31/08/2026 - 10:24

للسويداء عقلاء يحمون اسمها

ما نعرفه عن إسرائيل أنها، عندما تُريد التواصل مع "نقاط الضعف" المنتشرة في الإقليم، تفعل ذلك من خلال "الهوامش" في الجماعات التي تقصدها أو من زاوية أقصى اليمين فيها. وهو ما حصل في السويداء مع ثلّة الهجري...

للسويداء عقلاء يحمون اسمها

اشتباكات السويداء من العام الماضي (Getty)

لم أستطع أن أعطي هرطقات الهجريّ الأخيرة اهتمامًا أكثر من القول إن التابع تفوّق على نفسه وعلى سيّده. فالهجريّ، رغم تغوّله، ليس مرجعيّة دينيّة روحانيّة أو فكريّة أو أكاديميّة، بل "مركز أمنيّ" تابع لمشروع إسرائيل في الإقليم. بمعنى أن شرعيّته، كما هي حتّى الآن، ليست من بيئته ولا من مجموعة انتمائه ولا من تاريخه الشخصيّ، بل من قوّة خارجيّة تعتبره برغيًّا في مشروعها وتمدّه بما يلزم، ليس لمؤازرة الدروز كما يُزعم، بل لتنفيذ أجندتها هي. على الجهة الثانية من رؤيتي، ثقتي التامة في أن السويداء وريفها موطن راسخ للشُرفاء والعارفين والعقلاء الذين سيعرفون كيف يضعون الهرطقات في نصابها ويردّونها إلى تل أبيب ـ إلى المكان الذي صيغت فيه. فالدروز ـ بعقليّة الأقليّة في التاريخ والجغرافيا ـ يتمتّعون بحدس أعمق بكثير وأنبل بكثير مما يعتقده الهجري وعرّابوه.

ومع هذا، رأيت أن أناقش تلك السرديّة التضليليّة للهجري وثلّته من "حرس" وشبّيحة في الشبكات وفي قنوات وفي فلسطين وفي الغُربة. فهم يبنون موقف الارتزاق لدى المشروع الإسرائيلي على أن الخير هو الذي حمى الدروز في تموز العام 2025، فيما تخاذلت أمّة كاملة. فهل حقًّا؟

بإيجاز، أقول إن حملة الإبادة لم تكن لتحصل إلّا بتفويض كامل من عرّابي النظام الخارجيّين، ومن بينهم إسرائيل. نقول هذا علمًا أن "سلطة الأمر الواقع" في دمشق هي مجموعة من الفصائل المسلّحة التي تشكّلت وتمّ تمويلها كثورة مضادة على أيدي مقرّات مخابرات غربية وإقليمية، من بينها إسرائيل. بمعنى أنها "سُلطة" تعمل وتنفّذ سياسات محدّدة ومهمّات عينيّة من خلال التكليف من العرّابين ضمن المشروع الذي يستهدف وضع اليد على موارد البلد والتحكّم بسكّانه. عليه، تبدو هذه "السلطة" وجهًا آخر لنظام المجازر الذي كان أعطى البلاد من قبل لمحور إيران ـ روسيا وحارب شعبه.

لو أرادت إسرائيل أن تحمي دروز السويداء وريفها لما حصلت الإبادة بالمطلق. لو أرادت، لتدخّلت ضد حشودات العشائر و"قوات الأمن" قبل أن تهاجم وتتغوّل بدماء أهلنا. إسرائيل على مقربة من الموقع، ولديها كل التكنولوجيا لتعرف وترى كل شيء بالتفاصيل. حملة الإبادة ربح صافٍ لإسرائيل وخسارة قاتلة للدروز. حملة الإبادة وأداء "السلطة" في دمشق يندرجان في إطار خدمة مقرّات المخابرات التي تحرّك المشهد في سوريّة لخدمة مصالح العرّابين الخارجيين. وأضيف: أنظر إلى تفاصيل حملة الإبادة وصورها وأشرطة الفيديو، فأعرف أن الذي أخرج جرائم داعش بحرفيّة عالية هو الذي أخرج جرائم "سلطة" الفصائل والعشائر في السويداء وفي الساحل السوريّ، وأن الذي استغلّ المجازر ونتائجها حتى آخر نُقطة دم هو الذي كلّف منفّذيها وحدّد لهم المهام حتّى أدقّ التفاصيل، وصولًا إلى ماكينات الحلاقة والمقصّات ومفردات التوحّش والتقتيل. التدخّل الإسرائيلي المحدود جدًّا في اليوم الرابع جاء استكمالًا للمؤامرة على الدروز ووضعها في إطار قابل للاستخدام ـ كما يحدث إلى الآن.

بالنسبة إلى ادّعاء مركزيّ آخر يسوقه الهجري وشبّيحته بشكل أخرق، فهو ذاك المتّصل بحماية الدروز. لو كان هذا صحيحًا حقًّا لما فكّروا بمحمية "باشان" وأبقوا نحو 400 ألف درزيّ سوريّ خارج "أسوارها"، تحت رحمة التكفيريين والعشائر و"سلطة الأمر الواقع". لو صدقوا لصدّقناهم، لكنهم إلى الآن ينكّلون بالنازحين وأبنائهم ويتعمّدون سحق أهلنا في السويداء كجزء من مشروع أكبر يُريد تحويل الدروز إلى أناس معوزين ومسحوقين كي يسهل زجّهم في "خدمة" أجندات يصير فيها الدروز مجرّد مرتزقة، كما هو نظام "سلطة الأمر الواقع". في هذه النُقطة بالذات، نُشير إلى أن ثلّة الهجري إنّما تتنافس مع "السلطة" على "قلب" إسرائيل وخدمتها، لا على أي شيء آخر. ومن هنا فهي، "الثلّة" حول الهجري، كجماعة "السُلطة" من حيث الوظائف التي يُمكن أن تقوم بها في خدمة الخارج، وليس في خدمة الدروز. إنهم يلوكون كلام الدمى الدرزية في إسرائيل ويشترون سيارات ويقتنون عقارات بأموال الصمود.

ما نعرفه عن إسرائيل أنها، عندما تُريد التواصل مع "نقاط الضعف" المنتشرة في الإقليم، تفعل ذلك من خلال "الهوامش" في الجماعات التي تقصدها أو من زاوية أقصى اليمين فيها. وهو ما حصل في السويداء مع ثلّة الهجري التي تجسّد يمين الدروز وهوامشهم، بدلالة أن قوام "الحرس" و"أمن" الهجري أناس كانوا محسوبين على مخابرات نظام الأسد وناشطين في حواجز النهب والخاوة والكبتاغون، وهم ناشطون فيها الآن ضد أهلهم. أما "نجل" الهجري، سلمان، فهو اختزال لكمّ النذالة في هذه الثلّة. في نهاية المطاف، الهجري مع سلطة الأمر الواقع يخدمان الجهات ذاتها ويعدمان أي ورقة حلّ لمحنة السويداء، سوى قطع الطرق ومنع تلاميذ التوجيهي من إجراء الامتحانات وإكمال تعليمهم.

وأخيرًا، مظلوميّة الدروز في جبل حوران/جبل الدروز حقيقة موضوعيّة وقضيّة عادلة، قبل حملة الإبادة في تموز 2025 وبشكل خاص بعدها. أمّا ثلّة الهجري فقد جعلتها محنة تُستثمر مرّتين: الأولى ـ في كسب المال الحرام، ومنه مال المعونات والإغاثة؛ الثانية ـ تسليم عُنق الدروز وتاريخهم وصورتهم للغاصبين والمستعمِرين والأجانب. هذا هو فحوى هرطقات الهجري الأخيرة وشبّيحته من ذباب إلكترونيّ.

ومن حقّ الدروز، كأي جماعة تاريخية وسياسيّة، أن تدافع عن وجودها وتصوّراتها وإرثها ومُستقبلها مقابل سلطة الأمر الواقع وثلّة الهجري وكلّ وجود أجنبيّ في سوريّة والمنطقة. أؤكّد في هذا السياق أنني أثق بقدرة الجماعات على حماية نفسها وإفشال الطامعين في تحويلها إلى وقود لحروبها. وفي الدروز ما يكفي من طاقات العقل والحكمة كي تردّ للهجري هرطقاته إلى نحره ونحر مُرسِليه.