عن مونتسكيو والفقراء.. عن بيروت وبرجوازيتها ../ فيصل جلول

يروى عن مونتسكيو الذي ينتمي إلى عائلة من النبلاء أن عرّابه في ولادته كان من عامة الناس الفقراء وقد سئل والده عن السبب فقال: حتى يتذكر دائماً ولا ينسى أبداً أن لديه إخوة فقراء في المجتمع. هل لهذا الحدث وقع مؤثر في مصير أو مستقبل أحد أهم فلاسفة التنوير في فرنسا؟ وهل لهذا النوع من القيم دور في شعار المساواة والإخاء وهما اثنان من ثلاثية الثورة البرجوازية الفرنسية؟ الجواب الحاسم هو عند أهل الاختصاص، لكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى مؤشرات الى قيم خاصة للبرجوازية الفرنسية وربما الأوروبية الأصلية وغير الطارئة، من بينها أن أبناء العائلات الغنية العريقة يحذرون من التظاهر بغناهم كي لا يتسببوا بأذى للمحرومين والفقراء. والراجح أن هذا الجانب مستمد من القيم المسيحية التي سادت أوروبا قروناً قبل انتشار العلمانية والعمل بمبدأ فصل الكنيسة عن الدولة.

بخلاف الغنى المادي البرجوازي المشار إليه يبدو أن نشوء البرجوازيات العربية كان مجرداً من أية قيمة اجتماعية شبيهة بما أشرنا إليها للتو ناهيك عن ان الغنى نفسه لم يكن مقيداً بقيود دينية صارمة وإن وجدت مثل هذه القيود فإن الظاهر منها هو طابعها الخيري، لذا يتصدق الغني إن أراد أو يعطف أو يتكرم على الفقراء والمحتاجين وقلة قليلة من أصحاب الثروات تتبع أسلوب المساعدة المغفلة لما يسمى “العائلات المستورة” أي المحتاجة، لكن هذا الأسلوب ما كان وما هو اليوم قيمة حقيقية تميز البرجوازيات العربية.

ومن بين البرجوازيات المذكورة تبدو البرجوازية اللبنانية الأكثر غطرسة وتحرراً من القيود الأخلاقية أو الدينية وذلك بسبب تكوينها الخدماتي فضلاً عن حداثة ظهورها، لذا تراها مضطرة لانتزاع الاعتراف ليس من تراكم الأجيال والثروات والقيم وإنما من الاعتداء السافر المتمثل باستعراض مظاهر الثراء أمام الفئات الدنيا المسحوقة أو المحرومة أو الفقيرة، وأحيانا بأساليب تذكر برائعة موليير الساخرة “البرجوازي اللطيف” التي تدور حول برجوازي ناشئ يبذل ما بوسعه لاستدراج الاعتراف بتميزه.

تطغى هذه الأيام في بيروت أحاديث الاعتصام الشعبي في الوسط التجاري الذي تقدمه البرجوازية اللبنانية كواجهة عرض للعالم العربي. هنا ينام ويصحو منذ أكثر من شهر أبناء الضواحي والأرياف مطالبين بالمشاركة الحقيقية في مراكز القرار، وبحماية القطاع العام المفيد لعامة الشعب من عدوان البنك الدولي وصندوق النقد عبر مخطط “باريس 3” الشبيه بمخطط “باريس 2” الذي سبقه والذي رتب ديوناً قرنية على اللبنانيين عامة والفقراء منهم خاصة. هنا في واجهة العرض البرجوازية اللبنانية يطالب معتصمون يمثلون مئات الآلاف من اللبنانيين بتغيير حكومة بلادهم التي تصرّ على وصفهم بالانقلابيين، وانطلاقاً من هذا الوصف ترفض الاعتراف بهم وبمطالبهم وتتصرف حيال تظاهراتهم وكأنها لم تنطلق ولم تجب الشوارع وتتمسك بشرعيتها وكأن أحدا لم يطعن بها، ولا يجد رئيس الحكومة ما يدعو للأسف في هذه الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة إلا الضرر اللاحق بأصحاب “واجهة العرض” المذكورة في الوسط التجاري، ويحزن للسياح الذين تعذر وصولهم من الخارج إلى المكان من دون أن ينبس ببنت شفة على مئات الآلاف من العاطلين عن العمل أو الذين يبيتون على الطوى.

بيد أن الأمر لا يقتصر على تمثيل الحكومة للبرجوازيين من دون غيرهم وكأن الوطن لهم وحدهم أو لكأنهم الوطن حصرا، فإذا ببعض الأغنياء أو الناطقين باسمهم يحمل بشدة على المعتصمين في الوسط التجاري ويأخذ عليهم مأكلهم وملبسهم وطرق عيشهم مثل: هؤلاء القابعين في وسط بيروت يأكلون الترمس ويدخنون النارجيلة. أو هؤلاء “المحترفين” الذين يتناولون “الكعك” و”النقانق”. أو هؤلاء المعتصمين الذين نقلوا معهم إلى وسط العاصمة البرغش والذباب وطرق العيش في محيط متسخ. أو هؤلاء الحفاة الذين يتقاضى الفرد منهم خمسين دولاراً لقاء الاعتصام. أو هؤلاء الذين يختلطون ليلاً شباناً وشابات في الخيم المنصوبة في ساحة الشهداء فيؤدي اختلاطهم إلى إلحاق الأذى بالقيم العائلية.

ما يدعو للأسف أن الوسط البرجوازي اللبناني الذي تنطلق منه هذه النعوت القبيحة يحظى بدعم وتأييد مطلق من طرف ورثة مونتسكيو وفولتير وموليير وجان جاك روسو في فرنسا. هؤلاء الورثة الذين قد يتذكرون أن لديهم “أخوة” فقراء في بلدهم لا يجوز حرمانهم من الضمان الاجتماعي والصحي لا يجدون بأساً من دعم برجوازية الخدمات اللبنانية التي تتظاهر بسياراتها وملابسها ومطاعمها وديكوراتها وبرامجها التلفزيونية ولغتها المستوردة أمام الحفاة والجائعين والعاطلين عن العمل، وتحقرهم بمأكلهم وملبسهم وبطريقة عيشهم. وما يدعو للأسف أن ورثة التنوير الأوروبي والأمريكي يقاتلون في بلدانهم من أجل وضع حد لسيطرة الرساميل الأمريكية المتوحشة ويقاومون سطوتها في مجتمعاتهم ودولهم لكنهم لا يجدون غضاضة في أن تجتاح هذه الرساميل مداخيل الفقراء ومحدودي الدخل في لبنان عبر باريس 2 و3 وغيرهما.

في واحدة من “الرسائل الفارسية” ينصح مونتسكيو على لسان أوزبيك أن يطوي انصار أبي بكر وعلي صفحة الخلاف تاركين لله عز وجل أن يحيط الصحابيين الكريمين بعنايته وأن يهتموا بشؤونهم عبر مواجهة الحاضر بكل صعوباته وتعقيداته. لا يعمل ورثة مونتسكيو بنصيحته فهم في غالب الظن يريدون بقاء حلفائهم في حكومة لبنان بأي ثمن، وإن كان فتنة مذهبية بين أنصار الصحابيين وورثتهم.



"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018