30/08/2026 - 15:35

الفلسطينيون في الانتخابات الإسرائيلية

الصراع يبدو وكأنه حول شخص نتنياهو، وهو كذلك، لكن في جوهره صراع بين عقيدتين، ترى الأولى أنها تستمد شرعيتها من التوراة، فيما ترى الثانية أنها تستمد شرعيتها من القيم الصهيونية المؤسسة لدولة إسرائيل، بما فيها الأمنية...

الفلسطينيون في الانتخابات الإسرائيلية

الشرطة الإسرائيليّة تنكّل بفلسطيني عند كفر عقب (Getty)

يستمر الصراع في إسرائيل عشية الانتخابات البرلمانية المقبلة على الموضوع ذاته الذي خيضت فيه الانتخابات في العقد الأخير تقريبًا؛ الصراع بين إسرائيل الناعمة لكنها المفترسة، وبين إسرائيل الخشنة المتوحشة. ولا تُظهر الحملات الانتخابية لمعارضي نتنياهو ومنافسيه، مثل غادي آيزنكوت أو حتى يائير غولان، أي طرح سياسي بديل تجاه الفلسطينيين أو الدول العربية، بل خطابًا موجهًا ضد نتنياهو أساسًا، يعرف ما لا يريد، ولكن لا يقدم ماذا يريد.

لذا، يمكن إيجاز الصراع بأنه على حاضر إسرائيل ومستقبلها بمسائل مثل نزاهة الحكم والفساد وموضوعية وعقلانية صناع القرار، والفشل في السابع من أكتوبر. ومن بين الوجوه الأبرز لمعارضي نتنياهو قادة عسكريون، مثل رئيس الأركان الأسبق صاحب "عقيدة الضاحية"، آيزنكوت، ونائب رئيس الأركان الذي استخدم الفلسطينيين دروعًا بشرية ("إجراء الجار")، غولان.

ليس صراعًا بين "معسكر حمائمي" و"معسكر صقوري" كما جرت التسمية في التسعينيات؛ بل بين يمين علماني ليبرالي وبين يمين قومي وديني متطرف. ويبدو أن الصراع الأيديولوجي والسياسي في إسرائيل ما بعد نتنياهو سوف يتمركز حول هذين المحورين، اليمين العلماني مقابل اليمين الديني، وهو ما يطلق عليه عديدون "دولة إسرائيل مقابل دولة يهودا". وهذا الصراع وجودي بالنسبة للطرفين ولإسرائيل.

في موضوع الاستيطان مثلًا؛ لا يعارض آيزنكوت الاستيطان في الضفة، لكنه ينظر إليه من خلال منظار العقيدة الأمنية أولًا وليس العقيدة الأيديولوجية، أي أن التوسع الاستيطاني يجب أن يكون في خدمة العقيدة الأمنية من خلال توسعة الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية وليس من خلال "الاستيطان العشوائي"، فيما الطرف الآخر يسخر العقيدة الأمنية لخدمة العقيدة الاستيطانية أولًا.

وكذلك الحال في موضوع هوية الدولة؛ يتمسك آيزنكوت بـ"وثيقة الاستقلال" وتعريف إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وطابعها العلماني، بمعنى رفض الإملاء الديني، ويطالب بتجنيد الحريديين، فيما الطرف الآخر يعتبر مسألة الديمقراطية أمرًا أداتيًا لفرض مواقف الأغلبية اليمينية، مثل الشعار الشعبوي أن "الشعب يريد...".

أما في ما يتعلق بالفلسطينيين، فينطبق هنا أيضًا صراع العقائد: هل تُقدَّم العقيدة الأمنية على العقيدة الأيديولوجية أم العكس؟ فآيزنكوت، وحتى غولان "اليساري"، لا ينظر مثلًا إلى السلطة الفلسطينية من باب الحقوق القومية وحق تقرير المصير وحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، بل من منظار أمني صرف، يعتبر الفلسطينيين كتلة بشرية تشكل خطرًا أمنيًا كامنًا يمكن "تحييده" من خلال تولي إدارة السلطة الفلسطينية هذه الكتلة. فيما الطرف الآخر يقدم العقيدة الأيديولوجية على العقيدة الأمنية ويجيّر الأخيرة في خدمة الأولى.

وعلى هذا المنوال يجري النظر إلى مختلف القضايا الأمنية في سورية ولبنان وغزة تحديدًا؛ أي أن الاختلاف ليس على اعتماد القوة كخيار وحيد وأوحد، بل على إعادة تعريف القوة وعقلنتها، وأن الإفراط في القوة قد يتحول إلى عبء سياسي دولي على مكانة إسرائيل، بحيث تتحول إلى دولة منبوذة دوليًا، أي إدراك أخطار الإفراط في القوة على مكانة إسرائيل الدولية.

الصراع الانتخابي ليس بين عقيدتين مختلفتين تجاه العرب والفلسطينيين خصوصًا، بل هو اختلاف في الدرجة وليس في النوع. الطرفان ينظران إلى العرب والفلسطينيين من منظار أمني صرف، وليس من منظار سياسي، لكن يحصل التباين في رؤية الطرفين تجاه إسرائيل ومستقبلها: هل ستكون إسبرطة كما أعلن نتنياهو، أو ستحافظ على مكانتها وخصوصيتها الدولية؟

صحيح أن الصراع يبدو وكأنه حول شخص نتنياهو، وهو كذلك، لكن في جوهره صراع بين عقيدتين، ترى الأولى أنها تستمد شرعيتها من التوراة، فيما ترى الثانية أنها تستمد شرعيتها من القيم الصهيونية المؤسسة لدولة إسرائيل، بما فيها الأمنية. وخلف العقيدتين اليمينيتين يصطف معظم الناخبين الإسرائيليين.