تفكيك العقل الوطني في الثقافة والمجتمع../ أحمد الخميسي

للدكتور عبد المحسن صالح كتاب صغير اسمه " ما هو الموت؟". يقص فيه تجربة أجراها العلماء على كلب لمعرفة "ما هو الموت". يقول إنهم فصلوا كل أعضاء الكلب عن جسمه، واحتفظوا خلال ذلك فقط برأسه حيا منزوعا من البدن. وحين قاموا عبر الأنابيب بضخ المحاليل والدماء إلي الرأس فتح الكلب عينيه، وتعرف إلي صوت صاحبه وأخذ يلعق يديه.

الموت إذن موت العقل الذي يصون الوعي والذكريات والإرادة. وقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تمزيق الأرض العربية بقنابلها العنقودية وصواريخها وبسطت هيمنتها السياسية والاقتصادية على بلدان كثيرة دون طلقة رصاص، لكن الحياة لا تفارق " العقل " الذي مازال قادرا على التعرف إلي صوت بلاده.

وفي سبيل " تحرير " الثقافة العربية – على طريقة " تحرير العراق " تكثف أمريكا هجومها بخطاب فكري دعائي، وبرنامج متكامل ينشط على مستويين متضافرين سياسيا وثقافيا، بهدف تدمير مخزون العداء الشعبي للسياسة الأمريكية الذي يمثل عندنا أكثر من ثلاثة أرباع الاحتياطي العالمي من هذا الشعور، وإغلاق عيني ذلك العقل الذي يرى أن هناك: " أشياء لا تشترى ".

ويخفي الخطاب الأمريكي السياسي خطابا آخر ثقافيا وبرنامجا لـ "تحرير " الثقافة العربية،البرنامج الذي ترصد له الأجهزة الأمريكية ملايين الدولارات علنا، ويصرح كولن باول وزير الخارجية الأمريكية بشأنه بأنه: " برنامج إشاعة الديمقراطية بخمسة وعشرين مليون دولار ". هذا البرنامج، وهذه الأموال، تنشئ معها جماعات ومنظمات لا تنتهي لخلق وترويج الخطاب الثقافي الأمريكي الذي ينطلق من الديمقراطية ( وفق المفهوم الأمريكي تحديدا ) ليستبدلها بالتحرر الوطني والقومي.

والديمقراطية هنا تبدو مطلبا بحد ذاتها منفصلا عن مستلزمات التحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والوطني. وهم يعنون بهذه الديمقراطية شيئا واحدا: الليبرالية البرلمانية وحرية الصحافة والتعددية الحزبية والحق الانتخابي وحريات الأفراد. إنه ذلك النمط من الديمقراطية الذي ينثرونه على النخبة من مثقفي البلدان المحتلة وشبه المستعمرة لكي تشكل فئة خاصة داخل بلادها ذات امتيازات، منفصلة عن همومها الرئيسية.

والديمقراطية هنا بكل أدواتها ومؤسساتها السابقة ليست سلاحا لتفعيل عمل القوى الوطنية لمواجهة الاحتلال من أجل التحرر. فالخلاف لا يدور بشأن أهمية حرية الصحافة، وحقوق الإنسان، والتعددية الحزبية، لكن الخلاف يبدأ بعد ذلك مع التساؤل المشروع بشأن: اتجاه تلك العملية ووظيفتها وأهدافها التي لابد أن تتسق مع المطلب العام للتحرر.

والسؤال هو: هل ثمة ديمقراطية في ظل الاحتلال؟ أليس الاحتلال أعنف انتهاك للديمقراطية؟ فإذا كنا نريد حقا انتزاع الديمقراطية فلم لا نواجه أفظع أشكال قهر الديمقراطية.. أي الاستعمار؟ إن الباحثين عن الديمقراطية حقا، عليهم أن يمدوا بحثهم هذا، إلي البحث عن علاقة الديمقراطية بالتحرر الوطني ومواجهة الاحتلال، وأن يفتشوا أيضا فيما يقصدونه بالديمقراطية: هل هي الأدوات والمفاهيم التي تساعد على تحرير الوطن؟ أم أنها ذات الأدوات والمؤسسات لكن عملها هذه المرة هو سحق الديمقراطية بمضمونها الاجتماعي والاقتصادي والقومي الحقيقي.

ينطلق الخطاب الثقافي الأمريكي لـ "تحرير " الثقافة العربية من أن الديمقراطية بحد ذاتها مكسب تاريخي ضخم وأن واجب المثقفين كان ولا زال التصدي للطغيان. إلا أن الأمر المدهش هنا أن واجب المثقفين هذا ينتفي تماما إذا كان الطغيان مجسدا في أنظمة صديقة لأمريكا، أو في شخص الدولة الأمريكية ذاتها. ولهذا نلحظ أن الذين صبوا نيرانهم على إدانة الطابع الفاشي للنظام العراقي السابق، غضوا النظر تماما عن أن تلك الإدانة – إذا مدت على استقامتها - كانت تستدعي إدانة السياسة الأمريكية إجمالا بذات التهمة، وهي التي قدمت الدعم للنظام العراقي في كل خطوة ومكنته من سحل المعارضة السياسية داخل بلاده لأكثر من ربع القرن. لكن دعاة الخطاب الثقافي الأمريكي اكتفوا بمحاربة الطغيان في أوراقه العراقية فحسب، دون أن يتجرأوا على جذوره الأمريكية التي ارتوت منها تلك الأوراق.

الديمقراطية هنا منفصلة، ولا يجب أن تقترب، أو تتقاطع مع قضية التحرر، وهذا ما دفع مجموعة من المثقفين للقول في بيان لهم صدر أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق بأن: " انتزاع الديمقراطية مفتاح لمهمتنا التاريخية في التغيير الاجتماعي والحداثي "! دون الإشارة بحرف لمهانة الاحتلال الجاثم على صدر العراق. من هذا المنطلق ذاته كتب الأديب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه في جريدة الأهرام يقول : " لقد علمنا الطغيان أن نحتفل بهزيمة جيشنا" ! وتبلور هذه العبارة تلك النظرة التي تستحسن وتفضل طغيان الاحتلال على الطغيان المحلي إلي درجة الاحتفال بسحق القوات الغازية للجيش العراقي! علما بأن تجزئة الطغيان أمر مستحيل، لأن من يرفضون الاستبداد القومي لابد لهم من باب أولى أن يرفضوا استبداد المستعمرين والغزاة.

النظرة التي تعزل الديمقراطية عن الوطنية، هي التي مكنت الطابور الخامس من منظمات حقوق الإنسان الممولة من استبدال حقوق الإنسان الجزئية في أقسام الشرطة بحقوق الأوطان الكلية، بحيث غدا حق الفرد المنتهك في قسم الشرطة هو القضية الرئيسية، وليس حقوق المواطنين جميعا المنتهكة بالاحتلال، والأساطيل الأمريكية في مياه الخليج، والهيمنة على أسواق المنطقة، وإجبار الجميع على ابتلاع مرارة الوجود الإسرائيلي.

منظمات الطابور الخامس جعلت من أضرار الختان في الشرق العربي الموضوع الأول. وإذا كان الدفاع عن حقوق الأفراد والأقليات أمرا مشروعا وضروريا، فلا بد لكي يكون ذلك الدفاع حقيقيا أن يمتد بموقفه إلي نهايته الطبيعية: أي الدفاع عن حقوق الوطن في مجمله في مواجهة الاستعمار. لكن تلك المنظمات المشبوهة تفصل عن عمد بين " تحرر الفرد " – وهو مستحيل في وطن مستعبد – وتحرير الوطن. وتبذل تلك الجماعات المشبوهة جهدها كله من أجل تجزئة " مفهوم الحقوق "، وعدم ربطه بالحق الوطني العام.

وهذه التجزئة تمتد وفقا للخطاب الثقافي الأمريكي إلى مفهوم الوطن. فالوطن لم يعد يعرف الحدود (إلا إذا كان الوطن دولة أوروبية ذات شأن يمكنها وقف تدفق المهاجرين إليها )، ولم تعد ثمة حاجة لأحد إلى " الدولة " القومية) إلا إذا دار الحديث عن دولة كفرنسا أو بريطانيا )، بعد أن برزت العولمة باعتبارها قدرا لا راد له، ومن ثم أصبح من الضروري تقليص دور الدولة الوطنية لكي لا تضع الحواجز أمام قفزة رؤوس الأموال عبر الحدود. وقد نجح الخطاب الثقافي الأمريكي إلى حد كبير في خلط ورقتي التقدم التقني وثورة المعلومات والاتصالات، بقضية الجوهر الاقتصادي المستبد للعولمة، وأشاع أن العولمة بإنجازاتها التقنية لابد أن تتضمن بداهة القبول بشروطها الاقتصادية والسياسية الراهنة. فلا يتبقى أمام الشعوب سوى القبول بحلاوة الظاهرة ومرارتها معا، أو رفض إنجازاتها وطابعها الاستغلالي معا. وبعبارة أخرى فإن علينا – إذا كنا حريصين على التقدم العلمي – أن نقبل بالتخلف الاقتصادي والسياسي!.

وإلى جانب فصل الديمقراطية عن الوطنية، واستبدال المفاهيم الجزئية للتحرر بمفهوم الوطن، وإشاعة أن العولمة قدر الإنسان هذا العصر، فإن أقلام الهجوم الفكري الأمريكي تبذل كل طاقتها لنشر ما تسميه " ثقافة السلام "، أي ثقافة القبول بالواقع الناجم عن الغزو والاحتلال الأمريكي – الإسرائيلي للعراق وفلسطين، وتهديد سوريا ولبنان وليبيا والسودان وإيران وغيرها. عن أية ثقافة للسلام يمكن أن يدور الحديث ونحن نعيش زمن الحرب العربية – الأمريكية؟. تقوم هذه الدعوة على افتراض يخالف كل تاريخ ووقائع الصراع العربي – الأمريكي الإسرائيلي، افتراض بأننا نحن العرب المشبعون بكل ميول العنف والعدوان! وبناء عليه ينبغي تغيير كل برامج التعليم ( كان ذلك في مقدمة الأهداف الأمريكية في العراق ) في العالم العربي وخاصة مصر. وينبغي أيضا إعادة تهذيبنا، وتربيتنا، بالشطب على كل الكلمات والفقرات التي تشير في برامج التعليم إلي إسرائيل وأمريكا بصفتهما عدوين.

وباختصار لابد من ثقافة سلام تتولى ترويض الشخصية العربية وقتل دوافع المقاومة فيها كما سبق لأمريكا أن فعلت من قبل ببرامج تعليم استهدفت بها ترويض الشخصية اليابانية والألمانية بعد الحرب بزعم وجود ميول عدوانية في ثقافتي الشعبين. وباختصار لابد من ثقافة سلام لترسيخ المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل بالحرب.

ثقافة السلام – وفقا للخطاب الأمريكي – تستدعي حتما تحقير أي فكرة أو نزعة للمقاومة. ومن ثم ارتفعت معاول كتاب الطابور الخامس لتهيل التراب على كل صور المقاومة خلال الحرب العراقية – الأمريكية. وبذلت صحف وقنوات عربية جهدا خارقا لتنفي أن الفلاح العراقي "منقاش " أسقط الطائرة الأمريكية " أباتشي "، مؤكدة أنه عثر عليها بالمصادفة.

أما سجل المقاومة العراقية اليومية للاحتلال فلم يكن سوى "حوادث متفرقة "، أو عمليات يقوم بها "إرهابيون " من الخارج. وكأنهم يستكثرون مقاومة الاحتلال على الشعب العراقي. ويتم وصف عمليات المقاومة الفلسطينية هي الأخرى بأنها إرهاب، ويدور الحديث بعد ذلك عن خطاب ديني جديد ليبرالي، ينزع منه فتيل المقاومة من جوهر الدين الإسلامي.

وإذا تركنا المسرح السياسي الذي تنشط فوق منصته فرقة كتاب الرد السريع، سنجد أن الخطاب الثقافي الأمريكي لم يهمل المسرح الأدبي والفكري، وأدار على منصته التهاويل الفكرية المجسمة في أردية فاخرة. وبدلا من أن يقال إن الصراع الحقيقي يدور بين شعوب المنطقة والهيمنة الاستعمارية، يقال لنا بأصوات الحكمة إن القصة تكمن في صراع الحضارات. وأننا نعاني من اعتلال خلقي يجعلنا لا نقبل ذلك "الآخر ". ويتجاهل الجميع أن تاريخ حضاراتنا كلها تاريخ التفاعل مع الحضارات الأخرى، كما لا يحدد لنا أحد بصراحة من هو " ذلك الآخر "، وما إن كان " الآخر " هو الاسم الحركي لإسرائيل أم لا. لكن التهاويل من نوع " حوار أو صراع الحضارات " تشغل الأنظار عن حديث صريح بسيط بشأن السيطرة الأمريكية على منابع النفط في المنطقة، ومشاريع السوق الشرق أوسطية، والتطبيع.

وتبرز في نفس الإطار قضية " الهوية " التي سقط في غرامها مئات العشاق على الأقل داخل مصر. ويتم تناول هذه القضية باعتبارها قضية لا تجد إجابة عنها إلا في الماضي. أي بالتفتيش عن تلك الهوية في الماضي الفرعوني، أو الإسلامي، أو الأوروبي الحديث، مع تفكيك الانتماء العربي، خاصة إذا كان ذلك الانتماء يؤجج مشاعر التضامن في قضايا الصراع المشترك. والمطلوب هنا توجيه البحث عن الهوية إلى عالم الماضي، وفصلها عن الاشتباك بقضايا المستقبل، والنظر إليها كظاهرة ذات جوهر ثابت، تعبر عن " وعي مسبق "، وتجاهل أن العثور على هويتنا الحقيقية ممكن فقط بتعيين ما يواجهنا من تحديات الآن، ومستقبلا، والحركة نحو تجاوز تلك التحديات. يقوم الخطاب الثقافي الأمريكي بالتعتيم عمدا على أن الهوية تتبلور في الصراع من أجل المستقبل.

وفي المجال الأدبي، ينفق الأمريكيون الكثير على ترويج ونشر مدارس ومفاهيم أدبية محددة. وبهذا الصدد يشير د. مجدي يوسف في كتابه " من التداخل إلي التفاعل الحضاري " إلى أن: " الهدف الرئيسي الذي يشغل وسائل الإعلام ومعاهد التعليم ومختلف وسائل الاتصال الجماهيري المهيمنة في عالمنا بل والجوائز الأدبية والثقافية هو تأكيد استغراق الأفراد في عوالمهم الذاتية الخاصة "(1).

مرة أخرى عزل الفرد عن الآخرين، وتجزئة المجتمع. وفي هذا الإطار يتم النظر إلى الحرية بمعزل عن أية حركة اجتماعية. وقد صاغ الروائي " ماريو بارجاس يوسا " شعار تلك الحرية الأمريكية في روايته " دفاتر دون ريجو " قائلا على لسان البطل وهو يخاطب عشيقته: " لا تصل الحرية في مجالها الواسع إلا في نطاق الفرد، موطنها الدافئ الذي تجسدينه حضرتك بجسدك، وأجسده أنا بجسدي"! ويقول: " وكل حركة تسعى لتقديم مصالح جماعية لطبقة أو سلالة أو أمة على سيادة الفرد تبدو لي مؤامرة لفرض المزيد من القيود على الحرية البشرية " (2) ! ولا يلمح ماريو بارجاس، ولا كل الكتاب الذين يمضون على ضوء فكرته، أن هناك – على الأقل – صلة بين حرية الفرد وحرية الآخرين. الحرية أمر فردي، والثقافة حيادية، وقد انتهى عصر القضايا الكبرى في الأدب، بينما تشظت الشخصية الأدبية والزمن في الرواية والقصة، وعامة فإن علينا – وفقا لتلك المفاهيم – أن نعترف بعجز الإنسان عن إدراك قوانين الواقع (لاسيما ما يخص واقع احتلال بلادنا) أو تغيير ذلك الواقع إلي الأفضل. و تذهب ملايين الدولارات لإشاعة الخطاب السياسي والثقافي الأمريكي في كل ركن، ولم يعد خافيا على أحد ذلك الانتشار المروع في مصر لعمليات تمويل النشاط الثقافي من قبل السفارات الأجنبية، ومختلف الجهات التي تصب أصولها في النهاية لدى الأجهزة الأمريكية المعنية. وبذلك تتم أوسع عملية شراء لأكبر شريحة من المثقفين الذين ينشئون ويخلقون " الخطاب الثقافي الأمريكي " بهدف تفكيك كل شيء وصولا إلى إغلاق عيني "العقل " الذي يصون الوعي والإرادة ويحفظ صوت بلاده، ورائحة حقولها.

هوامش:
(1) من التداخل إلي التفاعل الحضاري – د. مجدي يوسف – كتاب الهلال – يونيو 2001 العدد
606 – القاهرة
(2) في مديح الخالة - ماريو بارجاس يوسا – الطبعة الأولى 1999 – دار المدى دمشق –
ترجمة صالح علماني

"شام برس"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018