تقدمة:
قال مرّة أحد الساسة الإسرائيليين واصفا إحدى الحكومات أنها تقلع إلى "لا- مكان" وهذا هو حال الحكومة الإسرائيليّة الجديدة. لم نكن بحاجة لانتظار تشكيل الحكومة الإسرائيليّة لنصل إلى مثل هذه النتيجة ، فهي نتاج للانتخابات وهذه لا يمكن كان أن تأتي بحكومة تختلف رغم نجاح رئيسها بوضع بعض الرتوش متمثلة في حزب العمل "الصهيوني اليساري" المأزوم.
رغم أن كل حكومة إسرائيليّة تضع لنفسها خطوطا أساسيّة لسياستها، لكن هذه تبقى يتيمة في أوراق الاتفاقات الإئتلافيّة لا يفطن لها أحد من ناحية ومن الأخرى هي كلام منمّق فضفاض لا يفضي إلى شيء .
الخطوط في باب السياسة الخارجيّة والسياسيّة الداخليّة:
أولا: تعمل الحكومة بشكل فاعل على تأمين الأمن القومي وتأمين الأمن الشخصي لمواطني الدولة من خلال كفاح لا هوادة فيه ضد العنف والإرهاب.
ثانيا : تعمل الحكومة على تقدّم المسار السياسي وتعمل على تقدّم السلام مع الجيران من خلال الحفاظ على المصالح الأمنيّة والتاريخيّة والقوميّة لإسرائيل.
ثالثا: الحكومة تحافظ على الطابع اليهودي للدولة وتحافظ على تراث إسرائيل، وكذلك تحترم الديانات الأخرى فيها وتراث أبناء هذه الديانات طبقا لقيم وثيقة الاستقلال.
هكذا (!)
العادة هي أنه خلال تقديم الحكومة للبرلمان يعرض رئيسها خطوطها الأساسيّة وأسماء وزرائها في خطاب تتويج يفضح عادة ما وراء هذه الخطوط المنمّقة الفضفاضة، وهذا ما جاء فعلا في خطاب التتويج.
في الأفق الفلسطيني:
ولا كلمة عن "دولتين لشعبين" ( ليس هذا موقف الكاتب) رغم أن لبّ خارطة الطريق هو حل الدولتين ولكن معطوفا كما هو معلوم على 14 تحفظ تحويها رسالة شارون رئيس الحكومة الأسبق للرئيس الأميركي بوش صاحب الخارطة، تحفظات أجهضتها عمليا.
فما الذي قاله نتانياهو ؟
أولا : سنعمل على التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين في المسار الاقتصادي والأمني والسياسي.
ثانيا : نصبو إلى تطوير معجّل للاقتصاد الفلسطيني وعلاقته مع إسرائيل.
ثالثا : ندعم جهازا أمنيا فلسطينيا يحارب الإرهاب.
رابعا : نقيم تفاوضا متلاحقا لسلام مع السلطة الفلسطينيّة.
هذا كلام وإن افترضناه تفسيرا للخط الأساس الثاني في السياسة الخارجيّة " لا يشبع جائعا ولا يغني فقيرا"، فلن يفضي إلى شيء فهل القضيّة الفلسطينيّة هي "سلام اقتصاديّ" ؟ وإذا عطفنا هذا الكلام على ما صرّح به سابقا عن القضاء على سلطة حماس في غزّة فالسؤال متى سيجري هذا السلام أبعد القضاء أم من خلال القضاء تنفيذا للبند الأول من خطوط الأساس؟
فلا أفق مفتوحا على هذا المسار !
في الأفق السوريّ واللبناني:
رغم الخصوصيّة التي تكتنف هذا المسار كونه ما زالت هنالك أراض محتلّة لهذين البلدين إلا أن الخطوط الأساسيّة لم تأت على ذلك إلا من خلال الكلام عن السلم مع الجيران من خلال الحفاظ على المصالح الأمنيّة والتاريخيّة والقوميّة.
إذا كان هنالك من ظن عند أحد أن هذا الكلام يمكن أن يفضي إلى مكان فليتعب نفسه قليلا بالتفكير في اصطلاح "المصالح التاريخيّة"، وأقواله قبلا : " لن تسقط مرّة أخرى مدينة جملة الجولانيّة".
وإذا لم يكف الظّان ذلك فليستمع إلى الكائن الحيّ المسمى لبرمان عند استلامه لوزارته الجديدة: "السلام مع سوريّة هو مقابل سلام فالانسحاب من الجولان ليس في عهدي".
فأين الأفق المفتوح على هذا المسار ؟
في الأفق المناطقي والإيراني:
حتى الكرم الحاتميّ للدول العربيّة بمبادرة بيروت 2002 المبادرة العربيّة للسلام لم يشفع لها ولم ولن تقبل إسرائيل هذا الكرم، فمن وجهة نظرها هذا الكرم آت من ضعيف ولن تثنيها "التهديدات" بأنه لن تبقى هذه المبادرة على الطاولة أمدا طويلا، فبقاؤها أو عدمه عندها سيّان ما دامت تشعر بالأمان.
أمّا إيرانيا فنجد في خطاب التتويج هذا الكلام المبطّن : " يجب التمييز بين الإسلام المتطرف وعامة العالم الإسلامي والعربي المهدد هو الآخر على يد المتطرفين". لا يمكن أن نقرأ خطوط الأساس بمعزل عن خطاب التتويج ولا أن نقرأ الخطاب بمعزل عن الخطوط، ولا أن نقرأهما بمعزل عن التصريحات التي تلت خصوصا لمن سيمثل السياسة الإسرائيليّة الخارجيّة آنفة الذكر كذلك التي جاءت قبل ذلك عن شيطان مصر المُرسل إلى جهنم وتفجير السدّ العالي وإلقاء القنابل الذريّة على إيران.
فأي آفاق مفتوحة في هذا الاتجاه ؟
في الأفق العربيّ الداخليّ:
جاء في خطوط الأساس ستحافظ الحكومة على الطابع اليهوديّ للدولة وستحافظ على التراث الإسرائيلي، وتحترم الديانات الأخرى وتراثها طبقا لما جاء في وثيقة الأستقلال !
هذا الخط يثير جملة من التساؤلات:
كيف؟
أبالتهجير على طريقة الكائن المسمى ليبرمان ؟
أو ربما "باللا- تطلّع" لحقوق وطنيّة وقوميّة فيها على طريقة تسيبي لفني رغم أنها بقيت في المعارضة؟
أو ربّما على طريقة الخنق الممارس ضد العرب ومنذ صياغة وثيقة الاستقلال !؟
الآفاق المفتوحة :
على المستوى العربيّ الداخلي ما لنا إلا الصمود وتضافر الجهود، فلن تكون هذه الحكومة مختلفة عن سابقاتها إلا في زيادة "حبّة" كقول المصريين في فاشستيتها.
أمّا على المستوى الفلسطينيّ فهي فرصة تاريخيّة لإعادة اللحمة إلى الشعب الفلسطيني عبر وحدة وطنيّة على أساس الثوابت الفلسطينيّة.
في أدبياتنا السياسيّة نحن عرب الداخل مقولة نسميها "الفرج العربيّ"، فياما أتى إسرائيل فرجها من العرب حين تضيق عليها السبل، فإن لم يفرجها العرب ستبقى هذه حكومة تصريف أعمال داخليّة تتصارع على مشكلاتها الداخليّة الكثيرة وأحدّها اليوم إلقاء آلاف العمال شهريا إلى سوق البطالة والذي ستكون نتيجته الحتميّة الهجرة المعاكسة للشباب.
في الصراع "الشمالي الجنوبيّ" الحاصل دعونا لا نبني كثيرا لا على أوروبا ولا على اوباما، دعونا نبني على صمود داخليّ ووحدة فلسطينيّة وتأليب عربيّ وربما عالمي، وأهم هذا وحدة وطنيّة فلسطينيّة توقف حكومة اللا-آفاق هذه على أرجلها الخلفيّة.