31/10/2010 - 11:02

تركيا تربح «المعركة الدبلوماسية» مع إسرائيل/ مصطفى اللباد

تركيا تربح «المعركة الدبلوماسية» مع إسرائيل/ مصطفى اللباد
خسرت إسرائيل أهم معاركها الدبلوماسية منذ انتهاء الحرب الباردة بعد أن اضطرت إلى تقديم اعتذارها إلى القوة الإقليمية البازغة تركيا، فى خطوة تتجاوز بكثير مجرد حادثة دبلوماسية عارضة لتصل فى معناها الأعمق إلى حد زعزعة الأفكار المستقرة التى روجتها إسرائيل عن نفسها فى المخيلة الاستراتيجية الأمريكية طيلة العقود الماضية. وبالإضافة إلى هذه النتيجة الخطيرة فقد كشفت المعركة الدبلوماسية الأخيرة مع تركيا افتقار وزارة الخارجية الإسرائيلية بقيادة أفيجدور ليبرمان ونائبه دانى أيالون ليس فقط إلى الكياسة واللياقة الدبلوماسية فهذا أمر كان معلوماً منذ سنوات، ولكن أيضاً الدراية بالتوازنات الاستراتيجية الأعمق فى المنطقة ووضع إسرائيل منها. أظهرت المعركة الدبلوماسية الأخيرة حجم المأزق الذى تعيشه تل أبيب منذ بروز الدور الإقليمى لتركيا، بالرغم من كون إسرائيل الدولة الوحيدة فى المنطقة التى تملك الأسلحة النووية.

بدأت المعركة الدبلوماسية الخاسرة إسرائيلياً عند قيام وزير الخارجية دانى أيالون باستدعاء السفير التركى فى تل أبيب أحمد أوجوز شليكول؛ احتجاجاً على مسلسل تليفزيونى تركى اعتبرته إسرائيل مسيئاً لها. وجسدت طريقة المعاملة غير اللائقة للسفير التركى شعوراً متنامياً لدى إسرائيل بعدم الرضا من السياسة التركية الجديدة فى المنطقة ومساحات التأثير المتعاظمة التى تمتلكها تركيا فيها، وإن كان المسلسل التليفزيونى هو الحجة التى تم استخدامها للاعتراض. وإذ تعمد أيالون عدم مصافحة السفير التركى أمام الكاميرات، فإنه أمعن فى عدم اللياقة عندما أجلس شليكول فى مقعد أدنى مستوى من مقعده. وبدا أيالون مرتاحاً أمام عدسات التليفزيون التى نقلت اللقاء فى حين جلس السفير التركى وأمامه طاولة وضع عليها العلم الإسرائيلى فقط، علماً منه أن هذه الخطوة سوف تغازل شرائح اليمين الصهيونى المتطرف وتدعم حظوظ حزب ليبرمان اليمينى داخل الائتلاف الحاكم. ولكن تركيا ردت فى شكل قوى مشترطة اعتذاراً رسمياً عن معاملة سفيرها غير اللائقة، بل وأمهلت تل أبيب يوماً واحداً، وإلا فإنها ستقوم بسحب سفيرها من هناك. بالطبع لم يتأخر الاعتذار الإسرائيلى عن الموعد الذى حددته تركيا بضغوط من بيريز وباراك ونتنياهو، فالدولة العبرية لا تستطيع رؤية علاقاتها مع تركيا وهى تنهار، وإلا فقدت أحد المرتكزات الأساسية لسياستها الإقليمية. ولم تكتف تركيا بذلك الاعتذار بل إن الرئيس عبدالله جول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان رفضا لقاء إيهود باراك أثناء زيارته الرسمية الأخيرة إلى تركيا، فى خطوة أرادت تركيا منها أن تظهر قدرتها على اتخاذ إجراءات تصعيدية أكثر حيال إسرائيل فى المستقبل إذا اقتضت الضرورة ذلك.

كانت تركيا الدولة الأولى فى المنطقة التى تعترف بوجود إسرائيل، ويبلغ حجم التبادل التجارى الحالى بين البلدين 10 مليارات دولار سنوياً، وهو مستوى غير موجود فى التبادلات الاقتصادية بين دول المنطقة. كلا البلدين حليف أساسى للولايات المتحدة الأمريكية لعقود طويلة خلت، كلاهما له أوثق الروابط العسكرية والاستراتيجية مع واشنطن، وكلاهما يملك اقتصاداً متطوراً مقارنة بباقى دول المنطقة فضلاً عن إمكانية التناوب الديمقراطى على السلطة. إلى هنا تنتهى التشابهات بين الطرفين، وتبدأ مقارنات لا ينتهى أى منها فى صالح إسرائيل. تملك تركيا حضوراً جغرافياً يفوق بما لا يقاس فى أهميته كل المزايا الجغرافية التى تملكها إسرائيل سواء من حيث الحجم، أو من حيث الإطلالة البحرية أو لجهة الأهمية الجيوبوليتيكية. كما تحظى تركيا بكتلة بشرية ضخمة تتجاوز السبعين مليوناً من السكان فى مقابل خمسة ملايين على الجانب الآخر، وتتمتع تركيا بروابط ثقافية تاريخية متميزة مع جوارها الجغرافى فى الشرق الأوسط وقبولاً واسعاً بزعامتها الإقليمية، فى حين لا تملك إسرائيل روابط ثقافية وتاريخية مع دول المنطقة، ناهيك عن عدم قبولها كدولة أصلاً من الغالبية الكاسحة لشعوب المنطقة بسبب استمرار احتلالها للأراضى العربية وبسبب مظلومية الشعب الفلسطيني. مازالت تركيا الحليف الاستراتيجى الأهم لتل أبيب فى المنطقة، سواء على الصعيد العسكرى أو على الصعيد الاقتصادي، ولكن إذا انكسر التحالف بين البلدين وتحركت تركيا أكثر فأكثر إلى مواقف أقرب إلى مواقف الدول العربية، فسوف تتغير صورة التوازنات الراهنة فى المنطقة لغير صالح إسرائيل على المدى البعيد.

استغلق على أيالون وليبرمان أن يفهمها مسألة مفتاحية تتلخص فى أن تخفيض مستوى علاقات تركيا مع إسرائيل من جراء المعركة الدبلوماسية الأخيرة كان لن يضر تركيا كثيراً إن حدث، بل ربما كان سينفعها داخلياً عبر تجسير الفجوة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم ومعارضيه العلمانيين، إذ كلاهما يصطف خلف المصالح الوطنية التركية. كما أن تخفيض مستوى هذه العلاقات لن يضر تركيا إقليمياً، بل كان سيزيد من قبولها زعيماً إقليمياً فى المنطقة. كانت رسالة أنقرة إلى تل أبيب واضحة وحازمة: إسرائيل تحتاج إلى تركيا أكثر بكثير مما تحتاج تركيا إلى إسرائيل!. لا تستطيع إسرائيل أن تربح عداوة إيران وتركيا معاً، لأن ذلك سينسف البقية الباقية من "نظرية المحيط". وتقضى هذه النظرية بأنه يتوجب على الدولة العبرية مد جسور الصداقة مع الدول غير العربية المحيطة والتحالف معها، وصولاً إلى الضغط من الجوار الجغرافى على الدول العربية، وهو ما حدث طيلة الخمسينيات والستينيات وكان واضحاً أن هذه الدول هى إيران وتركيا وإثيوبيا. ولأن إيران لم تعد كذلك منذ انتصار ثورتها عام 1979 بل إنها أصبحت منافساً إقليمياً شرساً لتل أبيب، فمن شأن خروج تركيا من المعادلة أيضاً أن تتحول دول المحيط من ضاغط على الدول العربية ومشتت لانتباهها إلى فاعل فى تهميش وعزلة الدولة العبرية على المدى القصير وإلى تهديد استراتيجى على المدى البعيد.

تصعد تركيا بثقة فى معارج الزعامة الإقليمية وتحرز نقاطا متواصلة على ساحات المنطقة، ويترافق ذلك مع صعود دراماتيكى فى المكانة لدى المخيلة الاستراتيجية الأمريكية. ارتقت تركيا نوعياً من حليف عسكرى لواشنطن يمنع موسكو من الوصول إلى المياه الدافئة فى البحر المتوسط، وهو دور برعت فيه تركيا منذ تأسيس جمهوريتها عام 1923 وحتى الآن، إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن فى معركتها الكونية الكبرى فى الأوراسيا ومعركتها المصيرية فى الشرق الأوسط. تتعزز شراكة أنقرة وواشنطن فيما يخص الشرق الأوسط عبر ثلاثة محاور: الأول تسهيل الانسحاب الأمريكى القادم من العراق وضمان ألا يتحول إلى قاعدة ارتكاز ضد المصالح الأمريكية فى المنطقة، والثانى إدماج سوريا فى حراك إقليمى مناسب للمصالح الأمريكية وليس فى الاستقطاب الحالى مع المحور الذى تقوده إيران، والثالث لأن تركيا هى الطرف الوحيد الذى يمكن الاعتماد عليه عند الشروع فى احتواء إيران. هكذا يمكن تشبيه دور تركيا بورقة الجوكر فى لعبة التوازنات الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة. أما إسرائيل، وبغض النظر عن مجموعات الضغط التى تملكها داخل الإدارة الأمريكية، فإن قدرتها على خدمة المصالح الأمريكية فى المنطقة فى هذه القضايا تقل بأشواط عما تملكه تركيا من إمكانات.

الجغرافيا ليست فى صالح إسرائيل وأسلحتها النووية ليست كافية لإثبات الحضور الإقليمي، وعند عقد المقارنة وإجراء المقايسة مع تركيا فإن قيمة إسرائيل الاستراتيجية فى المخيلة الأمريكية لا ترقى إلى مثيلتها التركية، لأن تركيا تملك من الإمكانات الجغرافية والتاريخية وهوامش التأثير ما لا تملكه إسرائيل ولا تستطيع امتلاكه حتي. وفى حال تصادم الطرفان التركى والإسرائيلى وهو ما كادت تصرفات نائب وزير الخارجية الإسرائيلى أيالون أن تتسبب بحدوثه، فمن غير المضمون أن يكون لذلك عواقب وخيمة أمريكياً على تركيا نظراً للاحتياج الأمريكى الشديد لها. هنا النتيجة الأخطر للمعركة الدبلوماسية التى خسرتها إسرائيل فى الأيام الماضية، لأن مكانة إسرائيل الاستثنائية فى دوائر الاستراتيجية الأمريكية العليا لم تعد كذلك، على الأقل منذ عودة تركيا إلى الشرق الأوسط وصعودها الإقليمى الباهر فى السنتين الأخيرتين.

تملك تركيا مزايا (جغرافية وتاريخية وثقافية وقبولاً إقليمياً) لا تملكها الدولة العبرية، ولا يتصور حتى أن تملكها فى المدى المنظور والمتوسط. وتزداد مشكلة إسرائيل تفاقماً عند ملاحظة أنها لا تملك الوسائل اللازمة للتأثير على خيارات تركيا الاستراتيجية، فى حين تملك تركيا هذا التأثير على الدولة العبرية بسبب اعتماد الأخيرة على تركيا كحليف رئيسى فى المنطقة. المغزى الأهم للمعركة الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب يتلخص فى فهم تركيا العميق لمحدودية القوة الاستراتيجية الشاملة لإسرائيل، وأن هذا الفهم والدور المحورى الذى تلعبه تركيا فى الاستراتيجية الأمريكية قد مكنا أنقرة من الاصطدام بتل أبيب والخروج منتصرة بالفعل حتى دون إطلاق رصاصة واحدة!.


" العربي القاهرية"