31/10/2010 - 11:02

بما يخصّ الحال الحزبية العربية../ ماجد كيالي

بما يخصّ الحال الحزبية العربية../ ماجد كيالي
منذ عشرينيات القرن الماضي، فقط، وبسبب الاحتكاك بالسياسية الغربية (بشكل مباشر أو غير مباشر)، بدأت التجربة الحزبية تشقّ طريقها نحو الظهور، في الحياة السياسية الوليدة، في البلدان العربية.

لكن هذه التجربة واجهت منذ البداية صعوبات وتعقيدات جمّة، بحكم عوامل عديدة ضمنها: سيادة البني المجتمعية القديمة المتمحورة حول انتماءات عشائرية ومذهبية وطائفية واثنية ومناطقية، وغياب تقاليد الدولة والمواطنة (بحكم الخضوع للسيطرة العثمانية حقبة طويلة من الزمن)، وبعدها الخضوع لسلطات الانتداب الاستعمارية. وفي حينه كانت المجتمعات العربية ذات طابع ريفي، على الأغلب، حيث كانت المدن في بداية نموها، وكانت نسبة الأمية عالية جدا، لاسيما في الأرياف، أما النخب المدينية المتعلمة فكانت بالكاد تتلمس ملامحها.

وكما أن الاحتكاك بالغرب (بالسلب وبالإيجاب) أسهم في انفتاح العرب على التعليم الحديث وعلى منجزات العلوم والتكنولوجيا، وأسهم في تمكينهم من الاستفادة من هذه المنجزات، في الاقتصاد والمعاش، فإن هذا الاحتكاك كان له أكبر الأثر، أيضا، في تعرّف العرب على أيدلوجيات الغرب، القومية والشيوعية والرأسمالية والليبرالية والعلمانية، وغير ذلك من مناهج العلوم الإنسانية. وبديهي، فقد تعرف العرب، فوق كل ما تقدم، على نظام الدولة، وأنظمة الحكم، وأشكال الحياة السياسية، وضمن ذلك تعرفوا أيضا على التجارب الحزبية (والمنظمات النقابية والمهنية).

هكذا، نشأت الأحزاب العربية محاولة استلهام تجربة الغرب، في هذا المجال، لكن العرب تعاملوا مع المفاهيم والأيدلوجيات، وتاليا لذلك التجارب السياسية والحزبية، بشكل سلبي، على غرار تعاملهم مع الأدوات التكنولوجية التي يستوردونها من الخارج، أي من دون السعي لتفهم مبادئها، وهضم عملياتها، وتمثل نتائجها.

أيضا، فقد قامت التجربة الحزبية العربية أساسا في المدن، أي بين النخب المدينية، بحيث إنها حكمت منذ البداية بتغرّبها عن المجتمعات التي تعمل بين ظهرانيها، وهي مجتمعات ريفية، وأمية، على الأغلب، كما قدمنا.

فوق هذا وذاك، فقد تمحورت التجربة الحزبية العربية في غالبتها من حول قيادات فردية، أو عائلية، في حين إنها في الغرب كانت تتمحور من حول الطبقات الوسطى، ومحورها المثقفين الإصلاحيين والتنويريين والثوريين، على اختلاف عقائدهم ومناهجهم وطرائقهم؛ هكذا كان الأمر في الثورات البرجوازية، التي أطاحت سلطات الإقطاع والكنيسة والملكية، بهذه الطريقة أو تلك، في الدول الأوروبية؛ وكذا الأمر في الثورة البلشفية في روسيا (على ميزاتها الخاصة).

ويمكن أن نضيف إلى كل ما سبق، ناحية تأسيسية على غاية الأهمية، وهي أن مؤسسي الأحزاب العربية لم يدركوا، وقتها، بأن الحالة الحزبية ليست مجرد حالة سياسية شكلية، وإنما هي انعكاس للتطور الاجتماعي والثقافي والسياسي في بلدانها، بمعنى التحول من الانتماءات القديمة إلى الانتماءات الحديثة/الوطنية. أي أن الحالة الحزبية، بمعنى آخر، هي تعبير عن الوصول إلى حال الاجتماع السياسي، لمجموع المواطنين الأحرار، الذين يعوا ذواتهم، كأفراد وكمجتمع في وطن، ودولة. وهذا يقودنا إلى ضعف المبنى الليبرالي في التفكير السياسي العربي، الذي بدونه من الصعب الحديث عن أفراد أحرار، وعن مواطنين متساوين في دولة مؤسسات وقانون؛ وهنا أيضا فقد تم الأخذ بالبعد الاقتصادي لليبرالية، وتم استثناء بعدها السياسي، القائم على المواطنة والحريات الشخصية، التي تؤسس لمجتمع سياسي.

وفي حيز الممارسة السياسية، وبحكم العوامل التي تحدثنا عنها، فإن قلة من الأحزاب العربية، فقط، استطاعت أن تتحول إلى قوة فاعلة، في النصف الأول من القرن الماضي (مثلا، حزب الوفد في مصر والحزب الدستوري في تونس). أما بعد حصول البلدان العربية على استقلالها فقد أسهمت مؤسسة الجيش، التي كانت الأحدث والأقوى (تنظيما وعددا وعدة) بين مؤسسات الدولة الناشئة، في تقوية بعض الأحزاب في عديد من البلدان العربية، وتهميش غيرها. وفي تلك الفترة ظهرت أيضا الأحزاب الواحدية، التي تحتكر السلطة، وتمنع الأحزاب، أو تقيد حدود نشاطاتها.

وبديهي فإن تعثر مسار الحداثة والدولة في البلدان العربية، والقيود على الحريات والحياة الديمقراطية والمشاركة السياسية، والتوتر في المجال الهوياتي (بين الانتماءات القديمة والحديثة) كما بين الهوية الوطنية والقومية، أسهمت كلها بتأخر، بل وبتشوّه، الحياة الحزبية في البلدان العربية.

لكن معضلة هذه التجربة، تكمن، إضافة إلى ما تقدم، في حيز الممارسة السياسية. ذلك أن معظم الأحزاب الناشئة كانت تضع مسائل السلطة والوحدة والاشتراكية والتحرير على رأس سلم أعمالها. أي أنها كانت تهتم بالقضايا العامة والكبيرة، دون الاهتمام بأحوال الناس والمجتمعات، وهم موضوع السياسية وغايتها.

هكذا، ثمة أحزاب قومية، جعلت من الوحدة هدفا لها (ولاشيء قبل الوحدة)، وهي في النتيجة لم تستطع لا إقامة الوحدة القومية، ولا حتى الإسهام في تعزيز الوحدة المجتمعية على الصعيد "القطري". أما الأحزاب الشيوعية فبقيت مجرد أحزاب نخبوية، مدينية، ولم تتحول إلى أحزاب للطبقة العاملة، في واقع ريفي من الأصل، عدا عن الصعوبة التي لاقتها في توطين أيدلوجيتها؛ مع إنها مثلت حالة أرقى في التجربة الحزبية العربية، بين مثيلاتها. وثمة أحزاب وطنية/"قطرية"، ومعظمها استطاع الاستمرار بفضل قربه، أو بسبب من اتكائه على مؤسسة الجيش.

بالنتيجة فإن هذه الأحزاب لم تعمد مرة إلى مراجعة تجربتها في العمل السياسي، والإجابة على أسباب تآكل دورها وانحسار نفوذها في مجتمعاتها. كذلك لم تستطع الحياة الحزبية العربية أن تطور ذاتها، ومراجعة مناهجها.

ومن ذلك كله فإن المجتمعات العربية أحوج ما تكون اليوم إلى أحزاب معنية بالقضايا المحسوسة، أو بالقضايا "الصغرى". أي أنها بحاجة إلى أحزاب معنية بالنهوض بالتعليم، والصحة، واحترام النظام العام، والمساواة أمام القانون، وضمان الحريات الفردية، ومكافحة الفساد، والحفاظ على الثروة الوطنية، وتنمية الموارد البشرية، والتشجيع على البحث والعلوم، وغيرها من مقومات النهوض بالأفراد والمجتمعات، التي بدونها لا يمكن الحديث عن التصدي لمهمات أو تحديات "كبرى"، سواء كانت داخلية أو خارجية.

كذلك فعلى المستوى العربي كم هي الحاجة لوجود قوى حزبية ضاغطة من أجل توحيد مناهج التعليم، والدساتير، والقوانين، ووسائل المواصلات والاتصالات، ورفع القيود عن التنقل (على غرار دعه يعمل دعه يمر!) وصولا إلى التكامل في كل مجالات البني التحتية، بدل الانشغال بالمهرجانات والبيانات والشعارات.

ويتضح من كل ذلك أن التجربة الحزبية في الحياة السياسية العربية هي في الواقع جد ضعيفة وهامشية (مع الاحترام والتقدير لكل التضحيات التي قدمت في سبيلها)، وأنها لم تتحول إلى حالة مجتمعية، برغم مرور حوالي قرن على قيامها!

لذا، ربما، آن الأوان لتحول الحركة الحزبية العربية نحو الاهتمام بقضايا المجتمعات وأحوال الناس، بعد أن استهلكت نفسها بالقضايا "الكبرى"، لتعزيز شرعيتها وتوطين نفسها في مجتمعاتها، في ظل السلطات القائمة، وعلى الرغم منها.