06/11/2009 - 10:46

موسم الزيتون الحزين../ د.جمال زحالقة

موسم الزيتون الحزين../ د.جمال زحالقة
تعتبر بلادنا، بلاد الشام الموطن الأصلي لشجرة الزيتون، التي باركتها الأديان السماوية، وكانت على مدى آلاف السنين رمزاً للبركة وقوتاً للناس. اعتاد الناس على الاحتفال بموسم قطف الزيتون، ولكن فرحة الموسم لم تجر في كل الأعوام، وذلك بسبب المعاومة، أو كما يقول الفلاحون "شجر الزيتون سنة حامل وسنة حايل".

حديث الناس هذه الأيام هو أن الزيتون "حايل"، لا يحمل الا القليل من الثمر، وإذا كانت الابتسامات العريضة وفرحة غزارة الانتاج قد ميزت السنة الماضية، فإن الحزن على موسم الشح وقلة الانتاج، هذا العام، هو الشعور السائد لدى فلاحينا وأهلنا. زاد موسم الزيتون الحالي شحاً، بسبب عدم انتظام الامطار والرياح الخماسينية وتفشي أضرار ذبابة البحر المتوسط، التي تضرب شجرة الزيتون.

لقد طورت الزراعة الحديثة طرق وأساليب للتغلب على المعاومة والتخفيف من أثرها، وذلك من خلال الري والعناية بالشجرة بأساليب حديثة تستند الى التطور العلمي وإلى خبرة الفلاحين المتراكمة عبر آلاف السنين، إضافة إلى أنظمة لتعويض الفلاحين في السنين "الحايلة".

فلاحونا في الجليل والمثلث والنقب لا يتلقون دعماً يذكر لتطوير زراعة الزيتون، فالري غير متوفر بسبب سياسة التمييز في مخصصات مياه الري، وهم محرومون عملياً من الدعم والارشاد والتعويض، بينما يتلقى المزارعون اليهود مياه الري والدعم والتعويض بمستوى يضاهي دول البحر المتوسط المتطورة مثل اسبانيا وايطاليا وفرنسا.

لقد انخفض انتاج الزيت هذا الموسم الى ما يقارب المعدل السنوي، ومن المتوقع ان يصل إلى ما يقارب 2500 طن مقارنة بمعدل 8000 طن سنوياً ينتجه فلاحونا في الجليل والمثلت والنقب. تبعاً لذلك تضاعف سعر الزيت وبلغ 800 شاقل للتنكة. يستهلك أهلنا في الداخل ما يقارب 7000 طن سنوياً، وبمعدل 6-7 ليتر في العام وهذا معدل عال وجيد وفق كل مقارنة.

في الضفة الغربية يصل الانتاج سنوياً إلى 25 ألف طن بالمعدل، هذا العام لن يتعدى 5000 طن، والاستهلاك يصل إلى ما يقارب 12000 طن، مما حدا بوزارة الزراعة الفلسطينية الى اتخاذ قرار غير مسبوق باستيراد الزيت من الخارج، في حين كانت الضفة الغربية تصدر الزيت بكميات كبيرة نسبياً.

لسنا نبالغ حين نقول بأن حماية زراعة الزيتون هي مهمة وطنية، وليس صدفة أن يستهدف المستوطنون مواسم قطف الزيتون للاعتداء على الفلاحين الفلسطينيين في الضفة، في محاولة لردعهم عن التمسك بأرضهم وشجرهم.

زراعة الزيتون فيها حماية للأرض وفيها مصدر رزق هام لآلاف العائلات في الداخل وفي الضفة الغربية.

دارت في الاسابيع الأخيرة معركة سياسية حول قرار وزير الزراعة الاسرائيلي حل مجلس الزيتون وضمه إلى مجلس النباتات العام. يجمع مزارعو الزيتون على أن تنفيذ هذا القرار يشكل ضربة لفرع انتاج الزيت والزيتون، لأن مجلسا منظما ومهنيا لهذا الفرع قادر على نشله من أزمته والنهوض به لمصلحة المزارع والمستهلك.

لقد جاء قرار الوزير على خلفية تحقيق في الفساد الذي استشرى في المجلس في السنوات الأخيرة، وجاء قراره بعد فشله في تعيين أحد مقربيه مديراً عاماً للمجلس، وانتخاب الدكتور فتحي عبد الهادي مديراً عاماً.

الوزير يماطل في تعيين المدير المنتخب لاسباب سياسية، فمن المعروف ان الدكتور عبد الهادي هو أهم المختصين في فرع الزيتون على المستوى العالمي وليس المحلي فقط، وهو يلقى دعماً من كل مزارعي الزيتون.

لقد طرح التجمع الوطني الديمقراطي مشاكل فرع الزيتون وقام بحشد دعم لإفشال مخطط وزير الزراعة بحل مجلس الزيتون. علينا أن نكثف العمل من أجل ضمان حقوق مزارعي الزيتون مثل الدعم والإرشاد والتطوير والتعويض وتوفير آليات لرفع مستوى الانتاج وجودة الزيت وغيرها، فهذا الامر لا يهم المزارعين وحدهم بل المستهلكين ايضاً وكلنا نستهلك الزيت والزيتون وبكميات كبيرة.

لا يكفي العمل على ضمان استمرار عمل مجلس الزيتون وإجراء الإصلاحات اللازمة فيه، بل المطلوب هو الشروع في إقامة منظمة لمزارعي الزيتون تقوم بتمثيل مصالحهم والدفاع عن حقوقهم وتطوير مشاريع لتوسيع رقعة الارض المزروعة بالزيتون، ومثال حي على ذلك ما قامت به مؤسسات أهلية عربية من زرع مساحات من أراضي النقب بالزيتون. في بعض الحالات قامت قوات اسرائيلية باقتلاع هذه الاشجار لكن معظم المساحات التي زرعت بقيت ونمت وأثمرت فيها الشجرة المباركة.

تنظيم مزارعي الزيتون هو قابل للتنفيذ. وحين نزرع الزيتون علينا ايضاً أن نزرع الأمل بمواسم الخير وبمردود الزراعة. ربما نجعل من موسم الزيتون الحزين هذا العام محفزاً للعمل المشترك لمواسم أفضل. من الصعب تغيير حالة الطقس ولكن من الممكن العمل التخفيف من أضرارها.