أعادت التوترات المتصاعدة في الخليج العربي، وما رافقها من مخاوف متجددة حول أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، إحياء النقاش حول الممرات البديلة لنقل الطاقة في الشرق الأوسط، وأعادت معها سورية إلى واجهة التفكير الاستراتيجي الإقليمي والدولي؛ إذ إن كل اهتزاز يصيب طرق الطاقة التقليدية يدفع نحو إعادة تقييم أهمية المسارات البرية وخطوط الأنابيب العابرة للمشرق العربي، ويمنح الموقع السوري حضورًا متجددًا في الحسابات المرتبطة بأمن الطاقة العالمي. تأتي أهمية هذا النقاش من القلق المحيط بالمكانة الاستثنائية التي يحتلها كل من مضيق هرمز وباب المندب في منظومة الطاقة والتجارة الدولية. فإذا قلنا إن مضيق هرمز يشهد مرور ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط والمشتقات النفطية يوميًا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ما يجعله أكبر نقطة عبور للطاقة في العالم، فإن مضيق باب المندب يعبر عبره نحو 8 إلى 9 ملايين برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية المتجهة بين الخليج العربي والأسواق الغربية، إلى جانب نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية العابرة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. تمنح هذه الأرقام أي اضطراب أمني في المضيقين تأثيرًا مباشرًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية وحركة التجارة العالمية، كما تدفع الدول المنتجة والمستهلكة إلى البحث المستمر عن بدائل إضافية ومسارات أكثر تنوعًا ومرونة.
هنا تبرز سورية كإحدى العقد الجغرافية القادرة نظريًا على الربط بين الخليج العربي وشرق المتوسط، وبين العراق وتركيا والأسواق الأوروبية، وهو ما يفسر عودة الاهتمام بدورها المحتمل كلما تصاعدت المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية. ويرتبط هذا الاهتمام المتجدد بسورية بجملة من التحولات السياسية والإقليمية التي شهدتها البلاد خلال العامين الأخيرين، كما يرتبط بحقيقة جغرافية راسخة منحتها، عبر عقود طويلة، موقعًا متقدمًا في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولية؛ على اعتبار أن سورية تقع عند تقاطع المشرق العربي مع شرق المتوسط، وتشكل نقطة وصل بين الخليج العربي والعراق من جهة، وتركيا والأسواق الأوروبية من جهة أخرى، وهو موقع وضعها تاريخيًا ضمن مسارات التجارة والطاقة وحركة النقل العابرة للمنطقة.
غير أن أهمية الموقع الجغرافي لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ اقتصادي أو دور طاقوي مؤثر، طالما أن الجغرافيا توفر الإمكانات الأولية، في حين تحدد البيئة السياسية والأمنية والمؤسساتية قدرة الدول على استثمار تلك الإمكانات وتحويلها إلى مكاسب فعلية. وتظهر تجارب عديدة حول العالم أن الممرات التجارية الكبرى تحتاج إلى منظومات مستقرة من الإدارة والحوكمة والاستثمار والبنية التحتية، كما تحتاج إلى قدرة مستدامة على إدارة المخاطر والتوترات السياسية والأمنية. عمومًا، تتحدد قيمة الموقع السوري اليوم بقدرته على الاندماج ضمن شبكات اقتصادية وإقليمية واسعة، وبقدرته على توفير بيئة جاذبة للاستثمارات طويلة الأجل، إذ تكتسب الممرات التجارية وخطوط الطاقة أهميتها من الاستقرار الذي يحيط بها ومن الثقة التي تمنحها للأسواق والشركات والدول. وعند هذه النقطة تتحول الجغرافيا من مجرد ميزة ثابتة على الخرائط إلى عنصر فاعل في إنتاج النفوذ الاقتصادي والسياسي على المستوى الإقليمي. ومن هنا تظهر المفارقة السورية؛ فكلما تراجع الاستقرار في المنطقة عاد الحديث عن أهمية سورية بوصفها ممرًا بديلًا، وكلما اقتربت لحظة التفكير العملي بالمشاريع الكبرى عاد المستثمرون والشركات والدول إلى طرح الأسئلة المرتبطة بالأمن والحوكمة والقوانين والقدرة على حماية الاستثمارات طويلة الأجل. ولذلك بقيت معظم المشاريع المطروحة خلال العقود الماضية أسيرة الخرائط والدراسات أكثر مما تحولت إلى وقائع اقتصادية قابلة للحياة.
يأخذ النقاش حول الدور السوري المحتمل في خرائط الطاقة الإقليمية في مرحلة ما بعد الأسد أبعادًا تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة، إذ ارتبطت خطوط النفط والغاز في المشرق العربي تاريخيًا بمشاريع النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية بقدر ارتباطها بحركة التجارة والطاقة. وقد شكل مشروع خط التابلاين السعودي منذ منتصف القرن الماضي أحد أبرز النماذج التي أظهرت هذا الترابط، حيث اكتسبت مسارات الأنابيب أهمية استراتيجية موازية لقيمتها الاقتصادية، وتحولت الممرات الطاقوية إلى أدوات تأثير داخل التفاعلات الإقليمية والدولية، في وقت ارتبطت فيه خطوط النقل النفطي خلال العقود اللاحقة بالتحالفات السياسية والصراعات الإقليمية وحسابات الأمن القومي للدول المعنية، ما جعلها جزءًا من معادلات النفوذ والتنافس الإقليمي أكثر من كونها مجرد بنية تحتية مخصصة لنقل الموارد.
واحتلت سورية موقعًا محوريًا ضمن هذه المعادلة بحكم موقعها الجغرافي الواقع بين مناطق إنتاج النفط والغاز في الخليج والعراق وبين موانئ شرق المتوسط والأسواق الأوروبية، وهو موقع منحها أهمية خاصة في مختلف التصورات المتعلقة بمسارات الطاقة والتجارة العابرة للمنطقة. وارتبطت المشاريع المطروحة للعبور عبر الأراضي السورية دائمًا بإعادة توزيع النفوذ الإقليمي وتشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية، كما تحولت خطوط الأنابيب إلى جزء من المنافسة على الممرات الاستراتيجية ومواقع العبور ومصادر التأثير داخل النظام الإقليمي، الأمر الذي جعل قرارات إنشائها أو تجميدها أو إعادة تشغيلها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية.
ويأتي هنا مشروع "البحار الأربعة" (على الرغم من أنه مشروع مرتبط ببداية الألفية الحالية) أحد أكثر التصورات طموحًا المرتبطة بالموقع الجغرافي السوري، حيث استند إلى رؤية جيوسياسية واقتصادية هدفت إلى تحويل سورية إلى مركز ربط إقليمي بين أربعة أحواض مائية رئيسية هي البحر المتوسط، والبحر الأسود، وبحر قزوين، والخليج العربي. وقامت الفكرة على استثمار الموقع السوري لربط شبكات الطاقة والنقل والتجارة القادمة من العراق والخليج وآسيا الوسطى باتجاه موانئ شرق المتوسط والأسواق الأوروبية، ضمن مشروع واسع يتجاوز قطاع النفط والغاز ليشمل السكك الحديدية والطرق الدولية والمناطق اللوجستية ومشاريع التبادل التجاري والربط الاقتصادي الإقليمي. ويعكس المشروع في جوهره تصورًا استراتيجيًا يقوم على تحويل سورية إلى عقدة وصل بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وإلى مركز عبور رئيسي ضمن شبكات التجارة والطاقة الدولية، إلا أن التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2011 دفعت هذه الرؤية إلى التراجع، وأخرجت معظم مشاريعها من دائرة التنفيذ، مع بقاء الفكرة حاضرة في العديد من النقاشات المرتبطة بمستقبل الموقع السوري ودوره المحتمل في خرائط النقل والطاقة الإقليمية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند تقييم الدور السوري المحتمل في خرائط الطاقة والتجارة الإقليمية. فقد بدأت حركة إعادة تشكيل الممرات الاقتصادية بالفعل على امتداد الشرق الأوسط وآسيا، وشهدت السنوات الأخيرة إطلاق وتطوير مجموعة واسعة من المشاريع البرية والبحرية واللوجستية التي تستهدف تنويع طرق النقل والطاقة وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الدولية. وتدفع هذه الدينامية الإقليمية نحو بيئة تنافسية تتسابق فيها الدول والموانئ والممرات المختلفة على جذب الاستثمارات وحركة التجارة، ما يجعل الموقع الجغرافي أحد عناصر القوة ضمن منظومة أوسع تشمل الاستقرار السياسي والبنية التحتية والقدرة المؤسسية ومستوى الاندماج في الأسواق الإقليمية والعالمية. وفي الوقت نفسه، تخضع مشاريع الطاقة العابرة للحدود لتحولات متسارعة في بنية السوق العالمية؛ على اعتبار أن التغيرات الجارية في أنماط الاستهلاك والاستثمار دفعت الاقتصادات الكبرى إلى توسيع مزيج مصادر الطاقة، وزيادة الاستثمارات في الكهرباء والطاقة المتجددة والهيدروجين وشبكات الربط الحديثة. وتحافظ موارد النفط والغاز على موقعها المركزي في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، إلا أن القرارات المرتبطة بإنشاء خطوط الأنابيب والبنية التحتية الضخمة أصبحت ترتبط بحسابات أكثر تعقيدًا تشمل توقعات الطلب المستقبلي، وتطور التكنولوجيا، والسياسات البيئية، واتجاهات الاستثمار العالمية طويلة الأجل. وتمنح هذه المتغيرات قدرة أكبر للدول التي تمتلك رؤية اقتصادية متكاملة تجمع بين الطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية ضمن إطار تنموي شامل.
ومن جهة أخرى، تتراجع المكانة النسبية للسوق الأوروبية في معادلة الطلب العالمي على الطاقة مقابل الصعود المتواصل للأسواق الآسيوية. فالصين والهند ودول جنوب شرق آسيا أصبحت تمثل المحرك الرئيسي لنمو الاستهلاك العالمي، وهو ما يدفع المنتجين الخليجيين إلى توجيه جزء متزايد من استراتيجياتهم نحو الشرق أكثر من الغرب. وهذا التحول يطرح تساؤلات حول حجم الطلب المستقبلي الذي يمكن أن تستند إليه بعض المشاريع المقترحة العابرة للأراضي السورية باتجاه أوروبا. ورغم ذلك، لا يعني تراجع الجدوى التجارية المطلقة لبعض الخطوط تراجع قيمتها الاستراتيجية. فإذا قلنا إن الدول لا تبني الممرات فقط لتحقيق الأرباح المباشرة، وإنما لتقليل المخاطر وتوسيع الخيارات وامتلاك بدائل يمكن اللجوء إليها في أوقات الأزمات. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في منطقة شهدت خلال العقدين الأخيرين حروبًا متكررة وهجمات على منشآت الطاقة وإغلاقات مؤقتة للممرات البحرية وتوترات مستمرة حول أمن الإمدادات. ومن هذا المنظور تصبح سورية جزءًا من معادلة الأمن الاستراتيجي للطاقة أكثر من كونها مجرد طريق لنقل البراميل أو الأمتار المكعبة من الغاز؛ فالقيمة الحقيقية للموقع السوري لا تتجسد في كونه الأقصر أو الأرخص، وإنما في كونه يضيف خيارًا إضافيًا إلى شبكة الخيارات المتاحة للدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
لكن الوصول إلى هذا الدور يتطلب تحولًا أعمق من مجرد إعادة تأهيل خطوط الأنابيب القديمة أو إنشاء خطوط جديدة؛ لأن المسألة هنا ترتبط بقدرة الدولة السورية على إنتاج نموذج مستقر للحكم والإدارة الاقتصادية، وعلى بناء مؤسسات قادرة على توفير الثقة للمستثمرين والشركاء الإقليميين والدوليين. وتبقى الثقة هي العنصر الأكثر ندرة في بيئات ما بعد الصراع، وهي العنصر الذي يحدد في النهاية ما إذا كانت الجغرافيا ستتحول إلى فرصة حقيقية أم ستبقى مجرد احتمال نظري.
ويرتبط مستقبل الممرات السورية بدرجة كبيرة بقدرة دمشق على بناء شبكة واسعة ومستقرة من العلاقات الإقليمية مع الدول المجاورة والشركاء الاقتصاديين المحتملين؛ لا سيما أن الممرات العابرة للحدود تشكل بطبيعتها مشاريع مشتركة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية، وتحتاج إلى مستويات مرتفعة من التنسيق والتفاهم بين الحكومات والمؤسسات المعنية. وحديثًا، تكتسب العلاقات مع تركيا والعراق والأردن ودول الخليج أهمية خاصة، نظرًا لارتباط هذه الدول بمسارات التجارة والطاقة والنقل التي يمكن أن تمر عبر الأراضي السورية خلال السنوات المقبلة. كما يساهم الاستقرار الإقليمي وتراكم المصالح الاقتصادية المشتركة في توفير بيئة أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات الكبرى وضمان استدامة المشاريع طويلة الأجل.
والتحدي الأهم هو أن مستقبل الممرات التجارية والطاقة في شرق المتوسط مرتبط أيضًا بالمصالح الإسرائيلية المرتبطة بميناء حيفا، الذي يمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية والاستراتيجية في الدولة العبرية. فالميناء يشكل البوابة الرئيسية للتجارة البحرية الإسرائيلية، وتقدر بعض البيانات أن ما يقارب نصف حركة الحاويات الإسرائيلية تمر عبر منشآت حيفا المختلفة، فيما استحوذ الميناء خلال فترات معينة على نحو 39% من الحاويات الكاملة الداخلة إلى إسرائيل، ووصلت حصته من واردات السيارات إلى نحو 50% من السوق الإسرائيلية. كما تعامل مجمع موانئ حيفا خلال السنوات الأخيرة مع ما يزيد على 1.5 مليون حاوية قياسية سنويًا، ما وضعه في صدارة الموانئ الإسرائيلية وأكثرها ارتباطًا بسلاسل الإمداد الدولية. واكتسبت حيفا أهمية إضافية بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، مع انتقال جزء من النشاط التجاري واللوجستي في شرق المتوسط نحو موانئ أخرى تمتلك قدرة تشغيلية أعلى واستقرارًا أكبر. وترافقت تلك المرحلة مع استثمارات واسعة في البنية التحتية للميناء، وتطوير محطات حديثة للحاويات، ودخول مجموعات استثمارية دولية إلى إدارته، في إطار رؤية إسرائيلية تستهدف ترسيخ موقع حيفا مركزًا لوجستيًا رئيسيًا على الساحل الشرقي للمتوسط. كما تنظر تل أبيب إلى الميناء باعتباره نقطة ارتكاز في مشاريع الربط الاقتصادي التي تمتد من البحر المتوسط نحو الأردن والخليج العربي، وتمنحه دورًا يتجاوز حركة البضائع التقليدية إلى وظائف مرتبطة بالطاقة والنقل والخدمات اللوجستية الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، تتعامل إسرائيل مع ميناء حيفا باعتباره جزءًا من أمنها الاقتصادي القومي ومكونًا أساسيًا في خططها طويلة المدى لإعادة تشكيل شبكات التجارة الإقليمية. وتدفع هذه المعادلة صناع القرار الإسرائيلي إلى إيلاء أهمية كبيرة لأي مشروع طاقة أو نقل عابر لشرق المتوسط يمكن أن يؤثر في حركة التجارة المتجهة نحو الميناء أو في المكانة التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها له داخل النظام الاقتصادي الإقليمي الجديد. ولذلك يحضر ميناء حيفا في خلفية معظم النقاشات المتعلقة بالممرات البرية وخطوط الطاقة والمشاريع اللوجستية الكبرى التي يجري تداولها اليوم في المشرق العربي.
وتقود هذه المعطيات إلى مقاربة أكثر توازنًا للدور السوري في خرائط الطاقة والتجارة الإقليمية؛ لأن الموقع الجغرافي الذي تتمتع به سورية يضعها عند تقاطع المسارات الرابطة بين الخليج العربي والعراق وشرق المتوسط وتركيا والأسواق الأوروبية، وهو ما يمنحها قيمة استراتيجية مهمة في مرحلة تشهد إعادة رسم للممرات الاقتصادية واللوجستية في الشرق الأوسط. وترتبط الاستفادة من هذه الميزة بقدرة الدولة على توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمارات، وتطوير مؤسسات فاعلة وبنية تحتية حديثة وعلاقات إقليمية مستقرة. فالممرات التجارية وخطوط الطاقة تنمو داخل البيئات القادرة على إنتاج الثقة وتراكم المصالح المشتركة بين الدول والأسواق. وعندها يتحول الموقع السوري من ميزة جغرافية إلى عنصر قوة اقتصادي واستراتيجي، ويمنح البلاد فرصة للتموضع بوصفها حلقة وصل بين عدة أقاليم اقتصادية، والمشاركة في شبكات التجارة والطاقة والنقل التي يجري تطويرها في المنطقة خلال السنوات المقبلة.