الدولة المارقة والمجتمع المارق../ خالد خليل

ليس من الطبيعي بعد اثنين وستين عاما من الاحتلال أن يكون المجتمع الإسرائيلي بغالبيته الساحقة على هذا النحو الحاد من العنصرية والتطرف إلى درجة التعبير العلني عن كراهية العرب وتصنيفهم داخل قوالب، كأنماط غير قابلة للتطور الإنساني وتتصف بالدونية المطلقة.

وقد عبرت إحدى القادمات الجدد من جنوب إفريقيا عن الجوهر العنصري للمجتمع الإسرائيلي في الفيلم الوثائقي الذي صورته ونشرته مؤسسة عدالة مؤخرا، حيث قالت إن العربي بشع ومقرف ويلبس حذاء ابيض رخيصا، وقالت أنا لا أحب العرب ولن اقترب منهم. وقد شعرت بالحرج بعدما فاجأها الشبان الذين قابلوها أثناء التصوير وقالوا لها إنهم عرب، وسألوها عن وجوههم وأحذيتهم إن كانت جميلة أم لا، فأجابت بإحراج „ أنهم هكذا قالوا لها ...” فعبرت عن أسفها وهرولت مبتعدة لدرء مزيد من الإحراج. وهذه القادمة الجديدة مضى على وجودها في البلاد أربعة أشهر فقط.

استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها مؤسسات بحثية إسرائيلية تشير كلها إلى صعود حاد في مؤشر العنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه العرب. وتكفي الإشارة إلى بعض النتائج مثل أن 52% من الإسرائيليين غير مستعدين للسكن في حي تقطنه عائلة عربية واحدة، أو أن 50% من الشبان اليهود يعتقدون أنه يجب عدم منح العرب حقوقا مماثلة لحقوق اليهود في إسرائيل، وأن 56% منهم يعتقدون أنه يجب عدم السماح لهم بالترشح للكنيست، وأن 48% منهم سيرفضون إخلاء بؤر استيطانية أو مستوطنات في الضفة الغربية.

جميع معدي الاستطلاعات يؤكدون أن هذه النسب لا تعبر عن الواقع وأنها اكبر بكثير في حقيقة الأمر، إلا أن الجمهور الإسرائيلي تعلم أيضا عدم الكشف عن حقيقة موقفه كجزء من جوهره ورؤيته العنصرية. وتعلم أيضا عدم إبراز موقفه الحقيقي في العلاقات الشخصية مع العرب، خاصة وإنها علاقات بمعظمها يفرضها واقع الاحتكاك اليومي مع الجمهور العربي.

ورغم أن السياسات العنصرية الإسرائيلية ليست محل شك من حيث عنفها وشراستها ووضوحها، لم تنشأ داخل المجتمع الإسرائيلي حركة شعبية جدية تعارضها، باستثناء مجموعات صغيرة تكاد لا تكون مؤثرة، لا بل منبوذة ومتهمة بالخيانة.

ولقد باءت المراهنات على نشوء يسار إسرائيلي جديد مناهض للعنصرية بالفشل، خاصة وأن هذا اليسار المزعوم مأزوم بتمسكه غير المبرر بالحركة الصهيونية والفكر الصهيوني ولا يترك فرصة إلا ويفاخر بانتمائه إليه، من خلال عملية تزييف خطيرة لطبيعة الصهيونية واعتبارها تحمل وجها إنسانيا يعبر عنه هذا اليسار.

قد لا تخلو مواقف اليسار من مسحات نقدية للعنصرية الرسمية، لكنها تزدحم بمطالبة الضحية بالاعتدال وعدم التطرف واحترام القانون، والأهم من ذلك الاعتراف بالحقوق التاريخية ومن ضمنها حق تقرير المصير لهذه الحركة العنصرية على أرض فلسطين.

ولا يتورع هذا اليسار عن اتهام الفلسطينيين وتحميلهم المسؤولية عن تشريدهم أو على الأقل مساواتهم بالمجرم عند أي عملية مقاومة للاحتلال وتجلياته. وفي معظم الأحيان برر رموز اليسار الإسرائيلي الحروب العدوانية وتبنوا الروايات والتبريرات الرسمية لحكومتهم قبل شن العدوان وأثناءه، حتى ارتكاب مجازر كبيرة وفاضحة لا يمكن تغطيتها، فتخف نغمة التأييد وتغلف بنقد خجول على الأغلب.

كما يبدو فإن الأسس الديمقراطية المتطورة التي ترسخت في إطار ما يعرف بالديمقراطية الاثنية (لليهود فقط)، لم تنجح في خلق ثقافة ديمقراطية حقيقية- إنسانية- داخل المجتمع الإسرائيلي تمكنه من تجاوز سمة المجتمع الكولونيالي العنصري الذي يستقتل في الدفاع عن امتيازاته الناتجة عن الظلم والاستبداد والنهب والتدمير الثقافي والاجتماعي والسياسي لشعب بأسره. ومن هذه الزاوية فقط يمكن فهم النظرة العنصرية الإقصائية للآخر وتبرير وشرعنة السلوك الإسرائيلي اللا إنساني للحكومة والمجتمع في إسرائيل بما يتناقض مع أبسط القيم والحقوق المتعارف عليها عالميا.

تابعنا متعمدين في المواقع والصحف العبرية هذا الأسبوع ردود الشارع الإسرائيلي في قضية الصحفية عنات كام التي سربت معلومات أمنية من الجيش تثبت إعطاء أوامر بقتل الفلسطينيين تتعارض مع قرارات المحكمة العليا، وقد تراوحت هذه الردود حول “الخطأ التي ارتكبته المجندة الإسرائيلية وبين ضرورة أو عدم ضرورة محاكمتها” في حين لم يبد الشارع الإسرائيلي احتجاجا يذكر على سلوك الجيش والمخابرات الإجرامي وغير الأخلاقي، ولم يطالب بمحاكمة المسؤولين عن عمليات القتل غير القانونية، علما أن كثيرين طالبوا بمحاكمة المسؤولين عن الإهمال في قضية التسريب الأمني.

لقد مرت الجماهير العربية في الداخل عاما ونيف (عمر الحكومة الحالية) حافلا بتنامي وتصاعد العنصرية الشعبية والرسمية، تميز بكثافة عملية القوننة الإسرائيلية للعنصرية، مما يحتم انطلاقة جديدة في الذكرى الحالية للنكبة ينبغي أن تتجلى بمشاركة واسعة في المسيرة التقليدية المزمع إجراؤها في العشرين من الشهر الجاري هذا العام في قرية مسكة المهدمة في المثلث، إحياء للنكبة وتعبيرا عن تمردنا على القوانين العنصرية وخاصة القوانين التي تحاول وضع القيود على احتفالات النكبة أو فرض الولاء بالقوة على المواطنين العرب، إضافة إلى قرار التطهير العرقي الذي يضع تحت طائلته نحو 70 ألف فلسطيني مهددين بالتهجير القسري والفوري.

لقد حان الأوان لأن نطلق صرخة مدوية في وجه الدولة المارقة والمجتمع المارق الذي يحقق رخاءه على حساب تعاستنا.