا تعتمد بالأساس على القوة العاملة السوداء لبناء اقتصادها وإدارته. ولهذا السبب، استطاع العصيان المدني للسكان السود، بصفتهم عمالاً ومستهلكين، شلّ قطاعات حيوية من الاقتصاد الوطني، ومكّنهم من إرغام الطبقة الحاكمة نفسها على إعادة التفكير في الحفاظ على مصالحها عبر تسوية سياسية.

وفي المقابل، لا يزال الهدف بعيد المدى للمشروع الصهيوني قائماً على اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه؛ ومن ثمّ لا يُسمح للقوة العاملة الفلسطينية بأن تأخذ دوراً مركزياً في الاقتصاد، بل يُدفع بها باستمرار نحو الهوامش، مع استغلال كل فرصة لزعزعة المجتمع والاقتصاد الفلسطيني لتمرير أهداف التهميش والاقتلاع والتهجير.

والجدير بالذكر أنه خلال كل سنوات الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، وحتى في أيام الاحتلال البريطاني الذي سبقه، حاول النظام كسب نوع من الشرعية من خلال تشكيل "أوطان قومية" ودويلات سُميت "البانتوستانات" للمواطنين السود على نحو 13% فقط من مساحة البلاد، وذلك ليظهر السكان البيض كأغلبية في "دولة جنوب إفريقيا البيضاء الديمقراطية".

وقد رفضت حركة التحرر هذا التقسيم جملةً وتفصيلاً، وظلت تنادي بالديمقراطية للجميع على كامل مساحة الوطن، إلى أن تم تفكيك نظام الأبارتهايد، ورفع الحظر عن منظمات المقاومة عام 1990، وإقرار الدستور الديمقراطي عام 1993، وتُوّج ذلك بانتصار "المؤتمر الوطني الإفريقي" بقيادة نيلسون مانديلا في أول انتخابات ديمقراطية جرت بين 26 و29 نيسان/ أبريل عام 1994، ونقل السلطة بطريقة سلمية.

الظروف التي أتاحت التغيير

وبذلك، يبقى السؤال الأكثر أهمية المطروح أمامنا: لماذا افترق مسار هذين التوأمين؛ إذ تحررت جنوب إفريقيا من نظام الأبارتهايد، وفي الوقت نفسه لم تؤدِّ "عملية السلام" عبر اتفاقيات أوسلو (1993–1995) في فلسطين حتى إلى حل جزئي أو مشوه، بل زاد الاستيطان وتصاعدت عنصرية إسرائيل وعدوانيتها، وصولاً إلى حرب الإبادة التي لم تنتهِ بعد؟

ولكي نجيب عن هذا السؤال، علينا أن نبحث عن "بيضة القبان" التي أدت إلى سقوط نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا.

فقد كان السبب الأول لسقوط الأبارتهايد، بلا شك، هو طابعه الوحشي والإجرامي، وفضح هذا الطابع أمام عيون العالم. أما بالنسبة إلى تقييم دقيق لمدى فعالية هذا السبب، فمن المهم أن نلاحظ أن إعلان الأمم المتحدة الأبارتهايد جريمةً ضد الإنسانية تم عام 1973، أي قبل عامين فقط من قرارها الذي أقرّ أن "الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية" عام 1975. غير أن هذه الإدانة الدولية لم تمنع القوى الإمبريالية من استمرار دعم نظام الفصل العنصري لقرابة عقدين آخرين، باعتباره حصناً منيعاً لحماية مصالحها، وضد "خطر الشيوعية" في إفريقيا.

أما السبب الثاني والأهم لسقوط نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، فكان النضال البطولي للمواطنين الأصليين الذين عانوا تحت هذا النظام، والتضحيات الجسام التي قدموها من شهداء وجرحى ومعتقلين في السجون ومحرومين من أبسط الحقوق، وكذلك تضحيات الشعوب في الدول المجاورة التي احتضنت حركة التحرر رغم الأثمان الباهظة التي دفعتها من قصف وتخريب وحروب.

وفي هذا السياق، يشهد العالم للشعب الفلسطيني أن نضاله وتضحياته لا تقل عن أي حركة تحرر أخرى في عالمنا المليء بالشعوب المناضلة. ومما لا شك فيه أنه لولا هذا النضال لبقي نظام الأبارتهايد قائماً على عرشه إلى اليوم؛ إذ يعلم الجميع أنه "لا يضيع حق وراءه مطالب"، وأن الظالمين لا يتنازلون عن امتيازاتهم بإرادتهم الحرة.

ولكن، مع كل بطولات وتضحيات المناضلات والمناضلين لأجل الحرية في جنوب إفريقيا، ظلّ ميزان القوة العسكري لصالح النظام القمعي؛ إذ لم ينجح "المؤتمر الوطني الإفريقي" ولا غيره من حركات التحرر في التمسك بأي قطعة أرض محررة داخل الوطن.

أما "انتفاضة جنوب إفريقيا" (تحت شعار: "اجعلوا جنوب إفريقيا غير قابلة للحكم")، فكان أثرها على حياة السود أشمل وأشد قسوة من تعطيل الحياة في المناطق البيضاء، وقد قُضي عليها بعد عامين فقط، وهو مدى أقصر من الانتفاضتين الفلسطينيتين اللتي استمرت كل منهما نحو 5 سنوات، وذلك من خلال إعلان حالة الطوارئ (علماً بأن إسرائيل تعيش في حالة طوارئ دائمة)، والتدخل المباشر للجيش والمخابرات، واعتقال عشرات الآلاف، فضلاً عن استخدام النظام لفرق الموت السرية لاغتيال القادة السياسيين البارزين، مما دفع المقاومة مؤقتاً إلى العمل السري.

حظيت حركة التحرير في جنوب إفريقيا بقيادة حكيمة ذات مواقف ثابتة؛ عرفت كيف تُبقي الهدف نصب عينيها، وحددت برنامجها تحت شعارات بسيطة ومباشرة مثل "صوت واحد لكل شخص"، ورفضت أي مساومة لا تشمل التفكيك الكامل لنظام الفصل العنصري. وهناك من يشير إلى الاختلاف في سياسة قيادة حركة التحرر الفلسطينية؛ فقد قبلت منظمة التحرير بالتفاوض على كل شيء، فيما تمسك "المؤتمر الوطني الإفريقي" بمواقفه ورفض الحلول الجزئية.

لكن المؤتمر الوطني كان قد تبنى "ميثاق الحرية" منذ عام 1955، وعلى مدى 3 عقود ونصف حتى التحرير، لم تكن هناك معارضة فعالة لنظام الفصل العنصري من قِبل السكان البيض في جنوب إفريقيا، باستثناء أفراد معدودين شاركوا في حركة التحرر. فلم ينتج الاتفاق الذي تم أخيراً لتفكيك النظام عن "تغيير ديمقراطي" في الرأي العام "الأبيض"، بل عُقد بين قيادة حركة التحرر وبين "الحزب القومي" الحاكم، الذي يشبه حزب الليكود هناك.

ومع كل النقد الموضوعي والمشروع لأوهام "نهج أوسلو" ولتقصير القيادة الفلسطينية التقليدية، بل وحتى تجاوزها للخطوط الحمراء، أرى أنه علينا ألا نضم صوتنا إلى جوقة أبواق الاستعمار باتهام الفلسطينيين بـ "تضييع الفرص"؛ فجلد الذات يُولد اليأس، وليس لدينا نقص في أسباب اليأس أو الحزن، ولا ينبغي أن نضيف إليها لوم أنفسنا على التأخير في الفرج الموعود.

تظل الحقيقة الواضحة هي أن موازين القوى في منطقتنا تميل لصالح عدوانية إسرائيل وعنصريتها، التي تستمتع بالدعم غير المشروط من أكبر قوة عظمى في العالم، ولم تترك هذه الثنائية حتى الآن أي مجال للعيش الكريم للفلسطينيين، بغض النظر عن قياداتهم أو طموحاتهم.

ولماذا، إذن، وافق زعماء الحزب الذي أسس نظام الأبارتهايد على حله؟

تأثير الفراشة

في مقولة مشهورة، لاحظ العلماء أنه "قد تؤدي رفرفة جناحي فراشة في البرازيل إلى حدوث إعصار في تكساس"؛ وهذه المقولة في أصلها تعود إلى علم الأرصاد الجوية وليست إلى الفلسفة.

يمكننا القول إن سلسلة الأحداث التي أدت بالفعل إلى تفكيك نظام الأبارتهايد انطلقت من سقوط جدار برلين في تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، ثم إعلان انتهاء الحرب الباردة في قمة مالطا بعد 3 أسابيع، وانهيار "المعسكر الاشتراكي" بقيادة الاتحاد السوفياتي.

ومع انتهاء الحرب الباردة تغيرت "خريطة المصالح" للإمبريالية في جنوب القارة الإفريقية، وفقدت جنوب إفريقيا قيمتها بكونها سدّاً في وجه "المخاطر الشيوعية"، وأصبح عبء تأييد نظام الأبارتهايد المنبوذ غير مبرر. ويشهد التاريخ أن القوى الغربية لم تضغط فعلياً على الزمرة الحاكمة البيضاء للتخلي عن نظامها القمعي المجرم، إلا بعد نهاية "الحرب الباردة". ومع اكتمال هذه الظروف المساعدة وتشكّل الفرصة التاريخية المناسبة، استطاعت شعوب جنوب إفريقيا قطف ثمار نضالاتها وتضحياتها، والتخلص من نظام الفصل العنصري.

ومن المفارقات التاريخية أن سقوط الاتحاد السوفياتي، الذي طالما دعم حركة التحرير، هو ما مكّنها في النهاية من تحقيق النصر. لكن الجغرافيا السياسية مليئة بمثل هذه التأثيرات الخارجية غير المتوقعة؛ فقد أدت الهجمات الوحشية لألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية إلى إضعاف بريطانيا وفرنسا، وبذلك أسهمت في تسريع انهيار النظام الاستعماري القديم بعد الحرب. كما رأينا في منطقتنا كيف مكّنت الأبعاد الجيوسياسية لطوفان الأقصى المعارضة السورية، التي بدت معزولة ومنهكة، من قلب موازين القوى وحسم الانتصار بسرعة.

ومن هنا ينشأ السؤال الضروري: إذا كانت نهاية الحرب الباردة قد سمحت للإمبريالية بالتخلي عن معقلها العنصري الأبيض في جنوب إفريقيا، فلماذا، في المرحلة نفسها، اشتد تمسّكها بمعقلها الصهيوني في المشرق؟

لبناء رؤية علمية لفهم السياسة الإمبريالية في منطقتنا، علينا أن نبدأ من فهم المصالح التي جاءت هذه السياسة لخدمتها.

تستند أهمية المشرق العربي في بنية الاقتصاد السياسي للإمبريالية أولاً إلى التحكم بمصادر الطاقة؛ وحتى مع ظهور الولايات المتحدة في دور دولة منتجة ومُصدّرة للنفط، لا تزال السيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة تمكّنها من التحكم بمصير الاقتصاد العالمي، بما في ذلك اقتصادات حلفائها ومنافسيها في أوروبا وشرق آسيا.

وثانياً، تعتمد الولايات المتحدة على التحكم في رؤوس الأموال المتراكمة من عوائد الطاقة، وضخها لتغطية العجز في ميزانية إمبراطوريتها ولتعزيز رأس مال بنوكها، بدلاً من استثمارها في تطوير اقتصادات المنطقة.

وثالثاً، تستفيد من المنطقة لتكون سوقاً رئيساً لأسلحتها، إذ تستوعب المنطقة نحو ثلث صادرات السلاح الأميركي بأسعار باهظة.

ولكي تضمن هذه المصالح، عملت القوى الإمبريالية، وفي مقدمتها بريطانيا ثم وريثتها الأميركية، على تقسيم المشرق العربي إلى دويلات ضعيفة، ومنع الاستقرار، وزرع الخلافات، وتغذية انعدام الأمن؛ لكي تظل هي المصدر الوحيد لأمن الأنظمة التي تخدم مصالحها على حساب مصالح شعوبها، ولكي يظهر اقتصادها كالملاذ الآمن لرؤوس الأموال الهاربة من حالة عدم الاستقرار.

وضمن "نظام الهيمنة" هذا، يُحفظ دور مركزيّ لإسرائيل، التي أثبتت على مدار العقود قدرتها على ضرب الحركات الوطنية المعارضة، والضغط على الأنظمة لتقديم التنازلات.

تُعدّ السيطرة على موارد المشرق العربي وأسواقه من أهم الركائز لدور أميركا باعتبارها القوة المهيمنة عالمياً؛ ولذلك لم تتغير مصالحها في منطقتنا مع انتهاء الحرب الباردة، ولم يتخلّ "الغرب" عن دعمه لإسرائيل وضمان إفلاتها من العقاب، على الرغم من كل جرائم الحرب التي ارتكبتها ولا تزال ترتكبها.

وكما تغيرت "خريطة المصالح" للإمبريالية في إفريقيا نتيجةً لانتهاء الحرب الباردة، فمن الممكن والمتوقع أن تتغير مصالحها في الشرق الأوسط، أو أن تصبح الولايات المتحدة غير قادرة على فرض سياساتها في منطقتنا كما حدث مع بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.

إن تسلسل الأحداث الذي قد يؤدي إلى ذلك يمر بمسارات مختلفة قد لا ننتبه إليها إلا بعد مرور الزمن؛ والمهم ألا يضيع حق وراءه مطالب، وأن تُوجد القيادة الفلسطينية القادرة على استغلال الفرص التاريخية القادمة.