بشأن البحث عن خيارات اخرى والخروج من دوامة الدولة المستقلة../ ماجد كيالي

منذ حوالي 35 عاما والساحة الفلسطينية محصورة بخيار واحد وحيد وهو إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، إلى جانب دولة إسرائيل، وفق ما عرف في حينه بالحل المرحلي.

وقد طرح هذا الخيار على خلفية التداعيات الدولية والإقليمية التي خلقتها حرب اوكتوبر (1973)، في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني (1974)، ثم جرى تعميقه وتطويره في الدورات المتعاقبة للمجلس الوطني. وجاء إعلان الاستقلال (1988)، على خلفية الانتفاضة ليرسخ هذا الخيار كبرنامج إجماع وطني في الساحة الفلسطينية؛ حيث تضافرت (عبر الانتفاضة) الشروط الموضوعية والذاتية لتجسيد هذا الخيار، من الناحية النظرية طبعا.

لكن التحولات الدولية المتمثلة بانهيار الاتحاد السوفييتي (السابق)، وهيمنة الولايات المتحدة (حليفة إسرائيل) على النظام الدولي، والتداعيات السلبية الخطيرة الناجمة عن احتلال العراق للكويت (1990)، وتفكك التضامن العربي، واستنزاف الانتفاضة الأولى، أدى إلى انعقاد مؤتمر مدريد (1991) بشروط غير مواتية للعرب وللفلسطينيين.

وفي حينه فإن هذه الشروط المجحفة دفعت بالقيادة الفلسطينية لتعويم ذاتها عبر التحايل على تغير الظروف الموضوعية والدولية، بالتوقيع على اتفاق اوسلو (1993)، الذي مرحل الحل المرحلي، وابتدع فكرة المرحلة الانتقالية (خمس سنوات)، والتفاوض لاحقا على قضايا الحل النهائي، من دون توضيح ماهية هذا الحل، ومن دون نزع اعتراف من إسرائيل بمكانتها كدولة محتلة، ومن دون أي إقرار منها بضرورة التوقف عن أي نشاط احتلالي وضمنه النشاط الاستيطاني.

لكن إسرائيل هذه، وبناء على تفوقها العسكري وسيطرتها على حياة الفلسطينيين، واستنادا للدعم الأمريكي، وضعف الضغوط الدولية والإقليمية عليها، لم تستجب تماما للاستحقاقات المطلوبة منها في اتفاقات أوسلو، برغم الاجحافات المتضمنة فيها بالنسبة للفلسطينيين، فقد عززت سيطرتها عليهم، واستمرت بتوسيع المستوطنات، وتعايشت مع مجرد وجود سلطة حكم ذاتي للفلسطينيين.

نتيجة ذلك جاءت الانتفاضة في عام 2000 لتصحيح هذا الوضع، ولكن إسرائيل عملت كل ما بوسعها لوأد الانتفاضة وجر الفلسطينيين إلى مواجهات مسلحة وعنيفة، لتبرير تملصها من عملية التسوية، وتقويض اتفاق اوسلو، بدعوى عدم وجود شريك ثقة في عملية التسوية. ولم تتوقف إسرائيل عند هذا الحد فقامت بمعاودة احتلال مناطق السلطة، وبنت الجدار الفاصل الذي يقطع أوصال الضفة، وأنشأت أكثر من خمسمئة حاجز عسكري في الضفة، ثم قامت بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة (2005) محولة إياه إلى مجرد سجن كبير.

في كل هذه المسيرة يبدو أن إسرائيل، ورغم تحول قطاعات منها نحو القبول بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ليست مهيأة تماما لهذا الخيار، أو لتجسيده عمليا. ذلك أن التحول نحو القبول بهذا الحل لم ينشأ بغرض انصاف الفلسطينيين، وإنما للتخلص من ما يسمى الخطر الديمغرافي، والتحرر من العبء الأمني والسياسي والاقتصادي والاخلاقي للاحتلال.

هكذا ورغم وجود أغلبية إسرائيلية تتوافق مع هذا الخيار إلا أن هذه الأغلبية لا تتمتع بالشجاعة لتطبيقه في ظل وجود معارضة داخلية له. ثم إن هذه الأغلبية مائعة وغير ثابتة ولا ناضجة للتعاطي مع هذا الحل وفق رؤية استراتيجية، طالما ان الضغط على إسرائيل ليس بالدرجة المناسبة.

أيضا فإن هذه الأغلبية تتوخى من المماطلة بهذا الخيار تعزيز الضغط على الفلسطينيين وتصعيب حياتهم ودفعهم للقبول بحل يتوافق مع المصالح الإسرائيلية، المتمثلة بالاحتفاظ بأكبر قدر من الاراضي وبالقدس وتصفية قضية اللاجئين، وابقاء السيطرة الأمنية والاقتصادية على أوضاعهم، لتسويق هذا الحل لدى الإسرائيليين، على طريقة الدول القائمة على أسس استعمارية واستيطانية وعنصرية.

هكذا فإن خيار الدولة الفلسطينية بات له 35 عاما دون ان يجد طريقه للوجود! وخيار اوسلو بات له 15 عاما، دون ان تنتهي المرحلة الانتقالية!

السؤال الذي يطرح نفسه هنا إزاء هذا الواقع هو: ما الذي يمنع الفلسطينيين من إجراء انتفاضة سياسية، على شكل مراجعة سياسية لبديهياتهم التفاوضية؟ أو بمعنى آخر، ما الذي يمنعهم من الخروج من زاوية الخيار الواحد، أو الانحشار بخيار بعينه، مثلاً خيار الدولة المستقلة إلى الخيارات الأخرى، كالدولة الثنائية القومية، أو الدولة الاتحادية، أو الدولة الديمقراطية العلمانية (دولة المواطنين)، طالما أن الدولة العتيدة لن تكون في مستوى آمالهم؟

معنى ذلك أن الفلسطينيين معنيون بمراجعة فكرة الدولة الفلسطينية، من أساسها، طالما أنها باتت متعذرة وطالما أن إسرائيل تعمل على تحجيمها وتبهيتها، وتجويفها.

وعموما وطالما أن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يفرضوا إرادتهم على الدولة العبرية، بقدر قدرتهم على إرباك مخططاتها واستقرارها، فإنه يمكن لهم أن يهددوا بالانسحاب من صيغة التفاوض على دولة فلسطينية، شرط أن يكون هذا التهديد أكثر جدية وإقناعا وتصميما من السابق. وحينها ستجد إسرائيل نفسها أمام ساعة الحقيقة: فإما أن ترسخ نفسها على شكل دولة استعمارية تمارس التمييز العنصري ضد سكانها غير اليهود، مع كل ما يتبع ذلك من تداعيات عليها، أو أن تجد نفسها معنية بالتخلص من هذا الكابوس، المقترن بما يسمى الخطر الديموغرافي الذي يشكل خطرا على هويتها اليهودية، بالتحول لدولة ثنائية القومية أو بتمكين الفلسطينيين من إقامة دولة مستقلة لهم.

الآن ليس القصد من هذا الكلام القطع مع هدف الدولة المستقلة، ولكن القصد منه لفت الانتباه إلى أن هذا الهدف ربما لم يعد له من معنى في مستوى الصراع الدائر اليوم على الأرض الفلسطينية، ما يفرض الانفتاح على الخيارات الوطنية الأخرى.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018