أعلنت 12 دولة غربية، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، عزمها حظر استيراد منتجات المستوطنات ردًا على إرهاب المستوطنين والضمّ والتوسع الاستيطاني في الضفة؛ فيما أكد وزير الخارجية البريطاني أن حكومة إسرائيل تغض الطرف عن تطهير عرقي.
مقابل ذلك، ردّت إسرائيل بسلسلة إجراءات ضد بريطانيا، تشمل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإبعاد ممثلين بريطانيين من مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC) بشأن قطاع غزة في كريات غات، ووقف المشاركة البريطانية في تدريب قوات تابعة للسلطة الفلسطينية، ومنع دخول 12 شخصية بريطانية منتخبة إلى إسرائيل.
هذا الرد الهستيري لا يعكس قلقًا من الضرر الاقتصادي الناجم عن القرار، والمتوقع أن يكون محدودًا في المراحل الأولى، بل لأن موقف الدول الأوروبية قد يعني بدايات تحول في تصرفات وخطوات دول غربية، يتعدى التصريحات والاستنكارات التقليدية ضد سياسات إسرائيل. ويعني هذا القرار، في ما يعني، أولًا، تأكيد تلك الدول عدم شرعية الاستيطان ورفض الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية والأعمال الإرهابية من قبل المستوطنين؛ ثانيًا، تحويل المواقف والتصريحات إلى خطوات فعلية وكسر حاجز نفسي أوروبي في فرض عقوبات على إسرائيل، خاصة من دول تعتبر صديقة وحليفة لإسرائيل؛ وثالثًا، القلق من النتائج الاقتصادية المستقبلية للعقوبات، ولو كان تأثيرها الفوري محدودًا. إذ تخشى إسرائيل أن تتحول هذه العقوبات إلى كرة ثلج تتدحرج وتتوسع وتطال قطاعات أخرى من الاقتصاد والصناعات الإسرائيلية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمشروع الاستيطان، منها البنوك الإسرائيلية التي تمول وتستثمر وتعمل في المستوطنات، وشركات إسرائيلية لديها فروع في المستوطنات. ورابعًا، يمكن أن تُوجّه هذه العقوبات في المستقبل إلى دولة إسرائيل كلها، خاصة إذا استمرت بالسياسة نفسها في الضفة الغربية وغزة وعمّقت سياسات الضم الفعلي للضفة الغربية.
الأثمان الاقتصادية
يُعدّ الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، إذ يستحوذ على نحو ثلث صادراتها. ولا تتوافر معطيات دقيقة بشأن حجم الصادرات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي التي تأتي من المستوطنات. إلا أن تقديرات سابقة أشارت إلى أنها تصل إلى نحو 2% من مجمل الصادرات، أي ما يقارب 300 مليون يورو سنويًا.
وتخشى إسرائيل من أن تؤدي الآليات التي ستُنشأ للتحقق من منشأ البضائع الإسرائيلية، إلى جانب الرسالة الرادعة التي قد تتلقاها الشركات الأوروبية بشأن ممارسة الأعمال مع إسرائيل، إلى إحداث أثر يعيق أو يقلّل التجارة مع أوروبا.
وفق بيانات تجارة السلع والمنتجات لعام 2025 المستندة إلى قاعدة UN Comtrade، صدّرت إسرائيل إلى الدول الاثنتي عشرة مجتمعة بضائع بقيمة تقارب 7.2 مليارات دولار، في حين استوردت منها بضائع بنحو 11.3 مليار دولار. أي أن إجمالي التجارة السلعية بين إسرائيل وهذه المجموعة بلغ نحو 18.5 مليار دولار، بما يعادل قرابة 12% من إجمالي تجارة إسرائيل السلعية في ذلك العام. وقد بلغ إجمالي الصادرات السلعية الإسرائيلية عالميًا عام 2025 نحو 58.8 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 95.5 مليار دولار.
الصادرات والواردات الإسرائيلية من الدول الـ12 عام 2025، بمليارات الدولارات

وتظهر البيانات الثنائية خصوصًا مكانة فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيرلندا وبولندا، إلى جانب علاقات أصغر حجمًا، لكنها متخصصة، مع الدول الإسكندنافية.
ما الذي تتاجر به إسرائيل مع هذه الدول؟
تكشف طبيعة التجارة بين إسرائيل والدول الـ12 أن العلاقة الاقتصادية والتجارية تتركز إلى حد بعيد في الصناعات المتطورة والتكنولوجيا والمعدات الطبية والإلكترونيات والأدوية والمواد الكيميائية والآلات.
تبلغ التجارة مع فرنسا، وهي أكبر شريك في هذه المجموعة من حيث تجارة السلع، نحو 3.8 مليارات دولار. وتُصدّر إسرائيل إليها معدات طبية وبصرية، وإلكترونيات، وآلات، ومواد بلاستيكية ومواد كيميائية ومعادن، بينما تستورد منها السيارات والآلات والأدوية ومستحضرات التجميل والإلكترونيات ومعدات الطيران.
أما بريطانيا، فتتجاوز أهمية العلاقة معها الصادرات السلعية. فالتجارة بالسلع والخدمات بين البلدين بلغت نحو 6 مليارات جنيه إسترليني عام 2025، منها 3.6 مليارات دولار من السلع. وتكتسب فروع الخدمات المالية والتجارية والاستشارية والتكنولوجيا والسايبر أهمية خاصة. وقد بلغت صادرات الخدمات البريطانية إلى إسرائيل نحو 1.9 مليار جنيه إسترليني. وفي تجارة السلع، تُصدّر إسرائيل إلى بريطانيا الأحجار والمعادن الثمينة والبلاستيك والآلات والإلكترونيات والمعدات الطبية، بينما تستورد آلات وسيارات وأدوية وإلكترونيات.
وبلغت صادرات إسرائيل إلى إيرلندا 1.54 مليار دولار، منها نحو 1.4 مليار دولار من المعدات الكهربائية والإلكترونية، بما يعكس درجة عالية من الاندماج في سلاسل إنتاج التكنولوجيا والإلكترونيات. في الاتجاه المعاكس، تُصدّر إيرلندا إلى إسرائيل الأدوية والمعدات الطبية والآلات والمواد الكيميائية ومستحضرات التجميل.
وفي إسبانيا وبولندا تظهر علاقات صناعية وتجارية أكثر تنوعًا، إذ تستورد إسرائيل من إسبانيا السيارات والآلات والسيراميك والإلكترونيات والأدوية والمواد الغذائية، وتُصدّر إليها الإلكترونيات والبلاستيك والآلات والمواد الكيميائية. أما بولندا فتزود السوق الإسرائيلية بالآلات والسيارات والإلكترونيات واللحوم والمواد الغذائية، بينما تستورد من إسرائيل المعدات الإلكترونية والطبية والأدوية والبلاستيك.
أما الاقتصادات الإسكندنافية فتظهر أنماطًا أكثر تخصصًا، بحيث تستورد إسرائيل من الدنمارك أدوية بقيمة تقارب 288 مليون دولار، إلى جانب الآلات والمعدات الطبية. وتستورد من السويد السيارات والآلات والأدوية، ومن فنلندا الأخشاب والورق والآلات، ومن النرويج الأسماك، التي شكلت وحدها أكثر من 207 ملايين دولار من واردات إسرائيل منها عام 2025. وفي الاتجاه المعاكس، تتركز الصادرات الإسرائيلية إلى هذه الدول في الإلكترونيات والمعدات الطبية والآلات والمواد الكيميائية.
أعمق من التجارة
لا تقوم هذه العلاقات على الصفقات التجارية فقط، بل على شبكة من اتفاقيات التجارة الحرة والتعاون الاقتصادي. فثماني دول من المجموعة أعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذي يُعدّ أكبر شريك تجاري لإسرائيل، واستحوذ على 31.7% من تجارة إسرائيل السلعية العالمية عام 2025. وبلغت التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل 43.3 مليار يورو، إضافة إلى تجارة خدمات بلغت 26.6 مليار يورو عام 2024.
وتحكم العلاقة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل منذ عام 2000. أما بريطانيا فلديها اتفاقية تجارة وشراكة مستقلة مع إسرائيل بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، في حين ترتبط كندا باتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل منذ 1997، جرى تحديثها عام 2019. وترتبط النرويج وآيسلندا بإسرائيل ضمن اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل ورابطة التجارة الحرة الأوروبية "إفتا".
وهذا يعني أن الدول التي تفرض عقوبات وتمنع التجارة مع منتجات من المستوطنات هي في الوقت نفسه دول ذات علاقات اقتصادية مؤسساتية عميقة مع إسرائيل. وهو ما يفسر الانزعاج والقلق الإسرائيلي من هذه الخطوة، إذ تخشى إسرائيل من توسع هذه الخطوات وربما انضمام دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، ولأنها تخطت انتظار قرار من الاتحاد الأوروبي نفسه وارتكزت على قرارات المحاكم الدولية، ولأنها قد تتوسع تجاه دولة إسرائيل كلها في حال استمرت إسرائيل في سياساتها في الضفة الغربية واتجهت إلى الضم الفعلي. لذلك، فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس مقدار الخسارة التي ستتعرض لها إسرائيل في المنظور القريب، بل إلى أين يمكن أن يصل هذا المسار؟
فالحظر الحالي ليس عقوبة تجارية واسعة على إسرائيل، لكنه يرسخ الفصل القانوني والاقتصادي بين إسرائيل والمستوطنات، ويخلق آلية يمكن توسيعها لاحقًا من السلع إلى الشركات والاستثمار والتمويل والخدمات.
وبهذا المعنى، فإن الخسارة الاقتصادية المباشرة قد تكون صغيرة، لكن السابقة السياسية والقانونية أكبر بكثير. فإذا بقي الإجراء محصورًا في بضائع المستوطنات، تستطيع إسرائيل استيعاب أثره بسهولة نسبيًا. أما إذا تحول إلى سياسة أوروبية جماعية، أو امتد إلى الشركات التي تموّل أو تبني أو تقدم خدمات للمستوطنات، فقد تنتقل المسألة من مقاطعة بضائع محدودة القيمة إلى مشكلة حقيقية للشركات الإسرائيلية في الأسواق الأوروبية والغربية.
كما تأتي هذه القرارات في بيئة اقتصادية غير مستقرة في إسرائيل، ويمكن أن تسهم في تراجع المؤشرات الاقتصادية مستقبلًا. ناهيك عن أنها تأتي في ظل المعركة الانتخابية، ويمكن أن تشكل حرجًا للتحالف الحكومي الذي تباهى في الأشهر الأخيرة بأنه نجح في صدّ ومنع فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.