بابل تعود../ جميل مطر*

شهدت قائمة العضوية في الأمم المتحدة سنوات طفرة كما شهدت سنوات كانت الزيادة في عدد الأعضاء تحدث متدرجة. بدأت المنظمة الدولية بعضوية 51 دولة في عام ،1945 واستمرت الزيادة فيها متدرجة بدولة أو دولتين كل عام حتى عام ،1950 حين انضمت كل من ألبانيا والنمسا وبلغاريا وكمبوديا وفنلندا والمجر وايرلندا وإيطاليا والأردن ولاوس وليبيا ونيبال والبرتغال ورومانيا وإسبانيا وسريلانكا. وعادت الزيادة إلى التدرج حتى عام ،1958 وفجأة حدثت طفرة جديدة إذ زادت العضوية خلال عامين فقط من 82 دولة إلى ،99 كانت معظم الزيادة من مستعمرات حصلت على استقلالها، وأغلبها إفريقية. وتدرجت مرة أخرى فكانت بمعدل ثلاثة أو أربعة أعضاء جدد كل عام من الدول الحديثة الاستقلال. ففي عام 1971 مثلاً انضمت أربع دول عربية خليجية هي البحرين وعمان وقطر والإمارات. ثم جاءت موجة ثانية من الدول الإفريقية وجزر في الكاريبي انضمت عامي 1975 و،1976 وهي الرأس الأخضر وجزر القمر وموزمبيق وغينيا الجديدة وسان تومي برينسيبي وسورينام.

ولم تحدث طفرة أخرى إلا بعد عام 1990 حين بدأ مسلسل انفراط الدول الأعضاء وكان على مستويين، أحدهما المستوى الامبراطوري عندما انفرط الاتحاد السوفييتي فانضمت إلى الأمم المتحدة أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وكازاخستان وقيرغستان ومولدوفا وطاجيكستان. أما المستوى الثاني فكان مستوى انفراط الدول المتعددة الأعراق والملل، على حلقات لم تنته بعد. انفرطت تشيكوسلوفاكيا إلى تشيكيا وسلوفاكيا، وانفرطت يوغسلافيا فخرجت إلى الوجود صربيا ومقدونيا وكرواتيا والبوسنة وسلوفينيا وكانت الجبل الأسود آخر ما خرج. وتجري حالياً محاولات لتتحول كوسوفو إلى دولة مستقلة بعد الانتخابات التي جرت مؤخراً وبعد أن حصلت من الاتحاد الأوروبي على وعد بالانضمام، وهو الوعد الذي يعني في الحقيقة خطوة جريئة من جانب الاتحاد، في وقت تتصاعد فيه المعارضة ضد قبول تركيا في الاتحاد بسبب “ثقافتها وخلفياتها الإسلامية”. وفي وقت، وهو الأهم، أعلنت فيه “إسرائيل” أنها ترفض استقلال كوسوفو.

كذلك انفرطت جزيرة قبرص واقعياً ورفض الغرب الاعتراف بالجزء التركي المنفصل، ولكنه منح الجزء اليوناني من الجزيرة الحق في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وانفرطت إثيوبيا حين خرجت إريتريا إلى الوجود.

ولم يتوقف مسلسل الانفراطات أو على الأقل لم تتوقف مساعي إحداث انفراطات جديدة ولم تتوقف جهود إحباط هذه المساعي. بل يكاد يتأكد أن نذر، أو بشائر، انفراطات قادمة صارت أكثر عدداً وأهمية من كل الانفراطات التي شهدها العالم منذ انطلاق مسيرة العولمة وسقوط الاتحاد السوفييتي.

فالعراق الآن مهدد بالانفراط برغبة بعض “شعوبه” أو مخطط له الانفراط بإرادة قوى خارجية، مثل الكونجرس الأمريكي و”إسرائيل” وربما بمباركة دولة عربية أو أكثر. ويقدم السودان حالة بارزة. فقد خرج السودان إلى العالم كدولة مستقلة تحمل في طياتها بذور انقسام مهدت له الحكومة البريطانية خلال مرحلة استعمارها للسودان، ولم تقم حكومات السودان المتعاقبة بجهود جادة لإحلال الانتماء للوحدة السودانية محل مشاعر الانفصال والانفراط سواء في الجنوب أو الغرب أو الشرق. ولم يمنع الانفراط منذ الاستقلال سوى خوف القوى العظمى من انتشار عدواه على امتداد القارة جنوب الصحراء، إلى جانب أن الثروات النفطية واستراتيجيات توصيلها وحمايتها وخطط الحرب ضد الإرهاب لم تكن واضحة كما هي الآن.

وفي الصومال وقع انفراط، وقامت دولة “أرض الصومال” تاركة بقية الصومال إلى أمراء حرب ودين يعيثون فيها فوضى ودماراً. وتخطو باكستان خطواتها الأخيرة نحو أحد احتمالين، احتمال الفوضى الشاملة واحتمال الانفراط إلى دويلات يحكمها التطرف، واحدة في البنجاب وواحدة في السند وعدد غير قليل من الدويلات في مقاطعات الشمال المتاخمة لأفغانستان وإيران، هذا إذا لم يسارع جناحا الطبقة الحاكمة، أي قادة العسكر وكبار ملاك الأراضي إلى التوصل إلى تفاهم ووفاق، فبالوفاق بينهما قامت باكستان وبتفاهمهما استمرت وبينهما تتوزع خيرات البلاد ومصادر النفوذ والقوة. وفي كل الحالات لن تترك أمريكا السلاح النووي الباكستاني في أيدي من لا تأمن إليهم ولو استدعى الأمر غزواً شاملاً من قوات الناتو.

وفي لبنان وبلجيكا يقف شبح الانفراط جاثماً، أما الأسباب فيتشابه بعضها ويختلف البعض الآخر، ففي الحالتين وقعت تطورات اقتصادية واجتماعية ألقت بظلالها على خريطة توزيع الثروة والسكان، وتختلف الحالتان بالنسبة للدور الخارجي، ففي لبنان تقوم بعض القوى الخارجية بدور مشهود في دفع البلاد نحو انفراط من نوع خاص وتقوم قوى أخرى بجهود متباينة التأثير في إنقاذ البلاد من الانفراط، وفي الحالة البلجيكية يكاد لا يوجد العنصر الخارجي باستثناء ما يمارسه الاتحاد الأوروبي من نفوذ معنوي في مصلحة بقاء الحال بين عنصري الأمة على ما هي عليه. وفي فلسطين، يبدو أن قادتها وبقية قادة العرب بدأوا يتعودون على فكرة احتمال انفراط فلسطين كبديل لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة. لم يعد خافياً، للأسف، أمل بعض الفصائل الفلسطينية، فصائل ما كان يسمى الثورة الفلسطينية، أن يكون لكل منها دولته أو كيانه السياسي المستقل، يكون له جيش بموازنة ولكن من دون أسلحة وحكومة بموازنة ولكن من دون مؤسسات ودبلوماسية بموازنة ولكن من دون سياسة خارجية وهويات دينية من دون مقدسات وطنية.

وفي مواقع أخرى كثيرة في الشرق الأوسط جدل لا يهدأ عن أقليات تنتفض أو تصحو، وعن أشباح تقسيم تثير خوفاً وتنشر حقداً لدى أطراف وتنعش أملاً وتجدد انتماء لدى أطراف أخرى. حتى في اليمن سمعنا عن قبائل تهدد بالانفصال إذا لم تستجب صنعاء أو شركات النفط إلى مطالبها، وعن أصوات في جنوب اليمن تطالب بالعودة إلى التقسيم. وعن سوريا تعددت التلميحات في شكل إنذارات وأحياناً في شكل إرشادات إلى أن المصير، إن لم ترتدع، هو الانفراط. هنا أيضاً، يعتمد المراقب في توقعاته على التعقيد المتناهي لتفاصيل خريطة الأعراق والمذاهب والطوائف في سوريا، كتفسير محتمل لتردد القوى الساعية للانفراط إزاء تكثيف جهودها ضد وحدة سوريا. وسيبقى السؤال المطروح لدى القوى الداعية للانفراط، ماذا يضمن ألا يؤدي انفراط سوريا إلى ظهور كيانات شديدة التطرف والعنف يصعب توجيهها أو التعامل معها؟

تثير هذه التصورات أسئلة مهمة، أولها وأكثرها أهمية سؤال يتعلق بمصير مفهوم الدولة في القرن الجديد، وما إذا كان الفكر السياسي الغربي يتطور أو يتدهور في اتجاه مفهوم جديد للدولة محل فكرة “الدولة الأمة” أو في اتجاه مفاهيم متعددة، مثل أن يكون هناك إلى جانب مفهوم “الدولة الأمة”، مفهوم “الدولة الديانة” أي دولة تقوم على أساس الوحدة الدينية، ومفهوم “الدولة المذهب”، وهو التوجه القائم فعلاً في مشروع تقسيم العراق إلى دولة سنية ودولة شيعية ودولة ثالثة على أساس عرقي وهي دولة الأكراد. هناك أيضاً مفهوم “الدولة الفصيل”، كما يبدو التوجه في فلسطين ومفهوم “الدولة القبيلة” وخاصة بعد أن استقرت تجربته في بعض الدول الإفريقية والعربية. والمؤكد في كل الأحوال أن هناك قابلية أكبر في الفكر السياسي الغربي للتخلي عن تجربة الدولة المتعددة القوميات والدولة متعددة القبائل والدولة متعددة الأديان أو المذاهب.

يبدو أنه يوجد من يفكر في ضرورة رسم خريطة العالم السياسية من جديد لاستعادة كامل الهيمنة الغربية وبحجة منع قيام دول فاشلة أو مارقة ودول تهدد بعدم استقرارها الداخلي الاستقرار الإقليمي والاستقرار الدولي. فالدولة التي يخشى على أمن جيرانها والأمن العالمي والإقليمي من عواقب ضعفها نتيجة استمرار صراعات الأقليات فيها أو لصعوبة استجابتها لرغبات أغلبياتها وأقلياتها وضمان حقوقها، قد يكون الأفضل لها ولغيرها انفراطها دولاً متعددة كل منها بشعب واحد لا تعكر صفاء وحدته، قدر الإمكان، أقلية أو أخرى.

عندئذ تكون البشرية أقرب ما تكون لأن تفقد إحدى أهم تجاربها، وهي تجربة العيش في ظل مجتمعات متعددة الأعراق ومتنوعة المذاهب والأديان. وفي هذه الحالة، يكون ما أوحى به صامويل هنتنجتون إلى صانعي السياسة والقرار في الغرب يواصل ترجمته واقعاً على الأرض، وهي الحالة التي تصير عندها الثقافة اليهودية المسيحية المرجعية الوحيدة للدولة الحديثة في الغرب ويبقى ما عداها من ثقافات مرجعيات لدول طائفية أو مذهبية أو عرقية أو لأقليات لا حول لها ولا قوة في ظل هيمنة ثقافة مهيمنة، أو ثقافة أوحد.
"الخليج"