أفكار في المونديال: بينما الحقيقي في مكان آخر../ مرزوق الحلبي

لو جاء قاطع طريق مسلّح ببندقية أو مسدّس إلى مدننا/قرانا في غفلة المونديال لاستطاع أن يحتلها في أقلّ من تسعين دقيقة. فقد شلّنا التلفزيون والشخوص المتراكضة من شاشته فلا حاجة به لرصاصة تخويف يُطلقها في الهواء من بندقيّته/مسدّسه. غريبة أطوارنا في زمن المونديال (وإجمالا فيما يتعلّق بكرة القدم) مثيرة، ليس للسخرية فحسب بل للسؤال، أيضا، وتستوجب تفكيكا بأدوات جديدة.

في مدخل إحدى قرانا تدلّى علم إيطاليا من سطح الطابق الثالث إلى أساس البناية بحيث لا يُمكننا إلا أن نراه ونرى سحنة الذي دلاّه وهي ترقب الفريق المحبّذ أو المعبود. ومثل هذا العلم غابات من الأعلام ارتفعت على سطوح بيوتنا وساحاتنا وسياراتنا كأن المونديال هنا والآن وليس في الربوع الألمانية. ومن المظاهر المرافقة، أيضا، اقتران الصخب المونديالي بتظاهرات ضاجة في الميادين والساحات حتى ساعات متأخرة من الليل مصحوبة بصواريخ نارية ملوّنة ومشكّلة وبصيحات نصر أين منها صيحات جُند صلاح الدين في انتصار حطين!

لقد تعدّى السلوك الفردي والجمعي بكثير حدود مناصرة فريق والاستمتاع بأداء آخر أو الإعجاب بنجم بحيث يُمكننا أن نستدلّ منه ونتجاوزه لفهم تيارات جوفية في وجودنا كجماعة. ويساعدنا على ذلك كون كرة القدم لعبة جماعية تمارسها مجموعة كبيرة نسبيا من اللاعبين (ليست كلعبة التنيس التي يمارسها لاعب واحد مقايل آخر) تمثّل ناديا وللنوادي تاريخها وتراثها وذاكرتها أو دولة وللدول هويتها وكيانها ومركز قوتها وتمثيلاتها. وهو ما يحصل في المونديال حيث الفرق المتنافسة هي منتخبات دول تسعى للنصر وتحقيق الفوز. وعليه، ليس من الصعب أن يتم التعامل معها بشكل إسقاطي ومن خلال التمثيلات. فنذهب بعيدا في لعبة التمثيل هذه بما ينسجم مع التمثيل والتمثيلات. كأن نرغب في أن يلتقي المنتخب الإيراني بنظيره الأمريكي ويُلحق به هزيمة نكراء، أو أن يحقق الفريق الغاني الفقير هزيمة بالفريق الألماني أو السويسري!

أو أن يصل الفريق التونسي العربي – آخرون أرادوه "المسلم"! – إلى مباريات ربع النهائي على الأقلّ. ومن هنا يقصر الطريق إلى تحويل التعامل مع المونديال على إنه مراكز قوة وعناوين للانتماء والبحث عن نصر لا يتحقق لنا في العادة بوصفنا في الجانب المقهور من الخريطة! طبعا، أمكننا أن نواصل لعبة التمثيلات فنكتشف إنها تعكس علاقاتنا الداخلية. فننتصر لفريق لأن خصمنا السياسي منتصر للفريق المنافس! وقد نموت حبا في فريق مغمور لأنه سيلتقي الفريق الذي يشجّعه أبناء الطائفة المقابلة أو الحارة المجاورة! ولأن المونديال هرمي المبنى، تصفيات يبقى فيها الفائزون حتى المراحل الأخيرة فيحصل أن تأتي تمثيلاتنا وانتماءاتنا هرمية تنتتقل من الفريق الذي خيّبنا للفريق الذي رفع رأسنا. ومن هنا فقد يتغير العلم المرفوع مرتين أو أكثر مجاراةً للمتغيرات كلما تقدّمت التصفيات.

تشكّل لعبة الأعلام هذه تعبيرات وإشارات قد تعكس الذوق الرياضي، لكنها في بُعدها الأعمق تعبّر عن إشكال هويتيّ حقيقي لجماعة مقهورة أو خاضعة لمبنى قوّة لا تستطيع التضامن أو التماثل معه فيما مراكز القوة المرشّحة للتماثل تضاءلت أو ضعفت إلى حدود نشوء أزمة وجودية يهرب منها الفرد والجماعة عبر منافذ كالمونديال أو ما شابهه. فالتمثيلات الكامنة في استخدامات الأعلام تعكس بحثا عن معنى مفقود في معنى موجود، عن نصر يعوّض عن هزيمة، عما يصلح للتماثل معه عوضا عن الشعور بأن ليس في انتمائنا ما يشرّف أو نفخر به. البحث عن البطل، عن مركز قوة نتمثّله يُعيد إلينا ثقتنا المفقودة في كل شيء ويملأ عزة النفس الفارغة فينا، هو سلوك فردي وجمعي يأتي به المقهورون والمضطهدون والذين يشعرون بأن الله تخلّى عنهم وهجر مواضعهم! ومن هنا قد يتغيّر بطلنا عدة مرات في المونديال وتتبدّل الفرق التي نناصرها حتى ضربة الجزاء الأخيرة في اللقاء الأخير!

ويقترن كل هذا ببعد استظهار الموقف والانتماء وإعلانه. وهنا تأتي الدرجة الثانية من السلوك الهويتيّ والمتمثّلة في العنف. فلا يكفي أن ينتصر الفريق هناك على الشاشة أو في استاد برلين، لا يضرّ إذا ما ترجمنا ذلك إلى شيء مشابه هنا، إلى سياقة منفلتة لسيارتنا أو هتاف جمعي لجماعتنا أو إلى إطلاق صواريخ نارية تعتبر ذروة الاحتفالات وأبهى صورها. ولن أجزر أحدا يأخذ حديث الذروة هنا إلى مواضع فرويدية أو أخرى! والهتاف هو من سمات الجماعة إذا اجتمعت على تحشيد "مع" أو "ضد"! وللجماعات المتواجدة في مكان ما والمعبّأة بشيء ما، حتى لو كان مناصرة لفريق يبعد عنا ألفا ميل وأكثر، سلوكياتها العنيفة لا سيما إذا ما اقترنت بأعلام دول وهويات وتمثيلات من "السياسي" تُسقط" على الرياضي! فلا يكفينا أن نهتف ينبغي أن نلوّح بقميصنا أو بفانيلا نزعناها في لحظة حماس لنعرض نصف الجسد العاري كجزء من استعراض الموقف. وتصير الديناميكا هنا، أي من المناصرين والهتّافين أكثر إتيانا بالغريب من حركات وسلوكيات! وهنا، أيضا، نرى المزايدات في الهتاف وفي السلوك وفي الحركات كأننا في ساحة التباهي بالمواقف السياسية والهويات. ومن هنا لن نفاجأ إذا ما شطح البعض بسلوكهم إلى منزلقات ومطبّات توقع الضرر أو الضحايا بعد أن أوقعت الخسائر في الوقت والمال وفي موجودات الحيّز العام. وقد لوحظ هذا الخراب الذي تتركه الجماعات المحتفية بالمونديال في الساحات العامة وفي النظام العام وحق الأسر بالهدوء والأمن !

ومن المفارقات إن التشيّع للفرق الرياضية في المونديال وغيره يحمل سمات التشيّع للأحزاب أو الهويات. فهناك استعداد لمناصرة فريق متدني الأداء والدفاع عنه حتى الموت! وهناك تعصّب لفريق تقادم وشاخ ولا يأتي بأي لمعة كروية! وهناك تحويل الفريق إلى هوية نشتغل بإشاراتها وأعلامها ورموزها نستظهرها نكاية بـ"هوية" أخرى مماثلة! ويكفّ الموضوع عن كونه فن كرة القدم وأداء كروي مثير وعن تألّق لاعب أو نجم، فهذه الأمور تصير غير ذات أهمية ولا هي المقصودة في بناء الموقف أو الذائقة الكروية بل ذاك السلوك الهويتيّ الذي نأتي به استنادا أو استثمارا للعبة كرة القدم. وهكذا يحدث لنا فيما يتعلّق بالأحزاب، كأن نواصل مناصرة حزب رغم فشله أو التشيّع لجهة رغم تقادم أدائها ونزولها فكرا وممارسة عن الخطّ،وكأن نواصل الهتاف للفكرة، كما طرحت، رغم إن ممارستها في الواقع أتت باتجاه مغاير كليا. هناك أيضا، نبحث عن هوية في الحزب مفقودة في الخارج، عن انتماء لمركز قوة ما في واقع يسألنا مرارا وتكرارا في اليوم الواحد عن انتمائنا ومواقفنا.

للرياضة كأي نشاط إنساني وظائف عدّة في حياة المجتمع وأفراده. وهي وظائف يتمّ اختزالها أو تركيبها أو قرانها بوظائف أنشطة أخرى مثل الاقتصاد والسياسة والتربية أو غيرها. ولا يخلو السلوك فيما يخصّ المونديال من أبعاد سياسية أبرزها أن يخوض المقهورون معاركهم على الجبهات الخطأ! فقد يأتي القهر الذي استبطنوه على شكل موجات عنف داخلية، أو استظهار استباحة الحيّز العام كتعويض عن استباحة القاهر لجسد المقهور وحقوقه وعزّة نفسه. فالتوتّر الوجودي الناجم بالضرورة عن عملية القهر يأخذ أشكالا متعددة لا سيما خوض معارك وهمية وتحقيق انتصارات وهمية وعيش تمثيلات مأمولة والاحتفاء بأحداث ومناسبات ليست لنا أصلا. ويتمّ ذلك من حين لحين بالتحرر الموهوم من كل ضابط أو قيد حتى ولو كان وجوب التزام الحفاظ على حقوق الغير أو حُرمة الحيّز العام أو موجوداته. فـ"التحرر" هنا يصير انفلاتا لا إراديا من قيود الوزن والقافية. فإذ بنا ونحن ساعون إلى العثور عن معنى، عن مرساة ومأمن، نفقد كل ما ظلّ فينا من معاني. وينحرف اهتمامنا وينزاح من محاور الحياة وهمومها الأولى إلى "الثانوي" في الوجود. وتصير معاركنا على هذا "الثانوي" قضايا حياة وموت بينما الحياة والموت الحقيقيين في مكان آخر.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018