بادر عدد من القناصل الاوروبيين المعتمدين في القدس إلى إطلاق صفارة الانذار عبر تقارير أرسلوها إلى دولهم في أوقات متقاربة . قالوا كلاما متشابها حول إجراءات حثيثة تتخذها “إسرائيل” لتغيير وجه القدس بصورة نهائية.
وتفيد تلك التقارير بأن عدد الفلسطينيين الذين استثنوا من الهوية المقدسية بلغ هذا العام وحده أكثر من المستثنيين خلال الاعوام الواقعة بين العام 1967 و2007 ما يعني بنظر الأوروبيين أن السلطات الصهيونية عازمة على ضمان الغلبة اليهودية في المدينة لوقت طويل تمهيدا لإخراجها من المفاوضات النهائية، وبالتالي توجيه ضربة قاصمة لحل الدولتين.
كان من الطبيعي أن تثير التقارير المذكورة هلع بعض العواصم الأوروبية، وخاصة تلك التي تعتقد بوجوب حل القضية الفلسطينية عبر المفاوضات تحت سقف القرار 242 الذي ينص على الانسحاب “الإسرائيلي” من كل الأراضي المحتلة في حرب العام 1967 ومن ضمنها القدس الشرقية.
وقد بادرت السويد رئيسة الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي إلى تقديم مشروع قرار يعلن صراحة الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المقبلة، بيد أن ضغوطاً “إسرائيلية” وأمريكية وأوروبية أدت إلى التخفيف من لهجة القرار، واعتماد صيغة أخرى تنص على أن تكون القدس عاصمة للدولتين الفلسطينية و”الإسرائيلية”، ما يعني تشطير المدينة إلى شطرين يهودي وفلسطيني.
والواضح أن الأوروبيين عازمون من خلال هذا التحرك على كبح جماح الاستراتيجية الديموغرافية الصهيونية عبر تسليط الأضواء عليها، والتلويح بكشفها أمام الملأ، وربما إدانتها وبالتالي حماية فرصة الحل التفاوضي من الانهيار، علماً بأن أوروبا تعتبر نفسها الأقرب إلى الشرق الأوسط والأكثر تعرضاً للمخاطر إذا ما تراجع التيار الفلسطيني المفاوض وتقدم التيار المقاوم.
وعلى الرغم من أهمية التحرك الأوروبي لتكبيل الاستراتيجية الديموغرافية الهجومية فإنه لا يكفي لتنشيط المفاوضات في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الذي فاز بتشكيل الوزارة الحالية واعداً ناخبيه بإفشال مشروع الدولتين والتركيز على ما يسميه “تحسين الشروط الاقتصادية للفلسطينيين”، وإذ واجه صعوبات مع خطب اوباما “الايجابية” للعالم الإسلامي ومساعيه لوقف الاستيطان، فإنه سرعان ما تغلب على تلك المصاعب وعاد بواشنطن تقريباً إلى حيث كانت في الشرق الأوسط خلال عهد بوش، وأي كلام إيجابي وإجراءات صهيونية استيطانية لا تبقي للمفاوضات النهائية شيئاً يذكر .
ومن غير المستبعد أن يتمكن نتنياهو من الالتفاف على الضغوط الأوروبية وأن يواصل استراتيجيته بطرق أخرى فهو التزم بتجميد الاستيطان لمدة عشرة أشهر دون وقف آلاف المساكن الاستباقية التي وضعت أساساتها خلال الجدل حول الاستيطان، علماً بأنه استثنى القدس الشرقية وطرح قانون الأولوية الوطنية للمستوطنين في عمق الضفة الغربية، ما يعني انه يرغب في تجاوز المستوطنات الحدودية لتصبح غير قابلة للتفاوض، وليبدأ البحث من عمق الأراضي الفلسطينية وليس من طرفها الحدودي، مع علمه التام أن السلطة الفلسطينية لن تعود إلى طاولة المفاوضات تحت هذا الشرط، وانها لا تملك الوزن الكافي ولا الخيارات الضرورية لوقف الزحف الاستيطاني ناهيك عن التصدي لتهويد عاصمة الدولة الفلسطينية المزعومة.
لا شيء يدعو للدهشة في هذه الاستراتيجية الاستيطانية المستمرة في ظل الحكومات الصهيونية المتعاقبة، ولا شيء يدعو للدهشة في مواقف الإدارات الأمريكية والأوروبية المختلفة التي كانت ومازالت تزعم أن الحل التفاوضي يجب أن يكون محصوراً بالطرفين، مع علمها التام أن المساواة بين السلطة و”إسرائيل” هي مساواة بين الجلاد والضحية، وأنها تنطوي على إطلاق يد المحتل في الأراضي الفلسطينية المنهوبة وفرض إرادته على سلطة فلسطينية ضعيفة تستمد “قوتها” من عطف حلفاء “إسرائيل” وحماتها ومموليها.
ولا شيء يدعو للدهشة في حالة الانظمة العربية التي غسلت يديها من القضية الفلسطينية تحت شعار “القرار الفلسطيني المستقل”، وانصرفت للانشغال بأوضاعها الداخلية المتوترة ونزاعاتها الحدودية ومشاكل الخلافة ناهيك عن جبهة كرة القدم الطارئة. وإن تحركت على الصعيد الاقليمي والدولي فللشكوى من إيران أو للاستعانة بتركيا.
وسط هذه الأجواء السياسية المكفهرة على كل صعيد صدر قرار الاتحاد الأوروبي الأخير، من دون أن يعد بما بعد القرار ومن دون أن يكون مؤشراً على وجهة سابقة، وهو ما يدركه تماما بنيامين نتنياهو الذي يراهن على الوقت من أجل حصر القضية الفلسطينية في غزة وإلقاء ما تبقى منها في أحضان العرب.
نعم لقد استيقظت أوروبا ليوم واحد ثم عادت إلى غفوتها والسؤال هو لماذا تستيقظ من أجل العرب وهم يغطون في سبات عميق؟
"الخليج"