دفاعاً عن غولدستون اليهودي../ نصري الصايغ

بلى! يجب أن تصدق. يمكن للا معقول العربي/ الفلسطيني، أن يكون معقولاً جداً. وهذه فرصة قد لا تتكرر في حياتنا. قد تكون فريدة من نوعها. لم يحصل في ما نعرفه من إحداثيات الدم المسفوك، أن أقدم القتيل على طلب مباركة القاتل وتطويبه، عبر إعفائه من تبعات الجريمة.

يجب أن تصدق أن السلطة الفلسطينية، المنشأة بإرادة دولية إسرائيلية، خضعت بسهولة، وتجرأت على إبعاد القاضي غولدستون عن المحكمة الدولية، لمدة ستة أشهر/ قرون، بدعوى الإساءة إلى العملية السلمية. (أين هي؟) أو بدافع تأمين موجات أثيرية للهاتف الخلوي للشركة «الوطنية» التي لا وطن لها.

يجب أن تصدّق أن فلسطينيين، كانوا يوماً ما فلسطينيين، تحوّلوا إلى بيلاطسيين، وبدل أن يغسلوا أيديهم من صلب غزة، غسلوا يد قيافا القاتل.

حصل ما لم يحصل أبداً. فلنتصوّر مثلا، أن تقدم أطراف يهودية/صهيونية، على التحدث بحياد نسبي عن «الهولوكوست». لنتصوّر ذلك، ولنحاول أن نعرف النتيجة. لا يمكن إلا أن نستعيد مشهد إعدام ايخمان، بأعداد غفيرة ستقوم القيامة. لن يبقى كاتب، مفكر، موسيقي، شاعر، طبيب، مهندس، جنيد، قائد ورئيس دولة إلى آخر الكرة الأرضية، من دون أن يحمل مسدسا أو سلاح إبادة، لإطلاق النار على من يمت بصلة إلى من ينظر نظرة محايدة. سيسمى غوبلز، وسيصار إلى إعدامه كل يوم، في الساحات العامة.

هل هذه مبالغة؟
أبداً... أبداً... أبداً.
والدليل، في ما نشره الزميل حلمي موسى يوم أمس في «السفير»، لأفيغدور فيلدمان، نقلاً عن «معاريف».
لقد فضل الكاتب التشنيع الذي تعرض له غولدستون من قبل اليهود في اسرائيل والعالم: «من الواضح اننا حينما نرى أبيض حلواً، يرى أسود كالزفت... في اسرائيل قالوا عن غولدستون انه مجرم حرب. ينبغي تقديمه للمحكمة الدولية لجرائم الحرب، انه أسوأ من غوبلز».

مسكين غولدستون. كان عادلا. لم يترك صاروخا من «القسام» من دون أن يعده ويحصي ضحاياه. سمى عملية إطلاق الصواريخ على المدنيين الاسرائيليين جرائم حرب ومع ذلك، فهو «غوبلز». والسبب، أنه بدأ تقريره بما قامت به اسرائيل من ارتكابات، بدل أن يبدأ بالصواريخ والقسام. لأنه بدأ بحصار غزة، ولم يتحدث عن «حماس» ولأنه... فهو «غوبلز».

ينقل الكاتب بسخرية ما يلي: «يبدو لي أن غولدستون (اليهودي) لم يتأثر في هذه الدعاوى، وأنا أتكهن أن إخوته البيض في جنوب أفريقيا وصفوه باليهودي القذر. اذهب إلى اسرائيل. عد إلى ليتوانيا. أيها اللقيط، ابن العاهرة. وربما أحرقوا سيارته أو حطموا زجاج بيته، أو أرعبوا ابنتيه الصغيرتين».

ويتابع الكاتب: «إن التفتيش السريع في التقرير يكشف من سلمناهم عصا الرواية: «لا فلسطينيا ولا إسرائيليا ولا جنوب أفريقيا ولا باكستانية سمراء كارهة لإسرائيل، (كعضو اللجنة هينا غيلاني) ليس ايرلنديا (كعضو اللجنة العقيد ديسموند تاربور) من لا يعرف التمييز بين دستور حماس وقارورة عطر، ليست امرأة متعصبة لأنوثتها مشبوهة بأنها سحاقية، (كعضو اللجنة البريطانية كريستين تسينكين... بل مخلوقات أخرى، تنظر إلينا كما لو أننا فراخ افتداء لبني آدم...».

إذا كان الغرب قد أصيب باللعثمة وتبرعت أميركا/ أوباما، لتسفيه التقرير وطرده من مجلس الأمن (إذا تم إحضاره)، فإن النظام الرسمي العربي، في معظمه، ليس في مرمى النظر وعلى السمع وقيد الإحساس. هو مكتف من وجوده، بأنه غير موجود.

ما العمل؟ إلى من نتوجه؟ من نطالب؟
لأول مرة، ينتابنا الشعور بخسارة فلسطين. شعور أن فلسطين لم تعد جديرة أخلاقيا بأن تكون مخدومة.

فلسطين الأرض قد تستعاد، فلسطين الناس قد تعوض. فلسطين الأسرى، قد تحرر. أما فلسطين، اذا خسرت إنسانيتها، وأخلاقياتها، وبراءتها كمظلومة، فلا شيء يعيد إليها الحياة.

لا شيء. تكون قد ماتت. وتحوّلت إلى خرقة سياسية دولية، أو إلى ممسحة استراتيجية، أو إلى دولة من حق مغتصبها ان يسمي أبناءها بأسمائهم الحسنى، وليس بالزنى والاغتصاب.

رجاء أخير: إذا لم يكن بإمكان من بقي من العرب، الدفاع عن «الأقصى الأخلاقي» الأكثر سمواً من أي أقصى ديني أو وطني، فقد يكون من المناسب، أن نتسوّل كلاما يليق بالدفاع عن يهودي، يدعى غولدستون، كان في مقام الرفعة الأخلاقية، ومكانة العدالة الإنسانية. وبذلك، كان فلسطينيا.
هل نصل إلى يوم نسأل فيه: من ينقذ فلسطين من أبنائها؟ أو، عذراً، من بعض أبنائها.
"السفير"