من المفارقة أن تنعقد المحكمة العليا الإسرائيلية للبحث في مصير القوائم العربية، المشتركة والموحدة، واثنين من مرشحيها، سامي أبو شحادة وعوفر كسيف، في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، والذي يصادف الذكرى الـ26 لهبة الأقصى التي شهدت سقوط 13 شهيدًا من أبناء الداخل الفلسطيني على أرض أم الفحم والناصرة وكفر كنا وسخنين وعرابة وكفر مندا، إلى جانب المئات من شهداء شعبنا الآخرين الذين سقطوا في انتفاضة الأقصى.
وكانت العليا الإسرائيلية قد انعقدت خلال نصف القرن الماضي، منذ أن صادقت عام 1965 على منع القائمة التابعة لحركة الأرض من المشاركة في انتخابات الكنيست، مرة تلو الأخرى للتداول في شطب قوائم أو مرشحين عرب، بما يوحي أن مشاركتهم مشروطة وتستوجب إعادة مراجعة وإعادة تأهيل في كل مرة من جديد، ناهيك عن أنها شكلية ومفرغة من أي محتوى سياسي بحكم اصطدامها بتعريف يهودية الدولة وبإجماع صهيوني يضع العرب الفلسطينيين خارج اللعبة السياسية الإسرائيلية.
لقد كان خيار إشراك ما تبقى من أهل البلاد الأصليين في انتخابات المستعمرة التي بدأت عام 1949 اضطراريًا، كما يبدو، محكومًا بقرار الأمم المتحدة 181 الذي كانت الحركة الصهيونية قد وافقت عليه وشكّل أساسًا قانونيًا لإقامة دولتها التي توسعت لاحقًا إلى حدود 48، حيث رسا الرأي لدى بن غوريون ومستشاريه المستعربين الذين بحثوا هذه المعضلة على منح من بقي من الفلسطينيين حق التصويت، والعمل بالمقابل على التأثير في أنماط تصويتهم وتمثيلهم عبر ربطهم بقوائم تابعة لحزب "مباي" الحاكم، إلى جانب محاصرة متنفسهم الوحيد ممثلًا بالحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي تصالح مع الواقع الجديد ولاءم نفسه إليه.
في أواخر الخمسينيات، عندما ظهرت بدايات التململ الفلسطيني من تحت ركام النكبة، والذي لاقى ترجماته في الداخل بظهور حركة الأرض، جرى قمع هذه الحركة وإخراجها عن القانون عام 1964، ثم شطب قائمتها للكنيست التي تشكلت لاحقًا عام 1965، والمصادقة على قرار الشطب في العليا الإسرائيلية، ليشكل هذا القرار سابقة الشطب الأولى التي أسلفنا ذكرها.
القاضي لنداو، رئيس لجنة الانتخابات في حينه، كتب في قرار الشطب أن الحديث لا يدور عن قائمة تسعى إلى نفي أمور في الدولة، بل إلى نفي الدولة من أساسها، فيما جاء قرار العليا الإسرائيلية، التي أقرت الشطب برئاسة القاضي شمعون أغرناط، ليؤكد حق دولة إسرائيل في حماية نفسها عبر الأدوات القانونية والبرلمانية في وجه الأطراف التي تسعى إلى تدميرها أو تقويض كيانها، على حد زعمه.
قمع حركة الأرض عبر إخراجها عن القانون ومنع قائمتها الانتخابية من الترشح للكنيست، كان كافيًا لإسكات التحرك السياسي الوطني الفلسطيني لأكثر من عقد ونيف من الزمن، حتى بدايات تشكل طلائع تنظيم أبناء البلد في أواسط السبعينيات، ثم ظهور أحزاب عربية على شاكلة الحزب العربي الديمقراطي والحركة التقدمية في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، لتعود مجددًا أساليب القمع السياسي، بما فيها محاولات شطب القوائم والمرشحين العرب لانتخابات الكنيست، إلى الواجهة، حيث شطبت لجنة الانتخابات القائمة التقدمية للسلام بقيادة محمد ميعاري عام 1984، وهو قرار رفضت المحكمة العليا المصادقة عليه، ثم تتالت عمليات الشطب مع ظهور التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف التسعينيات ليتعرض للشطب، حيث جرى شطب رئيسه عزمي بشارة عام 2003، وشطب مرشحته حنين زعبي عام 2015، ثم مرشحته هبة يزبك عام 2020، فيما استنكفت العليا الإسرائيلية عن المصادقة على أي من عمليات الشطب تلك، وذلك وصولًا إلى شطب رئيسه سامي أبو شحادة الذي ينتظر قرار العليا الإسرائيلية.
وخلال تلك الفترة، لم تنج الحركات السياسية التي لا تشارك في انتخابات الكنيست، على غرار الحركة الإسلامية الشمالية وأبناء البلد، من عمليات الملاحقة السياسية التي شملت اعتقال ومحاكمة قادتها، وإخراج الحركة الإسلامية الشمالية عن القانون، وهي حملات طالت الأحزاب المشاركة في الانتخابات أيضًا، وخاصة التجمع.
واليوم، إذ يمثل سامي أبو شحادة، رئيس التجمع ومرشحه لانتخابات الكنيست، أمام العليا الإسرائيلية، أسوة بمن سبقوه من أسلافه، هناك فارق بسيط ربما، هو أن قرار شطبه يتخذ في ظروف من التغول اليميني الفاشي وهيمنته الكاملة على القرار السياسي في إسرائيل، ونفاذه في مؤسسات الدولة العميقة والجهاز القضائي، وأن المحكمة العليا الإسرائيلية في حالة من الضعف تجعلها عاجزة عن مواجهة هذه الهيمنة.