قوانين الحرب لحماية الغربيين فقط؟!../ محمود المبارك*

مع الأيام الأولى للقصف الأميركي على أفغانستان في خريف 2001، ورداً على سؤال حول انتهاك الولايات المتحدة للقانون الدولي باستهدافها إذاعة «الشريعة» التابعة لـ «طالبان»، المحمية بموجب المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف لعام 1949، رفض وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ذلك الاتهام، مؤكداً أن إذاعة «طالبان» «هدف مشروع»، لأنها ليست سوى «أداة دعائية لمجموعة إرهابية». ولكن الصحافي الذي لم يبد مقتنعاً بتلك الإجابة، استطاع أن يهز ثقة الوزير بنفسه بتوجيهه سؤالاً آخر أكثر جرأة، حين قال «إذن، إذاعة «صوت أميركا» يمكن اعتبارها هدفاً مشروعاً لطالبان»؟!

وبغض النظر عن التبريرات التي ساقها الوزير الذي بدا مرتبكاً، في التفرقة بين «الإعلام الحرّ والإعلام الدعائي»، فإن الظاهر من إجابة مجرم الحرب الأميركي - الذي قبلت المحاكم الأميركية ثلاثين دعوى ضده - هو استهتاره بالقوانين الدولية التي تحكم النزاعات المسلحة. يشهد على ذلك ما قامت به الولايات المتحدة لاحقاً في كل من أفغانستان والعراق، من انتهاك للقانون الدولي الإنساني، شمل استهداف المدنيين، وسوء معاملة الأسرى، واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، واستهداف وسائل الإعلام وقتل الصحافيين، واستهداف الأماكن التاريخية والمتاحف وتعريضها للنّهب، وهذه تشكل في مجملها «جرائم حرب» بموجب المعاهدات والاتفاقات الدولية.

اليوم يتكرر المشهد ذاته في إسرائيل، اذ تنتهك القيادة الإسرائيلية جميع قوانين الحرب من غير اكتراث. ولعل السؤال الذي يجب أن يطرح على القادة الإسرائيليين هو: هل يحق لـ «حماس» أن تهاجم أماكن المدنيين كما تفعل إسرائيل؟ ترى لو كان في مقدرة «حماس» أن تقصف المدنيين في بيوتهم ودور العبادة ووسائل الإعلام الاسرائيلية، والمدارس والجامعات، والمستشفيات وسيارات الإسعاف، وبقية الأماكن المحمية بموجب القانون الدولي، ماذا ستصنع إسرائيل؟ بل ماذا سيصنع العالم بـ «حماس»؟

في الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة، غالبية القتلى والجرحى هم من النساء والأطفال والمدنيين غير المحاربين، الذين أصيبوا أثناء قصف الملاجئ والمدارس والجامعات والمساجد والمستشفيات، وفي ذلك انتهاك صارخ لاتفاق جنيف الرابع لعام 1949، الخاص بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. ومع ذلك يتبجّح المسؤولون الإسرائيليون بعدم تحمّل المسؤولية القانونية، لأن مقاتلي «حماس» يختفون في البيوت مع المدنيين وفي المساجد والمستشفيات بحسب زعمهم. ولا يخفى على أي قانوني دولي أن هذه المزاعم هي ذاتها التي استخدمها النازيون الألمان في محاكمات نورمبرغ، وقد رفضت المحكمة تلك الحجج، ودانت «مجرمي الحرب» الألمان بارتكاب «جرائم حرب».

إسرائيل كذلك، استهدفت قناة «الأقصى» الفضائية وصحيفة «الرسالة»، وقتلت وأصابت صحافيين، وفي ذلك خرق صريح للمادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف لعام 1949، الخاص بحماية الصحافيين، إلا أن الحجج الإسرائيلية هي ذاتها الحجج الأميركية، التي قدمها وزير الدفاع الأميركي السابق!

القوات الإسرائيلية قامت أيضاً بجمع عدد من «الأسرى» واقتادتهم إلى بيت خالٍ ثم قصفتهم بالطائرات، كما نقلت ذلك وسائل الإعلام العالمية، وفي ذلك انتهاك جسيم لاتفاق جنيف الثالث لعام 1949، المتعلق بحماية الأسرى، وهي من أكبر جرائم القانون الدولي الإنساني.

«جرائم الحرب» الإسرائيلية شملت أيضاً استخدام أسلحة محرمة دولياً، كالفوسفور الأبيض الذي سبق أن اعترفت إسرائيل باستخدامه في حرب تموز (يوليو) 2006 على لبنان، وإن لم تقر باستخدامه في غزة بعد. يؤيد ذلك عدد من الأطباء الذين تولوا علاج حالات المصابين الذين أصيبوا بشظايا حارقة، لا يمكن أن تكون إلا نتيجة أسلحة محرمة كالفوسفور الأبيض، وهو ما أكدته صحيفة «التايمز» البريطانية أيضاً قبل أيام. وإسرائيل وإن أنكرت جرائمها في غزة، فإنها لم تعترف بأي من مجازرها التي يصعب حصرها في مقال كهذا.

كل ما سبق يعد «جرائم حرب» توجب المحاكمة بموجب المادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك لم يثر أي من ذلك كوامن الفضول في عالم الغرب «الحضاري»، الذي سَنَّ هذه القوانين الدولية. وغني عن القول لو ارتكبت هذه الانتهاكات دولة عربية أو مسلمة كيف سيكون رد الفعل الغربي؟

ولعل السؤال الذي يطرح في الشارع العربي اليوم هو ما الذي يمكن عمله قانونياً لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة؟ والإجابة تكمن في طريقين: الأول هو البدء في رفع إجراءات دعوى ضد المسؤولين الإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب «جرائم حرب».

فهناك ثلاث دول عربية يمكن لأي منها بدء رفع إجراءات دعوى ضد قادة إسرائيل بصفتهم «مجرمي حرب» بموجب المادة 14 (1) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وإذا تخاذلت هذه الدول، فإن العيب ليس في القانون الدولي، وإنما هو في النظام السياسي العربي. والطريق الآخر هو بدء رفع دعاوى في أية دولة موقّعة على اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949 ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين، بصفتهم انتهكوا هذه الاتفاقات الدولية، تماشياً مع المادة 146 من اتفاق جنيف الرابع لعام 1949، والمتعلق بحماية المدنيين وقت النزاعات المسلحة.

ومن هذا الباب، فإنني أدعو وزارات العدل في جميع الدول العربية لقبول رفع دعاوى ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين، ومعلوم أن مثل هذا الإجراء يخيف هؤلاء. من ناحية أخرى، يجب على المؤسسات الحقوقية في كل دولة غربية أن تقوم ببدء رفع إجراءات دعاوى ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين داخل محاكم كل دولة غربية، وقد بدأت بعض المنظمات الحقوقية في تلك الخطوة فعلياً.

الموقف الأميركي والأوروبي قد لا يعيننا على محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، لأن الفلسفة التي قام عليها القانون الدولي، هي أنه وضع لحماية الرجل الغربي الأبيض فحسب. ذلك أن الانطباع السائد في عالم الغرب عموماً هو أن قتيلاً غير غربي ليس سوى مجرد قتيل. وهو ما أكده أحد المحاربين الأميركيين الذي شارك في حرب العراق في اعترافات نشرتها مجلة «ذي نيشن» الأميركية في عدد شهر تموز (يوليو) 2007، حين قال، «كنا نظن أن هؤلاء أصحاب البشرة الداكنة الذين لا يتحدثون الإنكليزية ليسوا بشراً، ولنا أن نفعل بهم ما نشاء»!
"الحياة"