ثورة الثالث والعشرين من يوليو في ذكراها الـ57../ د. مصطفى كبها

قد لا نجانب الحقيقة بشيء إذا قلنا بأن الثورة التي فجرها الضباط الأحرار في مصر في الثالث والعشرين من تموز عام 1952 هي من أهم أحداث النصف الثاني من القرن العشرين وذلك على الصعيدين الشرق –أوسطي والعالمي.

وكي لا نتهم بالرومانسية الزائدة أو المثالية المطلقة نقدم ونقول إن هذا الحدث صاغ أوليات جديدة للعبة السياسية في الشرق العربي، وانعكس ذلك بدوره على محور الصراعات الدولية التي كان الشرق الأوسط، وما زال، أحد أهم حلباتها الملتهبة. لهذا الحدث وللمبادرين له، كما هو الحال في شتى ثورات العالم القديمة منها والحديثة، منجزات وزلات وأخطاء ودون النظرة الفاحصة المدققة لمجموعة تلك المنجزات والأخطاء، ليس بوسعنا تقييم هذا الحدث وإعطاؤه المكانة الجديرة به من وجهة النظر التاريخية.

من حيث تغيير قواعد اللعبة السياسية فقد جرى كسر ميراث الفترة الاستعمارية الممتدة منذ احتلال بريطانيا لمصر عام 1881. تلك الفترة التي أوجدت أنظمة مشوهة للديمقراطية التمثيلية والمحكومة من قبل دولة عظمى ونخب اجتماعية تعيش في أبراجها العاجية وتتصرف وفق حدود مصالحها الطبقية.

صحيح أن التغيير الحاصل في الثالث والعشرين من تموز عام 1952 حصل من خلال القوة المسلحة للجيش وهو أمر لا يعد طبيعياً في مسيرة التطور الطبيعية للشعوب، ولكن إزاء عجز وفساد وهوان المنظومة السابقة لم يكن هناك بد من التغيير بالقوة. إذ أن تلك المنظومة لم تكن عاجزة فقط عن تحقيق الأماني الوطنية والقومية للشعب المصري، وإنما كانت حاجزاً بل حجر عثرة أمام تطور اجتماعي واقتصادي مبني على أسس سليمة ينطلق من القاعدة إلى الأعلى ويكون بمثابة الأساس المتين للاستقلال الوطني والقومي الحقيقي.

لقد شاهد جمال عبد الناصر، الرجل الذي وقف وراء تنظيم الضباط الأحرار وانطلاقة الثورة، عن كثب، في نهاية العشرينيات ومطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، تعثر المنظومة السياسية المصرية العاجزة أمام مماطلة الساسة البريطانيين (الذين كان لهم مركز استعماري في القاهرة ) وسعيهم الدؤوب للسيطرة على موارد الشعب المصري ومقدراته من خلال اتفاقيات وتفاهمات باهتة تضمن لبريطانيا قبل كل شيء السيطرة على المواقع الإستراتيجية في مصر وأهمها قناة السويس، وتهدف إلى منع سيطرة فعلية تامة لأصحابها عليها بأي شكل من الأشكال.

شارك جمال الصبي بالمظاهرات الطلابية التي جابت شوارع القاهرة وسائر المدن المصرية في الأعوام 1935 -1936 وجرح مرتين. ثم شارك كضابط أركان للكتيبة المصرية السادسة في حرب فلسطين وجرح فيها ثلاث مرات وقام في كل مرة يجرح فيها لينضم إلى زملائه في الجبهة قبل أن تشفى جراحه وكتب له أن يكون في القوة المصرية التي حوصرت في جيب الفالوجة في قرى الفالوجة وعراق المنشية التي خاض فيها معركة الصمود حتى توقيع اتفاقية الهدنة التي اقتضت بسحب القوات المصرية من جيب الفالوجة وترك سكان القرى في أماكنهم. ولكن القوات الإسرائيلية وجدت الذرائع المختلفة لطرد سكان القريتين على الرغم من تنفيذ القوات المصرية لشقها في الاتفاق.

في الفالوجة وعراق المنشية وسائر أيام نكبة وحرب 1948 شاهد جمال عبد الناصر اشد وأصعب معاني التقصير والفساد السياسي اللذين قادا إلى تلك الهزيمة المدوية للجيوش العربية في حرب فلسطين. عاد جمال إلى القاهرة وهو عاقد العزم على التغيير بشتى الوسائل والطرق. وعندما تضاءلت البدائل ولم يبق غير الخيار العسكري قام بإنشاء الخلايا الأولى من الضباط الأحرار التي بلغت نواتهم عشية الثورة 99 ضابطاً.

قام عبد الناصر وأصحابه بكل الاحتياطات اللازمة لنجاح الثورة بما في ذلك عدم الظهور بمظهر القائد على الأقل في الفترة الأولى وقد اقتضى الأمر وضع الجنرال محمد نجيب، قائد حرس الحدود حتى ذلك الوقت والحاكم العسكري العام لقطاع غزة، ليكون بمثابة الواجهة وذلك بسبب رتبته العالية وسمعته الحسنة في أوساط الضباط. وبعد نجاح الثورة وسيطرة الجيش على زمام الأمور في البلاد، وجد الضباط الشباب (باستثناء محمد نجيب كان معدل العمر للضباط 35 عاماً ) أنفسهم حكاماً لبلد كبير ذي أهمية إستراتيجية من الطراز الرفيع.

ولكن جمال عبد الناصر بقدراته القيادية المميزة وبحماسه القومي منقطع النظير، استطاع أن يحقق النجاح تلو النجاح خاصة في معارك فاصلة خاضها ضد الاستعمار وذيوله وأعوانه فمن مؤتمرات باندونغ وبريوني التي قادت لإنشاء منظمة دول عدم الانحياز التي كان جمال عبد الناصر أحد أضلاعها الثلاثة المؤسسة (تشكل الضلعان الآخران من جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند وجوزيف بروز تيتو الرئيس اليوغوسلافي )، إلى نضاله المدوي ضد حلف بغداد مروراً بتأميم قناة السويس ودحر القوى المعتدية عسكرياً(فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ) بنصر سياسي مؤزر في خريف 1956 وتتويجاً بالوحدة المصرية – السورية التي كانت من المفروض أن تكون اللبنة الأولى في بناء الوحدة العربية الشاملة.

ولكن تضافر جهود المعارضين لها عربياً ودولياً أدى إلى إفشالها من خلال حركة انفصالية تمت عام 1961. لعب عبد الناصر، مع باقي زعماء حركة عدم الانحياز، دوراً بارزاً فيما سمي” بالحرب الباردة „ والتي صاغ عبد الناصر من خلالها سياسة الحياد الإيجابي القائلة „ نصالح من يصالحنا ونعادي من يعادينا „، وعلى هذا الأساس أقام شبكة متينة من العلاقات مع حركات التحرر القومي في شتى أنحاء العالم، علاقات كانت مبنية على أساس احترام حق تقرير المصير ومعاداة الاستعمار بكل أشكاله وألوانه ومبادئه.

وقد واكب نشاط عبد الناصر الدولي نشاط كبير على الصعيدين العربي العام والمصري الداخلي فعلى الصعيد العربي دعم بشكل غير محدود الثورة الجزائرية واليمنية وأيد الحركات الثورية في ليبيا والسودان وقد استنزف هذا النشاط منه ومن مصر الكثير من الطاقات والشهداء الذين بعثوا إلى أكثر من موقع للدفاع عن فكرة الوحدة العربية أينما كانت. ولا يسعنا هنا إلا أن نؤكد على الدور الذي لعيه المصريون، أطباء ومعلمين ومهندسين ومزارعين في بناء أقطار عربية عديدة من المحيط إلى الخليج، ذلك الدور الذي رأى به عبد الناصر واجباً قومياً لا تستطيع بدونه فكرة الوحدة أن تنمو وتتطور.

وعلى الصعيد المصري المحلي حققت مصر انطلاقة عظيمة في مجال العدل الاجتماعي من خلال سن القوانين الاشتراكية وقوانين الإصلاح الزراعي، ونقلة نوعية في مجالي التصنيع والتحديث. وقد بوشر ببناء مشروع السد العالي الذي كان له بالغ الأثر على ثورة التقنيات والطاقة التي ينعم بها المصريون حتى يومنا هذا.

ثم كانت كبوة الخامس من حزيران 1967 التي تسببت بهزيمة مذلة واحتلال أراض عربية جديدة من قبل الجيش الإسرائيلي. هذه الحرب بحاجة حتى الآن لبحث معمق يبين الظروف التي عمل فيها عبد الناصر والتي قادته إلى تلك الهزيمة النكراء وإلى نتائجها الوخيمة. يدور الحديث عن تجاوزات وتقصيرات من الرجال الذين أحاطوا بعبد الناصر وعن همومه الكثيرة وعن تراجع صحته. لكن ذلك لا يعفي، بطبيعة الحال، عبد الناصر من مسؤولية ما حصل، سيما وأنه كان محط الآمال لكافة الشعوب العربية التي عرفت أن تفصل بين مسؤوليته العليا عن الهزيمة وبين خامته القيادية النادرة الساحرة التي غذت مشاعر الجماهير وألهمت المبدعين وحملة الأقلام الذين هبوا مدافعين عنه رغم كل ألم الهزيمة وعارها. وقد يشفع لعبد الناصر، بنظر محبيه ومريده، بأنه لم يرم سلاحه بعد تلك الهزيمة وقاد حرباً ضروساً لمدة ثلاث سنوات هي حرب الاستنزاف التي أعلن من خلالها عن حرب تهدف إلى „ محو آثار العدوان „. تلك الحرب التي وصلت مصر من خلالها إلى تعادل استراتيجي مع إسرائيل، ومن المرجح أن لذلك كان بالغ الأثر في منجزات المرحلة الأولى من حرب أكتوبر وعبور القناة في السادس من تشرين الأول 1973 وذلك بعد بضعة أيام من الذكرى السنوية الثالثة لوفاة جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من أيلول 1970.