نهاية الحقبة الأمريكية../ د. محمد السعيد إدريس

إقالة دونالد رامسفيلد من وزارة الدفاع الأمريكية وهو الذي ظل منذ تعيينه في هذا المنصب في يناير/ كانون الثاني 2001 يشكل الرمح القوية أو بالتحديد “رأس الرمح” في تيار المحافظين الجدد، التي جاءت ضمن تداعيات هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس تثير تساؤلات مهمة بخصوص مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وربما مستقبل هذه السياسة على وجه العموم.

يأتي في مقدمة هذه التساؤلات: هل إقالة رامسفيلد هي مجرد خطوة تكتيكية من الرئيس جورج بوش لاسترضاء الديمقراطيين في الكونجرس لفتح صفحة حوار جديد لتعايش مشترك طيلة العامين الباقيين من رئاسته أم أنها بداية لتغيير في السياسة الأمريكية وبالذات بالنسبة للعراق مع الاحتفاظ بجوهر المشروع الأمريكي، ونقصد هنا المشروع الاستراتيجي الإمبراطوري الذي صاغه تيار المحافظين الجدد، وكان قرار غزو العراق واحتلاله مجرد حلقة من حلقات تنفيذ هذا المشروع؟

هذا المشروع الاستراتيجي الامبراطوري حمل اسم “الخطة من أجل القرن الأمريكي الجديد” تبناه وليام كريستول ناشر مجلة “ويكلي ستاندرد” عام ،1997 وكان يرمي إلى أمرين: أولهما أن تتحول الولايات المتحدة إلى قوة امبراطورية عالمية تسيطر وتحكم العالم بقوانينها هي وبما يخدم طموحاتها الامبراطورية اعتقاداً منه بأن ما تملكه الآن من أشكال القوة المختلفة يفوق مئات المرات ما امتلكته امبراطوريات عالمية كبرى.

وثانيهما وضع برنامج “إسرائيل” لمكافحة الارهاب في قلب السياسة الخارجية الأمريكية. وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أعلن المسؤولون عن هذه الخطة لائحة من الأولويات من أجل مكافحة الارهاب بما فيها قيام تحالف معاد للارهاب مع “إسرائيل”، والتخلص من “حزب الله”، وإبادة الانتفاضة الفلسطينية، وتغيير النظم الحاكمة في كل من العراق وإيران وسوريا.

فبعد عشرة أيام فقط من تلك الأحداث وجهوا رسالة علنية إلى الرئيس بوش تدعوه إلى تبني الاستراتيجية “الإسرائيلية” للأمن القومي مشددين على أن “أعداء “إسرائيل” هم أعداء أمريكا”.

هذا المشروع الامبراطوري كان يمثل محور الارتكاز في فكر تيار المحافظين الجدد، وتعامل مع العراق باعتباره المنطلق للاعلان الفعلي عن المشروع الامبراطوري الأمريكي للسيطرة على القرن الجديد (القرن الحادي والعشرون) لكن يبدو أن العراق لم يكن مجرد بداية هذا المشروع، ولكنه أيضا نهايته، وحملة التبرؤ قادها عدد من أهم زعماء المحافظين الجدد أمثال فرانسيس فوكوياما الذي اعلن براءته وإدانته لمشروع المحافظين الجدد منذ شهور عدة، وريتشارد بيرل مهندس الحرب الأمريكية على العراق والعضو السابق باللجنة الاستشارية للسياسة الدفاعية الذي جاء تبرؤه من حرب العراق في لحظة حاسمة جداً بالنسبة للرئيس الأمريكي وإدارته عندما كان بوش يخوض بكل قوة حملته الانتخابية لدعم الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

فقد أعلن ريتشارد بيرل انه “ما كان ليؤيد الحرب لو كان يعلم مدى تردي مستوى أداء إدارة بوش في التعامل معها ومع نتائجها”. وعلى السياق نفسه اتهم كينيث ادلمان عضو اللجنة نفسها الرئيس جورج بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد بأنهما “أقل الفرق كفاءة في فترة ما بعد الحرب، ولا يقتصر الأمر على ارتكاب كل منهما أخطاء هائلة بصورة منفردة، ولكنهما يعملان معاً بصورة قاتلة.. وفاشلة وظيفيا”.

واضح من انتقاد بيرل وادلمان أنهما يركزان على سوء إدارة الحرب من جانب الرئيس وأركان إدارته لكنهما لم يدينا فترة الحرب في حد ذاتها، بما يعني ان حملة التبرؤ محصورة في الإدارة الأمريكية وليس في المشروع الذي كانت تريد هذه الإدارة تنفيذه، بما يحمل احتمال وجود طموح لدى هؤلاء لإعادة تسويقه لإدارة أمريكية أخرى قادمة بعد عامين قد تكون ديمقراطية وقد تكون جمهورية.

ريتشارد هاس المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية كتب في دراسة مهمة نشرها في عدد نوفمبر/ تشرين الثاني، ديسمبر/ كانون الأول الجديد لمجلة الشؤون الخارجية الأمريكية “انتهى زمن الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبدأت حقبة جديدة في تاريخ المنطقة الحديث، وسوف يرسمها ممثلون جدد وقوى جديدة تتنافس على النفوذ، وحتى تستحوذ واشنطن عليها (على المنطقة) فسوف يكون عليها أن تعتمد على الدبلوماسية أكثر من اعتمادها على القوة العسكرية”.

بهذا المعنى فإن إقالة دونالد رامسفيلد هي بداية لتغيير فعلي في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وربما في العالم عموماً، إذا أخذنا تجربة الهزيمة الأمريكية في فيتنام في الذهن. وان هناك لاعبين اقليميين وعالميين جددا في طريقهم إلى الظهور لكن يبقى أن نسأل: وأين العرب من هذه التحولات؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018