بوش ومخاطر فشله العراقي../ صالح بشير

من كان ينتظر من جورج بوش «استراتيجية جديدة» بشأن العراق، خاب أمله وتلاشى، إذ لم يفصح الرئيس الأميركي، يوم الأربعاء الماضي، إلا عن إجراءات أكثر ما يُقال فيها، إن توخينا السخاء في توصيفها، أنها من طبيعة تكتيكية: إرسال عشرين ألف جندي إضافي إلى العراق، تتمحور مهمتهم حول إحلال الاستقرار في بغداد (بعد أن انحسر «العراق النافع» لينحصر في عاصمته) ولا أحد يمتلك ذرة من حس سليم يتوقع منهم أن يجترحوا ما أخفقت القوات الأميركية، بعديدها المئة والثلاثين، في تحقيقه طوال السنوات الأربع الماضية.

لا غرو، والحالة هذه، في أن خطاب الرئيس الأميركي بشأن العراق، قد خيب آمال الكثيرين، بدءا بقطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي، باتت ترى للمغامرة العراقية تكلفة باهظة لا تُطاق، وربما أضحت تعتبر إصرار الرئيس بوش على المضي في خوض تلك المغامرة على نحو ما فعل حتى الآن إخلالا، يكاد يكون من سوية انقلابية، بإرادة شعبية، عبرت عن نفسها في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وتبلورت، وإن على نحو استشاري غير ملزم، في الاقتراحات التي تقدم بها تقرير لجنة بيكر - هاملتون.

لكن الخطاب الأخير للرئيس بوش، مطمئن، مع ذلك وبمعنى من المعاني، إذ يفصح، وإن من دون إرادة صاحبه، عن أن هامش المكابرة والإقامة على الخطأ ما انفك يضيق في وجه نزيل البيت الأبيض. لا يتبدى ذلك حصرا من نبرته المرتبكة، من قلة وثوقه بالنصر على عكس ما كان يفعل سابقا، من إقراره بحصول أخطاء ومن مسارعته إلى إعلان مسؤوليته عنها، من انتقاله إلى موقع دفاعي شأن من لم يعد يصبو إلى فوز بل فقط إلى تجنب المآل الأنكى، ولكن، وبالخصوص، من طبيعة الإجراءات التي اتخذها وتلك «الاستراتيجية الجديدة» التي أعلنها، والفاضحة لحدود فعل الإدارة الأميركية في الأزمة العراقية، ذلك الذي ضاق وضمُر، بحيث أضحى ينحصر، أو يكاد، في التحكم في لحظة إعلان الهزيمة أو الانكفاء.

ذلك أن الرئيس بوش لم يتخذ قرارا، من خلال «استراتيجيته الجديدة»، وكشف، ضمنا أو من دون اعتراف منه في قرارة النفس، بأنه فقد سلطة القرار بشأن المعضلة العراقية. بل أن كل ما فعله (وهو كل ما هو قادر على فعله عدا عن إعلان الفشل وتبنيه) أنه قد أجّل القرار. لا يمكن لإجراءاته الأخيرة أن تُفهم إلا على هذا النحو، إلا إذا كان الرجل يراهن على تحوّل في واقع الحال العراقية كما هو معلوم، لا يبدو البتة مرجحا إلا بفعل معجزة. فالعشرون ألف جندي الموعودون لن يغيروا من ميزان القوة على أرض بلاد الرافدين، على ما يقول الخبراء في ما يداني الإجماع، وعلى ما يقول القادة العسكريون أنفسهم. أما إبداء التبرم بحكومة المالكي والانتقال إلى مرحلة الضغط عليها، حثا لها على تولي مهمات الأمن أو على الإسراع بإصلاحات سياسية وأخرى اقتصادية (اقتسام الثروة النفطية) فلا يُتوقع منه أن يُسفر عن جدوى، ليس لأن الحكومة المذكورة آبقة لا تقيم وزنا لإرادة الإدارة الراعية، بل لأنها محكومة بشروط «موضوعية» يصعب عليها الفكاك منها أو يتعذر: ضيقها الطائفي ورثاثة رجالها، وهي من رثاثة الطبقة السياسية العراقية عموما وتلك العربية استطرادا، على ما دلت واقعة إعدام حسين على نحو جليّ.

يبقى أن في ما قاله الرئيس الأميركي جانباً من صحة، هو ذلك المتمثل في «تخوفه» من أن يفضي انسحاب القوات الأميركية من العراق إلى فراغ يُترجم استشراء للعنف الداخلي أو الأهلي، استشراء يفوق منسوبه الحالي، وهو فادح في ذاته. لكن مشكلة الرئيس الأميركي أنه استخلص من هذه المقدمة الصحيحة سياسةً، أو بالأحرى لا سياسة، خاطئة، هي تلك التي تضمنتها «استراتيجيته الجديدة».

وإذا كانت تلك «الاستراتيجية الجديدة تطمئن، بمعنى من المعاني وكما سبقت الإشارة، إلى أن بوش قد فقد زمام المبادرة، وانحسرت صلاحية القرار في شأن الأزمة العراقية لديه، حتى انحصرت، أقله ظاهريا، في صلاحية وحيدة تبقت له، هي تأجيل إعلان الفشل والهزيمة إلى حين، فإن سياسته تلك، أو لا سياسته تلك، تبقى مع ذلك حمّالة مخاطر، إذ هي تبقى مشرعة على «التصعيد»، ليس في المجال الداخلي العراقي، حيث قد يكون التصعيد ذاك قد بلغ أوجه وحدوده القصوى من الجانب الأميركي، ولكن على صعيد إقليمي أوسع...

فقد استبعد الرئيس بوش توصية أساسية من تلك الواردة في تقرير بيكر - هاملتون، هي الداعية إلى فتح حوار مع كل من سورية وإيران، مفضلا على تلك التوصية مقاربة عسكرية، أي «تصعيدية»، والاقتصار عليها، هي تلك المتمثلة في استخدام القوات المسلحة للحؤول دون تسلل الأسلحة والمقاتلين من البلدين المذكورين إلى العراق. وإذا صدق ما ذهبت إليه بعض الأوساط من أن الولايات المتحدة تنوي قصف المواقع النووية الإيرانية قبل نهاية هذه السنة، مراهنة على أن الانقسام السني - الشيعي الذي يطغى على المنطقة حاليا من شأنه أن يعزل إيران ويحد من التعاطف معها، فإن في ذلك ما يجعل من احتمال أن تصرّف الولايات المتحدة فشلها على الصعيد العراقي هجوما على الصعيد الإقليمي، أمرا واردا، إن لم يكن كنية مبيتة فكتداعٍ سيفضي إليه منطق الأشياء وديناميكيتها «الذاتية». فقد فقدت الولايات المتحدة زمام المبادرة في العراق، بحيث لم يبق أمامها سوى تبني «استراتيجية جديدة» من طينة تلك التي أعلنها الرئيس بوش، ولكن هل يمكن لامبراطورية صاعدة أو ترى نفسها كذلك، أن تسلم بذلك من دون أن تسعى إلى استعادة زمام المبادرة بتوسيع المواجهة؟

بوش الفاشل أو الأضعف قد يكون أكثر خطرا على العالم من بوش القوي أو الذي يتوسم في نفسه قوةً...

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018