شركات حقوق الإنسان/ نصري الصايغ

الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، ليست لكل الناس.. هي مختصة بالرجل الأبيض، ومن ينتسب إليه من الألوان البشرية المصطفاة.

اللجان الدولية والمحلية لحقوق الإنسان، تعرف ذلك وتتصرف على أساسه.. تصدر تقارير منتقاة، غب الطلب السياسي من أطراف دولية محددة.. ولدينا في لبنان والدول العربية، لجان، أشبه بشركات، أو وكلاء شركات، تتاجر بسلعة حقوق الإنسان.

تعلن هذه «الشركات» عن نفسها بمهارة المبشرين، وعقد الندوات. وتتصدّر المجتمعات، غير أنها تختفي عندما يتعلق الخرق، بدولة عظمى، أو شقيقتها المحلية إسرائيل.

شركات حقوق إنسان، تدار «بالرموت كونترول» من مصادر تمويلها. تسكت إذا كان الانتهاك أميركياً، تصمت وتلوذ بالتبرير إن كان إسرائيليا. أما إيران، فلها حساب عسير، وشيرين عبادي أيقونة غربية. (لا أقلل أبداً من شخصية عبادي، لكن، وقياساً لما يحصل في فلسطين وأفغانستان والعراق والولايات الأميركية المنتشرة في القارات الخمس، نجد أن عبادي ومن يشبهها في ظلاميتنا العربية، في وضع أفضل بكثير، من أحوال كل أطفال ويتامى وأيامى ونساء وبنات ورجال وشيوخ أهالي غزة).

حصار فائق الإجرام... و«شركات حقوق الإنسان» تصوّب سلعتها على إيران وسوريا وتركيا وتعف عن مصر والسعودية ومجاهل السجن العربي الكبير.

الفضيحة الكبرى، لهذه الشركات، قدرتها على الاختباء إبان وبعد مجزرة «قافلة الحرية»... من يجرؤ على اسرائيل؟ أوروبا وشركاتها الحقوقية العابرة للأوطان والقيم والأخلاق، طنّشت.. الغرب الديموقراطي أصيب بحمى البحث عن هوية الأتراك المقتولين، ليجد في أصولهم مبرراً لصمته. أما في لبنان، فلقد لبست هذه الجمعيات «قبع الإخفاء».

ألا تستحق حنين الزعبي من يقف ويدافع عنها من الجمعيات النسائية، العالمية والعربية؟ ألم تجد المنظمات التي تتشدق بحرية التعبير كلمة تقولها لهيلين توماس، التي تفوهت برأي، ولم تقتل أو تسحل أو تعتدي أو تصفع أحداً!

عيب!!!

أغلب الظن، أن العيب هو القانون السائد والمرعي الإجراء.. و«الأمر بالعيب والنهي عن المعروف» هو المنطق السائد حضارياً في دول الحداثة المزورة. انه منطق الدول/ القراصنة، المنتشرة في الغرب المتحضّر جداً، وفي إسرائيل الديموقراطية جداً.. والمحمية (أو الحامية؟) من قبل آل كابوني.

رامسفيلد لا يزال على قيد الحياة. تلامذته يطبقون قوله الشهير: «تحرز التقدم إذا توسلت بكلام لطيف ومسدس، أكثر مما تفعل إذا تكلمت بكلام لطيف وحسب». والكلام اللطيف، هو من صنف «حقوق الإنسان». ولهذا علق فريد زكريا في «النيوز ويك» على سياسة «شريعة الغاب» الأميركية بنصيحة: «لا يليق نهج آل كابوني بالعالم الموعود (من قبل أوباما) وهو عالم وعدت به أميركا».

بالمناسبة، لا تحتاج هيلين توماس إلى من يدافع عنها. هذه الإعلامية لم تخن مهنتها. قالت: «فليعد اليهود إلى بولندا والمانيا... فلتخرج إسرائيل من فلسطين»، ولم يكن قولها نشازاً... نحن نعرف عمق هذا القول. وكم هو حقيقي ودال على أصل المأساة.. وكم هو ملتصق بجرأتها.

هيلين توماس المرعبة، كان باستطاعتها ان تواجه أوباما: «سيدي الرئيس متى ستخرجون من أفغانستان؟ لماذا تواصلون القتل والموت هناك؟ ما هو العذر الحقيقي؟ ولا تعطنا إجابات بوش (إذا لم نذهب إلى هناك فسيأتون جميعاً إلى هنا).

هيلين هذه كانت تتجرأ على بوش: «فر مليونا عراقي من بلادهم وأصبحوا لاجئين، وتم تهجير مليونين آخرين، ولقي الآلاف مصرعهم. ألا تفهم؟ لقد أحضرت القاعدة إلى العراق».

هذه الباسلة، التي كان يتعامل معها رؤساء أميركا بخشية واحترام. فقدت كل مكانتها، عندما أسرّت إلى حاخام في حديث جانبي، بأن على إسرائيل ان تخرج من فلسطين. أين شركات الدفاع عن حرية الرأي؟

حنين الزعبي لم تفعل سوى أنها أعلنت أنها فلسطينية وبطريقة ديموقراطية وإنسانية ونبيلة وواعية وخلاّقة. ومع ذلك، فإن أكثر من مئة نائب صهيوني حاقد في الكنيست، شربوا الشمبانيا، لأنهم سيتوصلون إلى طرد هذه «الإرهابية» من الكنيست. تقول الزعبي للوران زاكيني من صحيفة لوموند: «انهم لا يريدون سماعنا. يعتبروننا غرباء، ونحن أهل الأرض. ينسون أننا كنا أكثرية عام 1948».

هذه الـ«حنين»، (دبلوم علم نفس وإعلام واتصالات) حددت نهج اسرائيل المعتمد في أنظمة «حقوق الإنسان الأبيض»، وفق القاعدة التالية: «أنه من السهل ان يطلق عليك الاسرائيلي إحدى الصفتين: خائن أو إرهابي، أنا حزت على اللقبين معاً. ويكفي فقط ان تنتقد اسرائيل، حتى تصبح عدواً وإرهابياً».

لا نأتي على ذكر حصار غزة وقافلة الحرية... لقد تعامت أنظمة «حقوق الإنسان» الشريرة عن حصار قاتل، لا إنساني، بربري، همجي، تعذيبي. وعفت القتلة من النقد والحساب وحتى من اللوم أو التنبيه.

بعد هذا العار، ولكي نصدق أي منظمة أو مجموعة عاملة في حقل حقوق الإنسان، فإن برهان صدقيتها يتأتى من إعلانها كل يوم، (كالفاتحة، والأبانا، والسلام عليكِ يا مريم) إحصاء بجرائم إسرائيل في فلسطين.

المعيار الأول للصدقية هو الموقف من اسرائيل، إدانة، والموقف من فلسطين، دفاعاً... وإذا لم يكن ذلك كذلك، فإنه من حقنا أن نتهم هؤلاء، بالعنصرية والانحياز وانتهاك حقوق الإنسان، وأن نسفه حضورهم ونحتقر ما يأتون به تبشيراً كلامياً، وتقصيراً عملياً.
"السفير"