ترتبط الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بعدد كبير من القضايا التي تتجاوز سؤال من سيتصدر الاستطلاعات أو من سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد. فالحرب ما تزال قائمة، والجدل حول نتائجها السياسية مستمر، فيما تتغير خريطة الأحزاب والتحالفات داخل اليمين، وتزداد أهمية نسبة الحسم، ويبرز مجددًا وزن الأحزاب العربية في معادلة تشكيل الحكومة. لذلك، تبدو هذه الانتخابات مرتبطة في الوقت نفسه بالأمن والحرب ومستقبل نتنياهو وإعادة ترتيب اليمين ونسبة المشاركة العربية وقدرة كل معسكر على الوصول إلى 61 مقعدًا.
وفي هذا السياق، تُطرح أسئلة كثيرة في الشارع وفي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حول ما يمكن أن تحمله الانتخابات المقبلة. ومن بين هذه الأسئلة الكثيرة، تبرز أربعة بوصفها من أهم الأسئلة التي تساعد على فهم المشهد الحالي: إذا لم ينجح نتنياهو في تحويل الإنجازات العسكرية إلى إنجاز سياسي، فلماذا يمكن أن يخدمه التصعيد انتخابيًا؟ وما أهمية مشاركة الأحزاب العربية؟ وما الذي يريده بتسلئيل سموتريتش من هذه الانتخابات؟ وهل تجري المعركة الأساسية بين اليمين وخصومه، أم داخل اليمين نفسه؟
السؤال الأول: إذا لم يتحول الإنجاز العسكري إلى إنجاز سياسي، فكيف يمكن أن يخدم نتنياهو انتخابيًا؟
يبدأ الجواب من ضرورة الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة، هي الإنجاز العسكري والإنجاز السياسي الاستراتيجي والمكسب الانتخابي. فقد تنجح إسرائيل في اغتيال قيادة أو تدمير قدرة عسكرية أو تنفيذ ضربة واسعة، وتحقق بذلك نتيجة ميدانية واضحة من دون أن تنجح في ترجمة هذه النتيجة إلى تسوية مستقرة أو ترتيب سياسي لليوم التالي. وهذا ما يظهر في غزة، حيث تستمر العمليات العسكرية فيما تبقى قضايا الانسحاب الإسرائيلي وسلاح الفصائل ومستقبل إدارة القطاع من دون حسم، ويظهر الأمر نفسه في الحرب مع إيران التي دخلت شهرها السادس من دون أن تفضي حتى الآن إلى نهاية سياسية واضحة، رغم المساعي الدبلوماسية القائمة. وهنا تتضح المعضلة التي تواجه نتنياهو؛ فهو يستطيع أن يعرض أمام الجمهور نتائج عسكرية ملموسة، لكنه لا يستطيع بالقدر نفسه أن يجيب عن السؤال الأهم، وهو: ماذا أنتجت هذه النتائج سياسيًا، وإلى أين تقود الحروب الجارية؟
من هذه النقطة يمكن فهم العلاقة بين التصعيد والانتخابات؛ فغياب الإنجاز السياسي لا يعني أن الإنجاز العسكري فقد قيمته داخل المعركة الانتخابية، والحروب قائمة أصلًا، لذلك لا يواجه نتنياهو خيارًا بسيطًا بين الحرب وعدمها، وإنما يتحرك داخل واقع عسكري مفتوح يستطيع فيه التأثير في مستوى التصعيد، وفي الساحة التي يركز عليها، وفي التوقيت الذي يستغل فيه فرصة عسكرية معينة. وكلما نجحت ضربة أو عملية اغتيال، حصل على نتيجة سريعة يمكن تحويلها إلى رسالة سياسية موجهة إلى الداخل، تقول إنه ما يزال يملك زمام المبادرة ويعرف كيف يستخدم القوة ويحقق نتائج.
لهذا يهم نتنياهو أن يبقى النقاش العام قريبًا من سؤال الأمن والقوة والقدرة على المبادرة، أكثر من بقائه عند سؤال الحصيلة السياسية للحرب. فحين ينشغل الجمهور بضربة ناجحة أو اغتيال بارز، يصبح من الأسهل على نتنياهو تقديم نفسه بوصفه قائدًا يفرض الوقائع ويتخذ القرارات. أما خصومه فيحاولون سحب النقاش إلى مساحة مختلفة تبدأ من 7 أكتوبر، وتمر بطول أمد الحروب، وتنتهي عند غياب تسوية أو نتيجة سياسية واضحة. ومن هنا يصبح التصعيد مفيدًا لنتنياهو عندما ينتج صورة نجاح سريعة ومفهومة للجمهور، لكنه يتحول إلى عبء عندما يبدو استمرارًا لحرب طويلة تستهلك الوقت والموارد من دون أن تقدم جوابًا سياسيًا واضحًا.
السؤال الثاني: إلى أي مدى يمكن أن تحسم مشاركة الأحزاب العربية الانتخابات؟
يضع استطلاع "معاريف" المنشور في 28 آب/أغسطس 2026 الأحزاب العربية في موقع مؤثر داخل الحساب الانتخابي. فقد حصلت القائمة المشتركة التي تضم الجبهة والعربية للتغيير والتجمع على 8 مقاعد، فيما حصلت القائمة العربية الموحدة على 5 مقاعد، ليصل مجموع التمثيل العربي إلى 13 مقعدًا. وتنسجم هذه النتيجة مع الاتجاه العام في استطلاعات الأسابيع الأخيرة التي تضع التمثيل العربي في حدود 12 - 15 مقعدًا، بحسب الاستطلاع ونسبة المشاركة المفترضة. وهذا الحجم يمنح الصوت العربي وزنًا واضحًا في موازين القوى وفي حسابات تشكيل الائتلافات، وقد يكون من بين العوامل التي تمنع نتنياهو من الوصول إلى أغلبية تتيح له تشكيل حكومة.
وتتجاوز أهمية الصوت العربي هنا عدد المقاعد نفسه؛ ففي ذات الاستطلاع يقف معسكر نتنياهو عند 48 مقعدًا، فيما تحصل المعارضة الصهيونية على 59 مقعدًا. وبهذه الصورة تصبح المقاعد العربية جزءًا مهمًا من الخريطة البرلمانية ومن الحسابات التي تسبق تشكيل أي ائتلاف حكومي. لكن جمع 59 مقعدًا للمعارضة مع 13 مقعدًا للأحزاب العربية لا يعني تلقائيًا قيام ائتلاف من 72 نائبًا.
وهنا يمكن استحضار ما كتبه البروفيسور نديم روحانا في مقال نشره موقع "عرب 48" في 28 آب/أغسطس 2026، إذ رأى أن القائمة المشتركة الثلاثية والموحدة تعبران عن برنامجين سياسيين مختلفين في فهم العلاقة مع الدولة وطبيعة العمل السياسي. لذلك، لا يمكن التعامل مع المقاعد العربية بوصفها كتلة سياسية واحدة في مرحلة ما بعد الانتخابات. ومع ذلك، فإن ارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي يرفع حجم التمثيل البرلماني، ويؤثر في توزيع المقاعد وفي الفجوة بين المعسكرات وفي الخيارات المتاحة أمامها عند بدء مفاوضات تشكيل الحكومة.
السؤال الثالث: هل المعركة الأساسية بين اليمين وخصومه أم داخل اليمين نفسه؟ وماذا يريد سموتريتش في هذه اللحظة؟
يمكن النظر إلى جانب مهم من الانتخابات الإسرائيلية الحالية باعتباره صراعًا داخل اليمين نفسه على القيادة وعلى تمثيل قواعده الاجتماعية والسياسية. فداخل معسكر نتنياهو تتحرك عدة قوى رئيسية، هي الليكود، والقوة اليهودية بقيادة بن غفير، والصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش، إضافة إلى عوفر فينتر الذي دخل المشهد السياسي مؤخرًا. ولا تخاطب هذه القوى جماهير منفصلة تمامًا، وإنما تتنافس على شرائح متقاربة من المستوطنين والمتدينين والقوميين واليهود الشرقيين والمحافظين اجتماعيًا. ولهذا، فإن صعود طرف منها قد يأتي مباشرة على حساب طرف آخر داخل المعسكر نفسه.
ويظهر هذا التنافس بوضوح في العلاقة بين نتنياهو وبن غفير. فنتنياهو يحتاج إلى بن غفير داخل معسكره، لكنه لا يريد له أن يتحول إلى قوة كبيرة تستطيع فرض شروطها في أي حكومة مقبلة. وكلما زادت قوة بن غفير الانتخابية، ارتفعت قدرته على المطالبة بحقائب أكثر أهمية وعلى التأثير بصورة أوسع في سياسات الحكومة. لذلك، يسعى نتنياهو إلى الحفاظ عليه حليفًا، مع الحد من تمدده على حساب الليكود ومنعه من التحول إلى مركز قوة ينافسه داخل اليمين.
وزاد دخول عوفر فينتر من تعقيد هذا المشهد، لأنه لا ينافس نتنياهو وحده، وإنما يتحرك داخل المساحة نفسها التي يعتمد عليها سموتريتش. ففينتر يأتي من بيئة الصهيونية الدينية ويحمل خلفية عسكرية تمنحه قبولًا لدى شرائح ترى في التجربة العسكرية عنصرًا مهمًا في القيادة، خصوصًا بعد 7 أكتوبر. كما أنه يستطيع مخاطبة جمهور يميني متدين من دون أن يطلب منه الانتقال إلى موقع أيديولوجي مختلف. ولهذا، يشكل صعوده تهديدًا مباشرًا لسموتريتش أكثر مما يشكل تهديدًا لبن غفير، لأن المنافسة بينهما تدور على جزء من القاعدة نفسها.
وفي الوقت نفسه، تستمر الخصومة بين سموتريتش وبن غفير. فالتنافس بينهما لا يقتصر على عدد المقاعد، وإنما يتعلق أيضًا بمن يقود اليمين الديني ومن يملك القدرة الأكبر على تمثيل جمهوره في المرحلة المقبلة. وهنا يواجه نتنياهو مشكلة إضافية، لأنه يحتاج إلى بقاء الطرفين داخل الكنيست حتى لا تضيع أصوات من معسكره، لكنه لا يستطيع بسهولة فرض صيغة توحدهما. كما أن بن غفير لا يبدو مستعدًا لمنح سموتريتش موقعًا متقدمًا إذا كان ذلك سيأتي على حساب قوته السياسية.
ومن هنا يمكن فهم ما يريده سموتريتش في هذه اللحظة؛ فهو يخوض قبل كل شيء معركة بقاء سياسي، ويريد ضمان دخول حزب الصهيونية الدينية إلى الكنيست مع الحفاظ على استقلاله عن بن غفير. لكنه يفعل ذلك في ظرف أكثر صعوبة من السابق، لأن فينتر ينافسه على جزء من جمهوره، ولأن استمرار الحزب قرب نسبة الحسم يجعل كل تراجع في شعبيته خطرًا على مستقبله السياسي. ولذلك، فإن ضعف سموتريتش لا يعني بالضرورة تراجع المواقف التي يمثلها، فقد تنتقل أصواته إلى فينتر أو إلى قوى أخرى داخل اليمين، مع بقاء الاتجاه الأيديولوجي نفسه حاضرًا.
كما يريد سموتريتش أن يثبت أنه ما يزال الممثل السياسي الأساسي للصهيونية الدينية، وأن وجوده في الحكومة والسياسات التي دفع بها، خصوصًا في الملف الاستيطاني، يمنحانه أساسًا للمطالبة باستمرار قيادته لهذا التيار. غير أن خياراته أصبحت أكثر ضيقًا. فإذا تحالف مع بن غفير، قد يضمن البقاء في الكنيست، لكنه قد يدخل من موقع أضعف ويفقد جزءًا من استقلاله السياسي. وإذا خاض الانتخابات منفردًا وفشل في تجاوز نسبة الحسم، فقد يخسر حزبه ويؤدي في الوقت نفسه إلى ضياع أصوات يحتاج إليها معسكر نتنياهو.
لذلك، لا تدور معركة سموتريتش حول عدد المقاعد فقط، وإنما حول بقائه السياسي وموقعه داخل الصهيونية الدينية وقدرته على الاحتفاظ بقيادة هذا التيار في مواجهة منافسين من داخل اليمين نفسه. وهذا يعكس الصورة الأوسع للانتخابات، إذ لا يتركز الصراع فقط بين اليمين وخصومه، وإنما يدور جزء أساسي منه داخل اليمين حول من يقوده ومن يمثل قواعده وكيف ستتوزع القوة بين مكوناته بعد الانتخابات.
ختامًا، مع الأيام القادمة ستتضح إجابات بعض هذه الأسئلة، وستظهر أسئلة أخرى تفرضها تطورات الحروب وحركة الاستطلاعات والتحالفات الانتخابية ونسب المشاركة. لكن يبقى الأهم أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في غاية من الأهمية؛ لأنها لن تحدد فقط من سيترأس الحكومة المقبلة، وإنما ستحدد أيضًا موازين القوى داخل اليمين، وموقع الأحزاب العربية في معادلة تشكيل الحكومة، والقيادة التي ستدير إسرائيل في مرحلة ما تزال فيها الحروب قائمة والأسئلة السياسية الكبرى مفتوحة.