المصالحة الوطنية مجمدة حتى إشعار آخر../ هاني المصري

لم يجد وفد لجنة الوفاق والمصالحة الذي قام بزيارة الى القاهرة، وكنت عضوا فيه، والتقى الوزير عمر سليمان، منفذا يسمح باستئناف الحوار سوى الدعوة لحوار وطني فلسطيني (لا بد ان يكون من وجهة نظري شاملا وليس ثنائيا) للتوصل الى تفسير مشترك للورقة المصرية وكيفية تطبيقها على قاعدة عدم فتحها وإضافة أية بنود أو ملاحق لها.

فالوزير المصري أكد بشكل قاطع وحازم على عدم استعداد مصر لفتح الورقة المصرية، وتغيير أي حرف فيها لأنها محصلة للحوار الوطني الثنائي والشامل على مدى الأشهر الماضية، واعتبر أن فتحها بمثابة مساس بهيبة وأمن مصر ومحاولة لليّ ذراعها، وهذا ما لن يحدث ولن تقبل به مصر على الإطلاق.

في الوقت نفسه أكد سليمان أن مصر لن تتخلى عن دورها القومي تجاه القضية الفلسطينية حتى تحقيق إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني بالتوصل الى حل يحقق الحقوق والأهداف الفلسطينية، وأضاف، أن أبواب مصر ستبقى مفتوحة أمام جميع القادة والفصائل والفعاليات الوطنية، بما فيهم حركة حماس، لمناقشة ملف المصالحة الوطنية وأية قضايا اخرى، وأنها لن تدفع باتجاه صدور قرار عربي بتحميل "حماس" مسؤولية عدم تحقيق المصالحة الوطنية، حتى لا تقطع شعرة معاوية معها، ودون التخلي عن ضرورة التوقيع على الورقة المصرية كما هي دون تعديل.

لقد لمسنا أثناء اللقاء مع الوزير سليمان أن قيادة مصر غاضبة جدا، وتشعر بالمرارة بعد اتضاح أن "حماس" لا تريد المصالحة الوطنية الآن. فحماس قدمت الذريعة وراء الاخرى للتهرب من التوقيع على الورقة المصرية بعد أن وقعت "فتح" الورقة رغم أن لديها ملاحظات عليها أكثر من "حماس"، وبعد موافقة بقية الفصائل رغم ملاحظاتها عليها، ورغم أن مصر أخذت بالكثير من مطالب "حماس" وخصوصا بالنسبة لتأجيل الانتخابات وتشكيل لجنة فصائلية بدلا عن حكومة وفاق وطني وإقرار النظام المختلط بالنسبة للانتخابات، فالمسألة لم تعد الآن مسألة نصوص، وإنما نفوس ومدى توفر الإرادة لدى "حماس" لإنجاح المصالحة.

لقد تراجعت الاحتمالات بأن توقع "حماس" الورقة دون تعديل، والتي ظهرت بعد إعلان العديد من قادة "حماس" في الضفة الغربية وقطاع غزة بأن "حماس ستوقع عليها"، وأن ما حدث "سوء فهم"، وأن"فتح الورقة سيدخلنا في عش دبابير نعرف كيف سندخل إليه ولا نعرف كيف سنخرج منه".

فبعد تصريح خالد مشعل بأن "حماس" لن توقع الورقة قبل تعديلها، تبخرت الآمال التي أشاعها عزيز الدويك وغيره من قيادة "حماس"، وانضبطت "حماس" له، فيما يدل على أن هناك قرارا قد اتخذ في "حماس"، وأنه لا رجعة عنه على الأقل على المدى المنظور، ما لم تطرأ تطورات، أو ما لم يقدم سلم لـ"حماس" لكي تنزل عن رأس الشجرة التي صعدت اليها ولم تعرف كيف تنزل حتى الآن.

لقد تذرعت "حماس" لتفسير عدم توقيعها الورقة المصرية بقرار تأجيل تقرير غولدستون، هذا الخطأ الفادح، الذي اعتبرته "حماس"، "خيانة وطنية" يوجب سحب "الشرعية والجنسية" عن الرئيس أبو مازن، فكيف ستوقع ورقة وتعقد مصالحة مع زعيم ارتكب هذه "الخيانة".

وبعد التراجع عن تأجيل إقرار تقرير غولدستون، وإقراره فعلا في المجلس العالمي لحقوق الانسان، أسقط في يد "حماس"، وأخذت تتذرع لتبرير عدم توقيعها بأن لديها ملاحظات على الورقة المصرية، وأن هذه الملاحظات ليست جديدة. وكانت قد طرحتها سابقا، وتم الأخذ بها، ولكن الورقه المصرية لم تتضمنها بما يخل بالتوازن المطلوب.

وعلى أهمية الملاحظات التي تقدمها "حماس"، والتي تتعلق بإضافة كلمات تؤكد أهمية التوافق الوطني، سواء عند تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، أو اللجنة العليا الأمنية وإضافة كلمة "ملزمة" عند الإشارة الى قرارات الإطار القيادي المؤقت الذي سيتولى تطبيق ما يتفق عليه بخصوص إصلاح وإعادة تشكيل المنظمة، إلا أنها تبقى ملاحظات شكلية تستخدمها "حماس" للتنصل من التوقيع خصوصا بعد التزام مصر عدة مرات، آخرها من قبل الوزير سليمان في لقائه وفد لجنة الوفاق والمصالحة الوطنية، بأن ملاحظات "حماس" ستؤخذ بالحسبان عند تطبيق الورقة المصرية.

وإذا أضفنا لذلك بأن الورقة لا تقدم حلا شافيا، وإنما هي المدخل المتاح لمواصلة الحوار الوطني الهادف لإنجاز المصالحة الوطنية، فهذا يدل على أن "حماس" لا تزال تراهن على الوقت والمتغيرات التي يمكن أن تأتي لصالحها قبل إتمام المصالحة، مثل إتمام صفقة تبادل الأسرى بما يجعل شروط المصالحة الوطنية لصالحها، وبما يحفظ مكانتها في النظام الفلسطيني.

إن "حماس" تخشى أن يؤدي تطبيق الورقة المصرية إلى تطبيق نقطة واحدة منها إجراء الانتخابات، لكي يتم إنهاء سيطرتها الانفرادية على غزة ونزع الشرعية عنها دون أن تضمن تحولها إلى شريك كامل في السلطة والمنظمة.

تأسيسا على ما سبق فإن إنجاح الحوار الوطني يتطلب معرفة وتلبية ما أمكن من مخاوف ومصالح "فتح" و"حماس" وبقية الفصائل والأحزاب، وبقية قطاعات الشعب الفسطيني، من خلال الحرص على التوصل الى اتفاق يجسد القواسم الوطنية المشتركة التي تجعل الجميع يخرج رابحا دون منتصر ولا مهزوم.

تأتي دعوة خالد مشعل الأخيرة لتنظيم ملتقى وطني من أجل الاتفاق على البرنامج الوطني لتبرهن على ان المسألة أكبر بكثير من مجرد ملاحظات شكلية على الورقة المصرية.
فالمسألة لا تتعلق أساسا بالورقة المصرية، وانما بحرص "حماس" على الحصول على بوليصة تأمين لدورها في المستقبل، واذا لم تحصل "حماس" على ما يضمن الحفاظ على دورها في النظام الفلسطيني، فإنها لن تكون في عجلة من أمرها بالنسبة للمصالحة.

فحماس تدرك تماما أن المصالحة الوطنية التي تضمن مشاركتها الفاعلة في السلطة والمنظمة، ليست قرارا فلسطينيا فقط، وانما هي قرار إسرائيلي وأميركي وعربي وإقليمي ودولي.

وفي هذا السياق يمكن الاستنتاج بسهولة أنه إذا لم تنضج شروط اعتراف إسرائيل وأميركا والمجتمع الدولي بحماس بحيث يقبل مشاركتها الفاعلة في السلطة والمنظمة فكيف ستقدم "حماس" على المصالحة الوطنية؟

لقد اتضحت أهمية التوافق الإسرائيلي العربي والدولي من خلال تأكيد سليمان على أن "حماس" لا تستطيع المشاركة في الحكومة الفلسطينية القادمة، ولو بوزير واحد دون أن توافق الحكومة على التزامات منظمة التحرير الفلسطينية.

إن هذا يعني أن الوحدة الوطنية على أساس برنامج وطني قادر على الإقلاع محليا وعربيا ودوليا شرط حاسم لتقليص تأثير العوامل الخارجية على الوضع الداخلي الفلسطيني ونجاح المصالحة.

كما يعني أن فوز "حماس" دون اتفاق وطني بالأغلبية في الانتخابات القادمة أو بأقلية مؤثرة، ستجد نفسها في جميع الأحوال ممنوعة من تشكيل حكومة بمفردها، ومن المشاركة في حكومة وفاق وطني، أو في حكومة وحدة وطنية، إلا إذا وافقت الحكومة التي ستشارك بها "حماس" على التزامات المنظمة وشروط الرباعية الدولية.

إن موافقة "حماس" على التزامات المنظمة، وإن بشكل غير مباشر من خلال المشاركة بحكومة تلتزم بهذه الالتزامات تعتبر بمثابة انتحار سياسي لها. فحماس إذا كانت مستعدة للاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والتقيد بالاتفاقيات، بشكل مباشر أو غير مباشر، تكون قد تخلت عن روحها وبرنامجها، ولن تكون بعد ذلك بحاجة للقاهرة أو غيرها بل تستطيع أن تذهب مباشرة إلى حكام واشنطن وتل أبيب وتعقد الصفقة معهم.

على الرغم مما تقدم ليس هناك ما يمنع من اختبار الفكرة التي طرحتها لجنة الوفاق والمصالحة الوطنية بعد لقائها بالوزير سليمان، والتي تدعو إلى بدء حوار وطني بهدف التوصل الى تفسير مشترك للورقة المصرية يساعد "حماس" على التوقيع عليها.

إن طريق المصالحة الحقيقية لا بد أن يمر بالاتفاق على مرجعية واحدة تحدد الأهداف والثوابت الوطنية وأشكال النضال الأساسية، وتعيد الاعتبار للبرنامج الوطني الذي بدونه لا يمكن إنهاء الانقسام وحالة التعددية في السلطات والبرامج ومصادر القرار. وهو وحده الذي يضع الإطار المناسب الذي يمكن أن تجري الانتخابات في سياقه.

إن الذهاب إلى الانتخابات دون توافق وطني على المرجعية والبرنامج وقواعد العمل السياسي والديمقراطي والاجتماعي صعب جدا، وإذا حدث لن يقدم حلا، وإنما يعمق الانقسام الفسطيني.

إن البرنامج الوطني الفلسطيني عليه أولا أن يجسد الأهداف والحقوق الوطنية، ويحظى ثانيا بثقة وتأييد الشعب الفلسطيني، ويكون ثالثا منسجما مع الشرعية العربية والدولية حتى يستطيع النضال الفسطيني أن يحصل على أقصى دعم ممكن.

إن من متطلبات الانتصار وإنهاء الانقسام تشكيل حكومة وفاق وطني تكون منسجمة مع الشرعية الدولية، أي تستند في برنامجها إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بعيدا عن النص مباشرة على التزامات المنظمة وشروط اللجنة الرباعية الدولية.

إن الإصرار على وضع شروط ظالمة على الحكومة الفلسطينية دون وضع أية شروط على إسرائيل ودون التزام إسرائيل بالاتفاقيات، ولا تقيدها بالالتزامات السابقة وفي وقت وصلت المفاوضات الثنائية إلى طريق مسدود مبالغة مخلة يجب الإقلاع عنها. فالقانون الدولي ينص على مبدأ التبادلية في تطبيق الاتفاقيات ويسمح لأي طرف ألا يطبق التزاماته إذا لم يلتزم الطرف الآخر بالتزاماته!!!!