الطائفية تشهر سلاح العنف المذهبي ../ توفيق المديني

كشفت الصورة والطريقة التي أعدم بها الرئيس السابق صدام حسين، عن الهوس الطائفي، وثقافة العنف الطائفي التي تتفاخر القوى الطائفية بممارستها على الملأ. إنها ثقافة القتل والعنف الطائفيين، ثقافة العراق الجديد، ثقافة عراق الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد كان الرئيس السابق صدام حسين يستحق محاكمة تاريخية عادلة، لا من أجل فكرة صميمية العدالة نفسها فقط، بل في سبيل “تأسيس” حقبة جديدة من سيادة دولة القانون، ثم من أجل مظلومية آخرين حجبتهم المحاكمة، ومن أجل التوثيق الدقيق للتاريخ، وبشهوده الأحياء، وفي النهاية من أجل طي صفحة حقبة تاريخية وتأسيس لمصالحة وطنية حقيقية بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.

ويعيش العراق اليوم مدًا غير مسبوق للقوى الدينية الطائفية والرجعية. فهذه القوى تكرس قوى الطوائف، وتضعف دور القوى الوطنية والديمقراطية، وتهدد بقيام “دول” أحادية الطائفة. لأن الوفاق الطائفي مستحيل، ما لم يلبّ مطالب كل الطوائف، أو يفرض هيمنة بعضها على بعضها الآخر. ولأن السياسة الأمريكية الصهيونية تؤيد التبلور الطائفي هذا، الذي يقود حتماً إلى تقسيم العراق.

في السنوات الأربع الماضية من عمر الاحتلال الأمريكي، المشكلة الأخطر التي تواجه المجتمع العراقي، هي المشكلة الطائفية، لأنها تحول المواطن من مواطن يفكر على صعيد الوطن إلى فرد يفكر على صعيد الطائفة. ولما كانت الطوائف متداخلة ومتشابكة في المعيشة والحياة، فإن اتجاهاً طائفياً سوف يثير عداء بين مواطنيها، ويقود إلى صراعات طائفية وحرب أهلية، كحرب لبنان الأهلية، مما يسهل استقطاب المواطنين على أسس طائفية، ويبعدهم عن البرنامج الوطني الديمقراطي. وعليه فإن التوجيه الطائفي هو ما تسعى إليه الامبريالية الأمريكية والعدو الصهيوني لاستخدامه سلاحا في معركتها من أجل تفتيت إرادة المواطنين العرب، لتوجيه الصراع في اتجاه خاطئ، مضاد للاتجاه التاريخي.

وحين حصل الغزو الأمريكي للعراق، انهارت معه الدولة الشمولية العراقية بطريقة دراماتيكية، وانهار معها، حزبها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية ومنظماتها ومجتمعها، لأن هذه الدولة المتغولة كانت كل شيء، وقضت على بنى المجتمع المدني الحديث التي كانت من المفترض أن تشكل خنادق الحرب المعاصرة، عندما تنهار سلطة الدولة الحديثة، على حد قول أنطونيو غرامشي. وحين فتكت هذه الدولة الشمولية العراقية بمؤسسات المجتمع الأهلي التقليدية، ومؤسسات المجتمع المدني الحديثة كالأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الشعبية، جسدت ثقافة العنف الوطني، الأمر الذي يفسر لنا أيضا غياب هذا المجتمع المدني في زمن الكارثة العراقية الحالية بعد الهزيمة العسكرية لمؤسسات الدولة الشمولية العراقية: الجيش، والحرس الجمهوري، وفدائيي صدام، وجيش القدس.

بيد أن الأحزاب السياسية المتبرقعة بالطائفة والقبيلة والمذهبية، ورثت الدولة الشمولية العراقية في زمن الاحتلال الأمريكي، وعجزت عن أن تبني دولة عصرية، لأن هذا ليس في برنامجها، ولا هي مؤهلة لذلك، كما أنها استبدلت ثقافة العنف الوطني الذي كان سائداً في العهد السابق بثقافة العنف الطائفي- المذهبي، الذي يتبجح بطائفيته. فانتقل المجتمع العراقي بذلك من ثقافة عنف الدولة الشمولية إلى ثقافة كابوس العنف الطائفي، وفرق الموت، والإرهاب الأعمى، والقتل على الهوية. تلك هي صورة العراق الجديد الذي يتماهى مع أيديولوجية الفوضى الخلاقة، التي روج لها المحافظون الجدد.

وقد أسهمت مجموعة من العوامل في تبلور القوى الطائفية:

- أولها: إعطاء الدول الامبريالية، وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية العالم العربي اهتماماً خاصاً بحكم موقعه الاستراتيجي، وتحكمه بمضائق ومحيطات وبحار عديدة، واحتضانه مخزونات ثروة نفطية هائلة، واحتمال فقدان العالم العربي لمصلحة القوى الوطنية والديمقراطية، الأمر الذي يشكل ضربة قاسمة للعالم الغربي بزعامة الولايات المتحدة، والطبقات والفئات المحلية التابعة.

- ثانيها: قيام الكيان الصهيوني، سنة ،1948 وحرصه على منع تحرر الجماهير العربية من ربقة الأنظمة الشمولية، ومنع وحدتها بكل الوسائل.

- ثالثها: ازدياد تغلغل العولمة الرأسمالية في المجتمعات العربية، حتى هزّ كل البنى التقليدية (المدينة، القرية، القبيلة، الطائفة) ودفع قطاعات تقليدية للدفاع عن مواقعها، خشية أن يجرفها سيل “الحداثة” الجارف.

- رابعها: انشغال الأطراف الدينية والطائفية بالمعارك الداخلية عن المعارك مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ومحاولة إشغال كل الأطراف، على الصعيد العربي، أو الدول الإسلامية بالصراعات الداخلية.

وقد التقت هذه العوامل جميعا، لتدفع القوى الامبريالية، بقيادة الولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، إلى البحث عن وسائل ناجعة للجم قوى التغيير الديمقراطي وفرض هيمنة القوى الطائفية. واكتشفت هذه القوى مجتمعة ما يلي:

- أولاً: أنها تستطيع توظيف الدين، ضد القومية والديمقراطية. فتجند جماهير واسعة من المؤمنين وترد على الهجوم الأيديولوجي بهجوم أيديولوجي واسع.

- ثانياً: أنها تستطيع أيضا حشد قوى الطوائف وراء زعامات طائفية، فتسحب من الأحزاب معظم قواعدها ورصيدها الشعبي، وتغلق تجمعات الطوائف في وجه الديمقراطية والقومية، وتثير نزاعات ليس لها حدود، لا تمنع وحدة الوطن فحسب بل تخلق فيه شروخاً عديدة جديدة، وتستنزف قواه في صراعات داخلية متجددة.

- ثالثاً: أنها تستطيع انتزاع زمام المبادرة بتكوين أحزاب طائفية مسلحة، لها ميليشيات مسلحة، تمتلك الوعي السياسي، والتنظيم والتدريب.


"دار الخليج"