لم تعد جرائم المستوطنين شأنًا فلسطينيًا يمكن تجاهله أو تبريره أو تغطيته لفظيًا تحت عنوان "احتكاكات محلية"، بل، وكما يبدو، أصبحت عبئًا سياسيًا وإعلاميًا على إسرائيل نفسها.
فقد خرج نتنياهو، بعد الاعتداءات الأخيرة على بلدتي قُصرة وجالود، ليدين ما وصفه بـ"أعمال العنف الإجرامية"، ووصف منفذيها بأنهم "حفنة من مثيري الشغب الخارجين عن القانون".
لكن العبارة الأكثر أهمية في كلامه لم تكن "العنف الإجرامي"، بل قوله إن هؤلاء "يضرون بمكانة إسرائيل في العالم".
قبل نحو أسبوعين فقط من إدانته هذه، كانت واشنطن تضغط عليه علنًا لاتخاذ موقف من أحداث قُصرة، بعدما حاصر مستوطنون منازل فلسطينية وقطعوا عنها المياه والكهرباء. وبلغ التذمر درجة جعلت السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، المعروف بمواقفه المؤيدة للاستيطان، يستخدم تعبيرًا شديدًا وغير مألوف، فوصف من قاموا بهذه الأفعال بأنهم "إرهابيون إسرائيليون".
عندما يصل الأمر إلى أن يستخدم السفير المؤيد للاستيطان كلمة "إرهابيين" في وصف مستوطنين، فهذه إشارة، كما يبدو، لم يستطع نتنياهو تجاهلها.
إضافة إلى ذلك، فإن أحد أفراد العائلات المحاصرة يحمل الجنسية الأميركية، وقد رفع العلم الأميركي على بيت عائلته طالبًا من دولته حمايته، ما جعل الأمر أكثر حساسية في واشنطن.
لم تعد الصور القادمة من الضفة الغربية مجرد مادة تتداولها وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، بل أصبحت موضوعًا في الصحافة العالمية وفي تصريحات دبلوماسيين وحكومات ومنظمات دولية، آخرها زيارة وفد من الاتحاد الأوروبي هذا اليوم إلى قُصرة دعمًا لسكانها.
وحذرت الأمم المتحدة هذا الشهر من أن اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي والضغط على التجمعات الفلسطينية وصلت إلى مستويات خطيرة، وطالبت إسرائيل، بصفتها قوة الاحتلال، بحماية الفلسطينيين والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتتلقى صورة إسرائيل ضربات متتالية صار يعرفها كل إسرائيلي أينما ذهب في العالم. فبعد أن كان الإسرائيلي مرحبًا به في أكثر دول أوروبا والعالم، بات منبوذًا على الصعيد الشعبي، من باعة الشوارع والمطاعم وعمال الفنادق وسائقي سيارات الأجرة، ويخشى إظهار أي رمز يشير إلى هويته الإسرائيلية.
تحول المستوطن المتطرف من أداة تخدم سياسة فرض الأمر الواقع التي رسمتها حكومات إسرائيل المتعاقبة، وصولًا إلى نتنياهو الذي صعّدها وتفاخر بها، إلى عبء على الدبلوماسية الإسرائيلية.
نتنياهو يختار كلماته بعناية شديدة. فالاستيطان ليس المشكلة، فهو قائد استيطاني، لكنه يريد أن يحمّل مسؤولية العنف لـ"حفنة من مثيري الشغب الذين يسيئون لصورة إسرائيل»".
بهذه الصيغة، يبعث برسالتين متناقضتين؛ واحدة إلى الولايات المتحدة وأصدقاء إسرائيل فيها: "نحن دولة قانون، وهؤلاء المتطرفون لا يمثلون إسرائيل".
وأخرى يقول فيها لجمهور المستوطنين خاصة، وللإسرائيليين عامة، إن الاستيطان في الضفة الغربية ليس المشكلة، بل المشكلة هي الحفنة الصغيرة التي تسيء إلى سمعة إسرائيل وإلى المستوطنين "المحترمين" أنفسهم.
لكن عندما تتكرر الاعتداءات لتصبح ممارسات يومية، وتحرق الممتلكات، ويُعتدى على السكان، وتُغلق الطرق، ويُحاصر الناس في بيوتهم في مناطق تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، يصبح من الصعب إقناع العالم بأن الأمر يتعلق بـ"حفنة من المشاغبين".
هذه الأحداث تجري في ظل حكومة جعلت توسيع الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية جزءًا معلنًا من برنامجها السياسي وممارستها على أرض الواقع.
لقد شعر المستوطن الأكثر تطرفًا خلال السنوات الأخيرة بأنه يلقى الدعم من وزراء وأحزاب يرون في وجوده "على التلال" وفي توسيع البؤر الاستيطانية تحقيقًا لمشروع إيديولوجي وسياسي، وأعمالًا بطولية. ووجد أن الجيش يغض الطرف عما يفعله، بل ويتدخل لدعمه إذا ما احتاج الأمر إلى ذلك.
مشكلة نتنياهو ليست مع الاستيطان والمستوطنين، بل مع الصورة التي تنقل إلى العالم.
تواجه إسرائيل أزمة متفاقمة في صورتها الدولية بعد حرب الإبادة في غزة التي ما زالت مستمرة، وكون نتنياهو نفسه مطلوبًا للعدالة الدولية، وحوالي 130 دولة تمنعه من دخول أراضيها، وتصاعد الانتقادات الأوروبية الصديقة، والاحتجاجات في الجامعات والشوارع الغربية، والنقاش المتزايد حول سياساتها تجاه الفلسطينيين. في مثل هذا المناخ المكفهر جدًا، تأتي صور المستوطنين في الضفة لتضيف عبئًا جديدًا على صورة بات الدفاع عنها أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى أقرب أصدقائها.
ليس لمعاناة الضحايا مكان في بيان نتنياهو؛ فهو تحدث عن الضرر الذي يلحق بالمستوطنين "الملتزمين بالقانون"، وعن إعاقة الجيش عن عمله، ثم عن الضرر الذي يلحق بصورة إسرائيل.
أي أنه يحاول إدارة الضرر السياسي الذي تسببه جرائم المستوطنين، وباختصار يقول: افعلوا ما تشاؤون، ولكن يجب تخفيف حدة الصورة العنيفة التي يراها العالم.
نتنياهو يحتاج اليمين الاستيطاني سياسيًا، وفي الوقت نفسه يحاول تجنب إزعاج الأميركيين، ولا يستطيع تجاهل رسالة أميركية وصلت إلى درجة وصف بعضهم بـ"الإرهابيين".
نتنياهو نطق عندما أصبحت صورة العنف أكثر تكلفة من الصمت عنها.
لكن العالم بات يرى بوضوح أكثر حدة مما كان. لقد فقدت إسرائيل دور الضحية المدافعة عن نفسها الذي مارسته منذ تأسيسها. العالم بات يرى الضحية ويرى المجرم، وهذا بفضل منصات التواصل الاجتماعي، وتضحيات الصحفيين الذين دفعوا من دمائهم وأرواحهم لتوصيل حقيقة ما يجري إلى العالم، والمتطوعين الأحرار من شتى أنحاء العالم.
لقد شهدت الضفة الغربية، في السابق ومنذ أيام الاحتلال الأولى عام 1967، ما لا يُحصى من الاعتداءات على الناس وأملاكهم ومصادرة أراضيهم، وأُريقت دماء بريئة كثيرة، وسُجن مئات آلاف الفلسطينيين لأنهم دافعوا عن أنفسهم وعن بلدهم. ولكن الجديد الآن هو أن العالم صار يرى ويتفاعل مع ما يجري، وبدأ يكشف الوجه الإجرامي لهذا الاحتلال.
وقد أصبحت صورة المستوطن البشع الذي يهاجم الفلسطيني في بيته أقوى من الصور التي حاولت حكومات إسرائيل أن تسوّقها إلى الخارج، كاحتلال رحيم ومتنور وحضاري، وغيرها من الأساطير.
ما الذي يعنيه كل هذا؟
الاحتلال يمضي في طريق مسدود، ويقترب أكثر فأكثر من لحظة الحقيقة مع العالم كله. فالمشكلة لم تعد في صورة مستوطن أحرق بيتًا أو اعتدى على فلسطيني، ولا في "حفنة من المشاغبين" كما يحاول نتنياهو إقناع العالم، بل في منظومة كاملة أنتجت هؤلاء وحمتهم وسلّحتهم، ووفرت لهم الأرض والغطاء السياسي والعسكري، لأنهم جزء منها وهي جزء منهم.
اقرأ/ي أيضًا | لمنع عودة نتنياهو وعصابته...