في واحدة من قرى بلادنا العربية في الجليل، وفي الشاغور تحديدًا، ثمة حكاية تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وما زالت تسترخي في ذاكرة بعض سكانها، عن شخص عاش في القرية عرفه أهلها باسم "الحج علي". بحسب ما يُروى، فإن الحج علي كان يُجيد أشياء كثيرة، من بينها احترافه دقّ ذقون النساء بالوشم. يسمّي فلاحو الجليل الوشم بعاميتهم "الدق أو الدقة"، لأن عملية الوشم كانت تُدق بالإبرة.
بحسب ما يُروى، فإن الحج علي كان يُجيد أشياء كثيرة، من بينها احترافه دقّ ذقون النساء بالوشم. يسمّي فلاحو الجليل الوشم "الدق أو الدقة" بعاميتهم، لأن عملية الوشم كانت تُدق بالإبرة، وقد تعودت النساء دقّ أو وشم ذقونهن كعلامة متصلة بوضعهن أو مكانتهن الاجتماعية.
ومن هنا، ظلَّ أهالي القرية إياها يصفون كل عمل متقن أو منظم بالقول: "مزبّط مثل دقة الحج علي"، لأن هذا الأخير كان يشم ذقون نساء القرية بالرسم ذاته، دون أن تخلّ أو تزلّ إبرته في شكل واحد منها، وقد لُقّب بالحج علي الدقة. وقيل أيضًا إن الحج علي كان يؤمّ أهالي القرية من مسلميها في الصلاة في بعض الأحيان، بحسب ما يذكر بعض أهالي القرية من جيل اليوم، نقلًا عن آبائهم أو أجدادهم، وقد كثرت الأقاويل في الرجل لاحقًا بعد موته وبأثر رجعي.
ولمّا احتضر الحاج على فراش موته، بعث بطلب حضور أبونا، أحد رجال الدين من مسيحيي القرية، وأوصاه الحج علي: "لا تخليهن يكفنوني، ولا يدفنوني لا بمقبرة الإسلام ولا بمقبرة المسيحية"، إنما في مكان خاص آخر تحت شجر زيتون أوصى بدفنه فيه. ولما استفسر أبونا منه عن السبب، أجاب الحج علي: "لأني يهودي"!! ورحل(*). وقد تبيّن أنه من يهود لبنان، ومن يهود مدينة صيدا تحديدًا.
إذا كان ثمة ذاكرة لليهود قبل الصهيونية وإسرائيل في لبنان قبل مغادرتهم هذا الأخير، فإن ذاكرتهم في مدينة صيدا أساسًا، والتي يرجع وجود اليهود فيها إلى قرون طويلة من الزمن، بحسب ما يذكر كل من أحمد عارف الزين في كتابه عن تاريخ المدينة "تاريخ صيدا"، وطلال ماجد المجذوب في كتابه "تاريخ صيدا الاجتماعي". إذ لم تنقطع الطائفة عن المدينة على مدار تاريخها، تمامًا مثلما كانت الطائفة اليهودية جزءًا من نسيج اجتماع معظم كبرى المدن العربية - الإسلامية في الوطن العربي كله قبل نكبة عام 1948 وقيام الدولة العبرية.
قبيل النكبة وبعدها، تكثف وجود يهود لبنان في ثلاث مدن أساس فيه، والساحلية منه تحديدًا: بيروت وصيدا وطرابلس. وفي كل مدينة منها كانت حارة خاصة بالطائفة اليهودية عُرفت بحي أو حارة اليهود. كان آخر باب لبيت يهودي أوصد في لبنان في مدينة صيدا نفسها سنة 1985، عندما مشى ذكي لاوي وعائلته بحقائبهم، مغادرين حارة اليهود وبلا رجعة، بحسب ما يذكر عبد الحليم حمود في دراسته "يهود صيدا: حكايات خلف الأبواب". إلا أن لمدينة طرابلس اللبنانية رأيًا آخر في ذلك، إذ يقال إنه ما يزال بعض يهود طرابلس يقيمون في أحشاء المدينة، في بعض أحيائها القديمة، سرًّا أو في الخفاء تحت عباءة ديانة أخرى، بحسب ما يذكر الكاتب صهيب أيوب في مقالة نشرها مؤخرًا بعنوان "يهود طرابلس: التاريخ المكتوم حتى الهجرة الأخيرة".
قبل أن يقتصر الوجود اليهودي في لبنان على مدنه الساحلية الثلاث منذ أواخر القرن التاسع عشر، فإن وجودهم في لبنان قبل ذلك، على مدار التاريخ العثماني، قد اتخذ طابعًا ريفيًا أيضًا. إذ أقام اليهود في مناطق لبنانية جبلية، مثل بحمدون ودير القمر، وما تزال في هذه الأخيرة آثار لكنيس يهودي، وكذلك في حاصبيا والباروك وغيرها. دفعت الحروب الأهلية - الطائفية التي عصفت بجبل لبنان في أواسط القرن التاسع عشر، وخصوصًا تلك التي وقعت بين الموارنة والدروز سنة 1860، اليهود إلى مغادرة الجبل وغيره من المناطق الريفية، نزوحًا ونزولًا إلى مدن الساحل، وخصوصًا إلى بيروت.
مفارقات
لبنان بلد المفارقات والتناقضات، كان وما يزال، وكذلك فيما يتعلق بتاريخ اليهود فيه. فاللافت هو أن الوجود اليهودي في الدول العربية قد تراجع على أثر نكبة عام 1948، إلا أنه في لبنان ازداد عدد اليهود بعد النكبة وإعلان قيام دولة إسرائيل بنسبة الضعفين تقريبًا. لقد سعت الصهيونية إلى ضرب الوجود اليهودي في دول عربية مختلفة، مثل: العراق وسورية ومصر واليمن والمغرب وغيرها، عبر تدبير أجواء تحريضية على يهود الدول العربية بغرض دفعهم للهجرة إلى فلسطين، وقد أشار إلى ذلك آفي شلايم في مذكراته "العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي - عربي"، حيث دفعت تفجيرات دبرتها الصهيونية في بغداد إلى هجرة ما يزيد على 120 ألف يهودي من يهود المدينة إلى فلسطين ما بين عامي 1949 و1951.
انتقل بعض يهود العراق وسورية وإيران إلى لبنان منذ أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، باعتبار لبنان ملاذًا و"بلد الأقليات"، ليصبح تعداد اليهود فيه يُقدّر بنحو 15 ألف يهودي، بينما لم يكن عدد اليهود قبل نكبة عام 1948 في لبنان يزيد على 6000 يهودي، بحسب ما يذكر الباحث اللبناني إبراهيم جبر في مقابلة معه مرفوعة على "يوتيوب" مؤخرًا. هذا مع العلم بأنه لم تتوفر أرقام دقيقة عن عدد اليهود في لبنان بعد عام 1948، لأن آخر إحصاء أُجري في لبنان كان سنة 1925. وعليه، فإن عدد اليهود فيه يظل تقريبيًا.
والمفارقة الأخرى هي بقاء الوجود اليهودي صامتًا في لبنان في مرحلة ما بعد النكبة حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين، مع نشوب الحرب الأهلية فيه. إذ لم تطفُ الطائفة اليهودية في لبنان على سطح الأحداث فيه كما طفت معظم الطوائف الدينية الأخرى، مع أن الطائفة اليهودية كان معترفًا بها كطائفة رسمية. وأيضًا، فإن تغييب يهود لبنان أو تغيّبهم بأنفسهم، إن جاز التعبير، عن المشهد، ليس السياسي فقط في لبنان، إنما عن المشهد الثقافي والإعلامي، كما لو لم يكونوا فيه؛ فقلّما أشارت أدبيات الصراع - الطائفي في لبنان، على اختلاف هذه الأدبيات، إلى الوجود اليهودي في لبنان ما بعد نكبة عام 1948. وذلك كما لو أن قرارًا قد اتُّخذ بالصمت حيال يهود لبنان وإيقاع حياتهم فيه. وهذا مفهوم لناحية أثر الصراع العربي - الإسرائيلي، خصوصًا وأن لبنان كان ساحة من أعتى ساحات هذا الصراع، في تحييد اليهود اللبنانيين لأنفسهم من جهة، وصمت الأدبيات وتجاهلها لوجودهم من جهة أخرى، وذلك إلى حد قلّما نعثر معه على أدبيات تتناول تاريخ اليهود في لبنان.
الأدبيات
منذ نكبة عام 1948، سال حبرٌ كثير عن تاريخ اليهود العرب أو يهود الأوطان العربية، فكتب عن يهود العراق وسورية ومصر واليمن والمغرب وليبيا وغيرهم ممن عاشوا في الوطن العربي على مدار مئات السنين، إلا يهود لبنان، فقلّما كُتب عنهم أو جرت الإشارة إليهم، لا بالعربية ولا حتى باللغة العبرية، إلا بعض المحاولات المتواضعة في العقد الأخير. مع العلم أن بقاء اليهود في وطنهم العربي قد اقتصر على لبنان، أو ازداد في لبنان ما بعد النكبة وقيام الدولة العبرية، كما ذكرنا سابقًا.
ومع ذلك، فإن أبرز الأدبيات التي تناولت تاريخ يهود لبنان، على قلتها، قد جاءت متأخرة، ومنها: كتاب **"يهود لبنان بين التعايش والصراع"** للكاتب كريستن إ. شولتز، صدر باللغة الإنجليزية ولم يُترجم إلى العربية، والكتاب دراسة لتاريخ اليهود في لبنان على مراحل مختلفة، ومواطن إقامتهم ما بين جبل لبنان وساحله، وتاريخ علاقة الجماعة اليهودية بسلطات الحكم من جهة، وبالمجتمع اللبناني ومكوناته الاجتماعية من جهة أخرى.
وكذلك كتاب "وادي أبو جميل: قصص عن يهود بيروت" للكاتبة اللبنانية ندى عبد الصمد، صدر عن دار النهار اللبنانية. ليس كتاب عبد الصمد تأريخًا ولا تأصيلًا للوجود اليهودي في لبنان، إنما هو محاولة في إيقاظ ذاكرة يهود بيروت تحديدًا، في منطقة وادي أبو جميل أو وادي اليهود، أحد أحياء بيروت الذي ارتبط بيهود المدينة منذ مطلع القرن العشرين. كانت القصص والحكايات التي دوّنتها عبد الصمد محاولة منها لنبش ذاكرة يهود بيروت في المرحلة الممتدة ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، إذ لم تترك قصص كتاب "وادي أبو جميل" بابًا متصلًا بتاريخ يهود بيروت الاجتماعي إلا وقد طرقته، في جوانب مختلفة من إيقاع حياتهم الاجتماعية والسياسية والحِرفية، وعن أهم المهن التي امتهنها يهود وادي أبو جميل في بيروت. والأهم، عن الشكل الذي صار يتشكل فيه اليهودي في مخيلة باقي اللبنانيين في مدينة بيروت، إذ تناولت ندى عبد الصمد عدة حكايات وقصص متصلة بوضع يهود المدينة في دائرة الشبهات، مثل تهم التعاون والجاسوسية وغيرها. إضافة إلى أن الكتاب محاولة في تتبع وتيرة هجرة يهود بيروت من المدينة منذ سبعينيات القرن الماضي، مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية على وجه التحديد. كما ينبهنا كتاب عبد الصمد إلى الهجرة اليهودية الصامتة من بيروت، إذ غادرت معظم عائلات يهود وادي أبو جميل في بيروت هذه الأخيرة بلا سابق إنذار.
مؤخرًا صدر عن دار الوراق العراقية كتاب بعنوان "تاريخ يهود لبنان" للباحث العراقي نبيل عبد الأمير الربيعي. لم يتسنَّ لنا الاطلاع على مضمون الكتاب الذي، بحسب فهرسته، يتناول إشكالية كتابة تاريخ يهود لبنان تاريخيًا. كما يبحث الربيعي في جذور الجماعة اليهودية في لبنان عبر مراحل تاريخية مختلفة، وعلى اختلاف أصولهم وتصنيفاتهم الاجتماعية، وكذلك في تاريخ واقعهم الاقتصادي وتحولاته على مدار تاريخهم في لبنان.
كانت هذه الكتب أبرز وأهم ما كُتب حول يهود لبنان، وقد كُتب بالعبرية أيضًا حول يهود لبنان وتاريخهم فيه، وحتى الأدبيات العبرية عن يهود لبنان تبقى أقل مما كُتب عن يهود الدول العربية الأخرى، مثل العراق والمغرب. إضافة إلى ذلك، نُشرت عدة أوراق ونصوص متفرقة متصلة بتاريخ يهود لبنان، ومنها مقالات بحثية وتقارير إعلامية متعلقة بالوجود اليهودي في لبنان، خصوصًا في العامين الأخيرين، وهذا سؤال آخر: ما الذي يقف وراء نبش ذاكرة اليهود وتاريخهم في لبنان؟؟
نبش تاريخ يهود لبنان مؤخرًا
عشرات المقالات البحثية والإخبارية، بما فيها تقارير متلفزة، ومقابلات مع باحثين مختصين بالشأن والتاريخ اليهودي في لبنان مرفوعة على "يوتيوب"، وكذلك نصوص من أدب تذكر تاريخ يهود لبنان، كُتبت وأُعدت في العامين الأخيرين في محاولة للنبش في ذاكرة اليهود في لبنان والبحث في تاريخهم فيه، بعد أن غدا لبنان خاليًا من يهوده منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى يومنا.
ثمة جملة من الدوافع التي تقف، برأينا، وراء استحضار تاريخ يهود لبنان وذاكرتهم فيه:
الأول: متعلق بالحرب التي تشنها إسرائيل على حزب الله في العامين الأخيرين، واحتلال جيش الاحتلال لجنوب لبنان، والذي جرت في سياقه محاولة لإيقاظ خرائط يهودية - توراتية لـ"الحق اليهودي" في مناطق لبنانية حدودية مع فلسطين التاريخية. خصوصًا مع ثبوت مرافقة باحثين إسرائيليين وأركيولوجيين لجيش الاحتلال في مناطق محتلة في الجنوب اللبناني، كما تشير بعض التقارير إلى أن ثمة محاولة إسرائيلية لإعادة عبرنة أو صهينة أسماء بعض المناطق من الجنوب اللبناني المحتل. مما دفع إلى العودة والنبش في تاريخ اليهود في لبنان، الذين ليست ثمة صلة تربطهم بالصهيونية ومشروعها الاستعماري في فلسطين، وهذا تمييز من الضرورة بمكان التنبيه إليه، مع العلم بأن جزءًا من يهود لبنان الذين غادروا قد هاجروا إلى فلسطين، ملتحقين بالمشروع الصهيوني.
الثاني: التحولات التي طرأت في سورية، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث طفا على سطح الأحداث في سورية، مع نظام حكمها الجديد، سؤال يهود سورية، خصوصًا يهود مدينة دمشق. وقد زار وفد يهودي من يهود سورية المهاجرين، قادمًا من الولايات المتحدة، العاصمة السورية دمشق غير مرة في ظل النظام الجديد، الأمر الذي أوقظ ذاكرة اليهود في سورية، وقد انعكس ذلك بدوره على لبنان وتاريخ يهوده قبل هجرتهم، خصوصًا وأن لبنان أكثر البلدان العربية ارتباطًا وتأثرًا بسورية وتحولاتها.
الثالث: كان لسقوط نظام البعث في سورية، والحرب على المقاومة اللبنانية وإضعافها في لبنان، كبير أثر في استغلال بعض القوى السياسية والاجتماعية اللبنانية لهذه التحولات للمجاهرة بضرورة التسوية مع إسرائيل، لا بل ينادي البعض بوجوب التطبيع معها حتى. وهذا بلا شك دفع إلى البحث والنبش في علاقة لبنان بيهوده التاريخيين، في محاولة مبطنة لشرعنة العلاقة مع إسرائيل.
الهوامش:
(*) هناك أكثر من قصة، وفي أكثر من قرية عربية في الداخل الفلسطيني بالمناسبة، عن إقامة شخص بصفة منتحلة قبل النكبة وبعدها، تبيّن لأهالي القرية في الأخير أنه يهودي.