من يختزل حملة "متحرّش اعتزل" في ضجيج عابر على هامش المشهد الانتخابيّ الصاخب يفوته جوهر ما جرى. صحيح أنّ الحملة لم تُحقّق كلّ ما طالبت بإنجازه، لكنّها انتزعت شهادات النساء حول الأذى والتحرّش من الغرف المغلقة، وحوّلتها إلى اختبار قيميّ وأيديولوجيّ حقيقيّ وعلنيّ، حول مكانة المرأة ودورها في السياسة الفلسطينيّة التحرّريّة في البلاد.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
في النضال النسويّ التراكميّ لا يُقاس التقدّم بحقبة زمنيّة مقتضبة ومحدودة من التاريخ وحدها، ولا برجل واحد انسحب وآخر بقي في منصبه ممّن وردت أسماؤهم في شهادات التحرّش الجنسيّ منذ سنوات؛ بل يُقاس النضال ويُدرَس بأسئلة أعمق: هل تغيّرت قواعد اللعبة على المدى البعيد؟ هل تغيّرت المعايير لما هو صواب وما هو خطأ، وما المقبول وما المحمول، وفي أيّ نقطة ننتفض ونقول هذا مرفوض؟
نعم, هذه المرّة تحرّك فينا شيء ما، وسيكون من الصعب علينا كمجتمع العودة بالمعادلة إلى موازين الماضي ومعاييره.
كان مطلب الحملة بسيطا وواضحا، ومن الطبيعيّ أن يُوضَع لها سقف أعلى بكثير ممّا يمكن إنجازه فعليّا؛ فعندما ننادي "كفى لقتل النساء" نعلم أنّه يوما ما، في مكان ما، ستزهق حياة امرأة بيد رجل عنيف، لكنّ النضال مستمر للحدّ من الظاهرة، وتحقيق العدالة للضحايا، وتوعية المجتمع، وحشد الرأي العامّ ضدّ العنف، وتغيير السياسات، وغيرها من أدوات النضال المجتمعيّ المتعارف عليها، حتى لا يحدث التطبيع مع قتل النساء وكأنّه سنّة الحياة الدنيا ومن الطبيعيّ أن يحدث هنا وهناك. بالطبع نرفض هذا الواقع ونسعى لتغييره، أليس كذلك؟
في حملة "متحرّش اعتزل"، أدركت المنظّمات القائمة على الحملة أنّ استقالة المسؤول الكبير من أهمّ هيئاتنا الفلسطينيّة الوطنيّة من منصبه غير واردة، وأنّ مدير منظّمة المجتمع المدنيّ لا يفكّر حاليّا بترك وظيفته، وقد يكون المحاضر الكبير في الجامعة يبحث عن موقع أكاديميّ عال خارج البلاد ليبتعد عن الأضواء قليلا بعد وصول الشكاوى إلى إدارة الجامعة، ولا يملك أحد الطاقة للتعامل مع الموضوع. وفي السياسة والأحزاب والمعركة الانتخابيّة أيضا، أرادت النسويّات وضع الأفق والمستوى الذي نصبو إليه أمام الجميع، بلا خجل ولا تردّد.
نعم، حين يحلم قائد سياسيّ مستقبليّ بالوصول إلى موقع قياديّ كمنتخَب، ساعيا بشغف إلى الفوز بثقة الناس، وتُوثَّق في الوقت نفسه شهادات وقصص عن تحرّشه بنساء، لا يجوز أن نُكمل الطريق وكأنّ شيئا لم يكن؛ يجب أن نتوقّف ونفكّر ونفحص ونحاسب، وأن نتحدّث عن الموضوع بغضّ النظر عن المخرج النهائيّ للنقاش العامّ ونتائجه.
رغم إصرار الجمعيّات النسويّة على أنّها لم تستهدف اسما بعينه، فإنّ توقيت هذه الحملة عشيّة إغلاق القوائم قد يكون توقيتا صعبا جدّا وحسّاسا فعلا. أوافق، لكنّ المسافة بين توقيت غير موفّق وبين أن تكون خطّة مدروسة ومدسوسة للإطاحة بالقائمة المشتركة مسافة بعيدة، بسنوات ضوئيّة.
تزامُن الحملة مع الانتخابات صبَّ الضوء على شخص واحد: جعفر فرح، المرشّح الثاني في قائمة الجبهة والرابع في القائمة المشتركة. فرح نفى الادّعاءات نفيا قاطعا، جملة وتفصيلا، منذ سنوات، وقرأ الحملة بوصفها ملاحقة سياسيّة واغتيالا لشخصيّته، كجزء من ضرب الأجندة الوطنيّة النضاليّة التي يحملها.
إدارة الموقف والمواجهة
وعلى إثر الحملة وأصدائها في الفضاء الرقميّ بالأساس، شُكّلت في الجبهة والحزب الشيوعيّ لجنة فحص؛ وهي خطوة شجاعة لا بدّ من الإقرار بها وإن جاءت متأخّرة. عُرضت أمام اللجنة، المؤلّفة من أربعة أعضاء مناصفة بين الرجال والنساء ستّ شهادات وصلت عبر جمعيّتين نسويّتين، وسابعة بلغت أمين عامّ الجبهة أمجد شبيطة مباشرة.
سارعت اللجنة إلى التوضيح بأنّها ليست محكمة ولا تملك صلاحيّة الإدانة أو التبرئة، لكنّها فحصت الأمر من باب المسؤوليّة السياسيّة والأخلاقيّة. وهنا بالضبط يكمن جوهر القضيّة: لا أحد يطلب أن نحلّ محلّ القضاء، بل أن نكفّ عن التصرّف وكأنّ المسؤوليّة العامّة تبدأ بلائحة اتّهام وتنتهي بها.
أوصت اللجنة لفرح بسحب ترشّحه طوعا فرفض، وتمسّك بحقّه في الدفاع عن نفسه. لكنّه قَبِل توصية ثانية، فنشر بيان موقف: نفي شامل للاتهامات، مصحوب هذه المرّة باعتذار عامّ ومشروط عن أيّ "أذى غير مقصود" ربّما سبّبه لامرأة خلال عقود من نشاطه. الاعتذار المشروط ليس اعترافا، لكنّه بالغ الأهمّيّة هنا: في حياة سياسيّة كان فيها مجرّد الطلب من رجل نافذ أن ينظر خلفه ويسأل نفسه إن كان قد آذى امرأة يُقابَل بالرفض المطلق والاستهتار، وفي أحسن الحالات بالتجاهل التامّ، أمّا اليوم فإنّ تغيّر اللغة والتعاطي مع ما حصل والاعتذار المقتضب هو برأيي تقدّم مهمّ في الاتجاه الصحيح نحو التصحيح.
ولذلك، فإنّ وجود نسويّات داخل العمل السياسيّ، إلى جانب رجال يتبنّون الفكر النسويّ ويدعمون المساءلة، هو تطوّر بالغ الأهمّيّة داخل الأحزاب السياسيّة. فالتغيير لا يقتصر على زيادة تمثيل النساء، بل يبدأ حين تصبح النسويّة جزءا من الثقافة السياسيّة نفسها، ومن مفهوم القيادة والمسؤوليّة لدى الجيل الصاعد. ومن هذه الزاوية، يستحقّ السكرتير العامّ في الجبهة، ومعه الجيل الشابّ من الناشطات والناشطين، تقديرا خاصّا لرفضهم دفن القضيّة مجدّدا في الغرف المغلقة، أو تأجيلها إلى "ما بعد الانتخابات".
في نهاية المطاف قرّرت مؤسّسات الحزب عدم إقصاء المرشّح من القائمة في هذه المرحلة. ويمكن الاختلاف مع القرار، لكن لا يجوز التقليل من أنّ النقاش جرى أصلا، وفي أعلى الهيئات. القرار ليس إدانة او تبرئة؛ فقد بقيت القضيّة قيد المتابعة، وإذا ظهرت معلومات جديدة ذات دلالة يمكن أن تُعاد إلى الطاولة. القضيّة، ببساطة، لم تُغلَق.
بين القضاء الرسميّ والعدالة البديلة
هل يكفي أن يقول المرشّح للقيادة: "لم تُقدَّم ضدّي لائحة اتهام"؟ برأيي، لا. فلائحة الاتهام عتبة قانونيّة مرتفعة، ومناهضة التحرّش لا تُختزل في المسار الجنائيّ، خصوصا بالنسبة إلينا كأقلّيّة فلسطينيّة لا تثق أصلا بمنظومة تلاحق حقوقها ووجودها، فضلا عن إخفاق أجهزة إنفاذ القانون في معالجة كثير من قضايا العنف والتحرّش والوصول إلى العدالة.
تُغلق شكاوى كثيرة بسبب عدم كفاية الأدلّة، لا لأنّ براءة المشتكى عليه قد ثبتت. وفي هذه المساحة الرماديّة، تبقى الضحيّة غالبا وحدها مع شهادتها وألمها، في حين يستطيع المشتكى عليه الاحتماء بغياب لائحة الاتهام والتنصّل من المساءلة العامّة. لذلك، لا يمكن أن يكون غياب الإدانة الجنائيّة المعيار الوحيد لتقييم من يتولّى موقعا قياديّا أو يطلب ثقة الجمهور.
لكنّ النقاش حول التحرّش الجنسيّ أوسع وأكثر تعقيدا من سؤال العقاب وحده. مجتمعنا يتحرّك، وإن بخطوات بطيئة، نحو تغيير عميقٍ في طريقة تعامله مع هذه القضايا. بتنا نتحدّث عنها علنا، ونناقشها، ونختلف حولها ونطالب بالمحاسبة. كما ازداد التوجّه إلى مراكز المساعدة خلال السنوات الأخيرة، وفتحت شبكات التواصل الاجتماعيّ مساحات أوسع لتبادل التجارب وبناء دوائر الدعم، إلى جانب المخاطر الجديدة التي خلقتها هذه المنصّات.
ومع كلّ هذا التقدّم، ما زالت أسئلة كثيرة مفتوحة، وأنا نفسي أختلف فيها أحيانا مع بعض زميلاتي النسويّات. فأنا أؤمن، إلى جانب الاعتراف بالضرر والمساءلة وتحمّل المسؤوليّة، بإمكانيّة الإصلاح والعلاج، وأستصعب فكرة أنّ كلّ من ارتكب تحرّشا في مرحلة ما من حياته يجب أن يُقصى إلى الأبد، وأن يدفع ثمن فعلته مدى الحياة. لا بدّ من النظر إلى كلّ حالة في سياقها: خطورة الفعل، وتكراره، وموازين القوّة بين الطرفين، والوقت الذي مضى، ومدى الاعتراف بالمسؤوليّة، وقبل كلّ شيء وضع الضحيّة وحقوقها واحتياجاتها.
لهذا أجد نفسي منشغلة أيضا بإمكانيّة بناء منظومة للعدالة التصالحيّة أو التصحيحية لا تلغي المساءلة ولا تتجاوز الضحيّة، بل تتيح، حين يكون ذلك ممكنا ومقبولا لديها، مسارا للاعتراف بالضرر وتحمّل المسؤوليّة والإصلاح والتعافي. ليس الهدف منح المعتدي عفوا مجانيّا، ولا الضغط على الضحيّة كي تسامح، بل التفكير في عدالة تستطيع أن تتجاوز الثنائيّة الضيّقة بين الإدانة الجنائيّة من جهة، والإفلات الكامل من المسؤوليّة من جهة أخرى.
ومن هنا أتّفق مع فرح، كما يتّفق كثيرون وكثيرات، على ضرورة إنشاء هيئة اجتماعيّة مهنيّة مستقلّة وذات صلاحيّات واضحة، تستطيع فحص شكاوى التحرّش بعيدا عن ممرّات الشرطة والنيابة العامّة، وفق قواعد عادلة وشفّافة تحمي المشتكيات وتضمن في الوقت نفسه إجراءات مسؤولة. بناء مثل هذه الآليّة ليس مهمّة النسويّات وحدهنّ، بل مسؤوليّة الأحزاب والمؤسّسات والجمعيّات والمجتمع كلّه.
حملة حُسن سير وسلوك
كشفت حملة "شهادات تزكية" المبالغ فيها والمفتعلة لصالح المرشّح المذكور حجم العمل والتوعية والفجوة المعرفيّة حول قضايا التحرّش، وهو ما يلزمنا بمواصلة العمل.
كتب العشرات من المؤثّرين والناشطين: فلان كفؤ، ذكيّ، وطنيّ، مخلص، صاحب سجلّ مهنيّ لامع، يتحدّث اللغات ويهزّ أعلى المنصّات موصلا صوت شعبنا إلى العالم. كثير من ذلك صحيح، وأنا أشهد بذلك أيضا، لكنّه لا يجيب عن السؤال المطروح للنقاش.
حين تقول موظّفة سابقة: "عملتُ معه سنوات ولم يتحرّش بي"، فهي تشهد على تجربتها هي، وتجربتها لا تُلغي تجربة امرأة أخرى. والرجل الموهوب صاحب الإنجازات، من الطبيب إلى المحاضر إلى رئيس المجلس إلى الصحافيّ الفذّ، جميعهم قد يتصرّفون خلف الأبواب المغلقة على نحو مؤذ؛ فالنجاح والنفوذ ليسا شهادة حصانة. أحيانا هما العكس تماما، بل إنّ النفوذ نفسه هو ما يصنع علاقات القوّة التي تجعل الموظّفة الشابّة أشدّ عرضة للأذى، وأعجز عن الرفض.
شوال البطاطا المجتمعيّ
في هذه الملحمة المجتمعيّة، وكالعادة، أُخرجت من الخزانة بقجة الاتهامات ضدّ النسويّات: تمويل أجنبيّ، أجندة دخيلة، توقيت مشبوه، ضرب للوحدة الوطنيّة بأموال اليمين المتطرف ومنظمات الإجرام. لكنّ الردّ واحد: حقوق النساء هي حقوق إنسان، والنضال النسويّ نضال وطنيّ من الدرجة الأولى. ومن يرفع راية التحرّر من القمع والعنصرية والاحتلال لا يستطيع أن يطلب من النساء أن يُعلّقن حرّيّتهنّ ريثما يفرغ الرجال من ترتيب القائمة المشتركة.
أمّا سؤال "لماذا الآن؟" فجوابه أنّه لا وجود لتوقيت "مريح" لمساءلة أصحاب النفوذ عن طريقة معاملتهم للنساء. إن كان أحدهم يطلب صوتي اليوم، فهذا بالضبط أوان أن أسأل: بأيّ معيار أُرسله إلى موقع القرار؟
امتعاض السياسيّين من التوقيت ليس مشكلة النسويّات، وليس من واجباتهنّ تهدئة خواطر القادة من الرجال، وتهيئة الجوّ العامّ من الراحة والرخاء للجنود المقبلين على المعركة الانتخابيّة.
ولهذا لا يمكن فصل هذه المعركة عن سؤال تمثيل النساء في القائمة نفسها. فبحسب صيغة لجنة الوفاق، حلّت المرشّحة الأولى في الموقع الثامن، مع تناوب بين الثامن والعاشر، فيما تصدّر المواقعَ السبعة الأولى رجال. يُطلَب من الفلسطينيّات أن يكنّ الناخبات الوفيّات والمنظِّمات والمجنِّدات، وأن يتحمّلن ثمن العنف والعنصريّة؛ فإذا جاء وقت المقاعد المضمونة ضاق المكان فجأة، وزُجّ بامرأتين في مقعد تناوب واحد. النساء لسن ضيفات في القائمة المشتركة؛ نحن ناخباتها. وإذا أردنا منهنّ أن يصوّتن فعلينا أوّلا أن نضمن وجودهنّ فعلا في البرلمان، لا في مقعد يحتاج إلى سلسلة من السيناريوهات حتى يصل دورهنّ.
هذا التهجّم على المنظّمات النسويّة ليس مصادفة، بل هو متعلّق بمعركة أوسع مع بِنية ذكوريّة اعتاد أصحابها، لعقود، أن يقرّروا ما هو المهمّ ومتى نتكلّم وعمّا نصمت.
يصعب على هذا الجيل أن يكتشف أنّ النساء لم يعدن يستأذنّ في وضع قضيّة على الطاولة، ولم يعدن يكتفين بصورة في "يوم المرأة" أو بجملة عن المساواة في مؤتمر متلفز. هنّ يُردن القوّة والتمثيل، ويُردن أن يقرّرن بأنفسهنّ المعيار المطلوب ممّن يطمح إلى قيادتهنّ، ولهذا فالنضال أكبر من رجل واحد، وأكبر من مقعد واحد في قائمة للكنيست.
أنظر إلى ما جرى فأرى الجانب المضيء وسط هذا النفق المظلم: حزب اضطُرّ إلى الفحص، وقيادة إلى النقاش، ومرشّح إلى الردّ، واعتذار وإن كان محدودا، والتزام بالانسحاب حال تقديم لائحة اتّهام، وجمهور خاض السجال. ارتفع سقف النقاش، وهذا وحده مكسب. المجتمع القويّ ليس من يحمي قياداته من كلّ سؤال، والقيادة الجديرة بالاحترام ليست من تحتاج إلى إسكات النساء كي تبقى في السلطة. فلننفض عنّا الوحل، ونُصلح ما انكسر، ونتعلّم الدرس، ونواصل السير نحو المعركة الأكبر.