رحيل غير مأسوف عليه!../ د. كاظم الموسوي*

من المفارقات السياسية في بلد ديمقراطي هذه المرة، أن يكون رحيل رئيس وزراء عن منصبه وهو في ذروة سلطته وإدارته غير مأسوف عليه، بل مطلوبا أو مرغوبا اكثر من أي وقت آخر، وليس عن طريق صندوق الانتخابات والفوز أو الفشل فيه، بل عن طرق أخرى، في ظرف كان أداؤه ناجحا ومتطورا في كثير من مفاصله، لاسيما برنامجه الإصلاحي في الوضع الاقتصادي مقارنة بما مضى. وقد يكون لواضعه ومنافسه في المنصب دور في هذه المفارقة.

هذا ما يحصل بالمملكة المتحدة ومع رئيس وزرائها توني بلير. حيث تتفاقم حدة الضغوط والنداءات الداعية إلى إبعاده فوراً، أو كلما كان أبكر كان أفضل، له ولحكومته ولحزب العمال الجديد، الذي تتعرض مكانته وخطط فوزه بانتخابات قادمة إلى هزات مقلقة. كما تواجهه الصيحات داخليا وخارجيا، وتكشف في اغلبها، استطلاعات الرأي العام، مع ما يصحبها من تنوع في الاحتجاجات والتظاهرات والشعارات التي ترفع، عبر أساليب استقالات وضغوط سياسية من أعضاء الحكومة والبرلمان والرأي العام.

ولكن قراءة الأسباب تجيب على هذه المفارقة السياسية، البريطانية بامتياز. واغلب العوامل أو الأسباب تنبع ليس من طبيعة الصراع في النظام الديمقراطي وطول فترة وجوده في السلطة وتعثره في علاقاته الداخلية وقدرته على تبريد الخلافات فيها، وانما في أكثرها مرتبط في قضية تبعيته للسياسة الخارجية الأميركية، والتي لها أسبابها هي الأخرى، بالنسبة إليه وما يخفى منها ولا يستطيع البوح بها علنا، خاصة حين تتزاوج التطورات الاقتصادية وطبيعة العلاقات الرأسمالية الدولية، العابرة للحدود، وبشكل خاص بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وحصول ترابط أو تشابك منفعي بين مؤسساتهما المؤثرة على القرارات بمختلف مستوياتها. ولكن الواضح فيها هو المشاركة في حروب أميركية ولأسباب أميركية أو مصالح صهيو أميركية، خططت ووضعت لها، وليس لسياسات بريطانيا ومستقبل العلاقات الدولية، لاسيما بين طرفي الأطلسي.

قد تحصل تبعيته على جزء من الحصص التي تفيض عند صاحبها وشركاته ولكنها من فائض الحصاد وليست من حصة المشارك والمساهم، حسب كوندوليزا رايس بلسانها في بداية الحرب على العراق، في إمكانية منح بعض حلفائها الراغبين بالمال والدم شيئا من "الكعكة". وهذا ما ينفذه بلير في سياساته التابعة ورهاناته على الإدارة الأميركية، ومشاركته عسكريا وماليا في خمس حروب خارجية، وفي التفرج على السادسة ودعم استمرارها وتسليحها، وكلها لها تداعياتها وخسائرها المادية والبشرية والتورط في ما اصطلح عليه إعلاميا بمستنقعات، الأمر الذي دفع عددا من السياسيين، وأبرزهم من الأميركيين، على لومه ونقده عليها ولعدم فعاليته في تغيير أو دفع اتجاهاتها لخدمة المصالح المشتركة والأمن والسلم الدوليين، وبناء عالم جديد فعلا.

استطلاع للرأي نشرت نتائجه صحيفة "ذي غارديان"، 9/9/2006، أظهر أن مواطنا بريطانيا من أصل أثنين يرغب في أن يتخلى بلير عن مهامه كرئيس للوزراء بحلول نهاية العام. وعبر 38 في المائة من الأشخاص الذين استطلعت آراؤهم في إطار هذا الاستطلاع، الذي أجراه معهد "اي.سي.ام"، عن رغبتهم في أن يتخلى بلير عن مهامه فورا، و12 في المائة بحلول نهاية 2006. وطالب 12 في المائة من المستطلعة آراؤهم برحيله قبل الانتخابات المحلية المقبلة في مايو 2007، فيما قال 6 في المائة انهم يؤيدون رحيله بعد هذه الانتخابات.

واحتفت بهذه النتائج معظم وسائل الاعلام البريطانية بعد ذلك، حتى المحسوبة أو المقربة من دائرة بلير. عاكسة بذلك مشاعر المواطنين وحجم الرغبة بالرحيل السريع، مما حول الموضوع برمته إلى خسارة شخصية وتاريخية لزعيم فاز بثلاث فترات انتخابية على التوالي.

لقد حان وقت الرحيل، وما على بلير إلا الإذعان، ولكن مثله، كثعلب سياسي مجرب، يصعب عليه وقع الهزيمة، فحاول بعد أن توضحت أمامه أبعاد اللوحة السياسية لمستقبله الحكومي والسياسي، أن يقوم بعمل سياسي خارجي، فاختار اضعف حلقة بالنسبة للوضع الدولي وللسياسة الأميركية الداخلية حاليا، ومن خلال معرفته بأنها أصعب المهمات وأكثرها سخونة واشتعالا، ولكنها قد تقربه من صناعها وتعوضه عما ما هو متورط فيه من بوادر أزمة شخصية ومحلية وسياسية طبعا، وهي قضية المنطقة العربية الرئيسية، فقام بزيارتها، وبالتأكيد يدرك مدى غضب الشعوب عليه، وثقل الجرائم التي اقترفتها سياسات بلاده فيها، بدءا من مطلع القرن الماضي والى اليوم. فنال منها ما لا يرضيه أو قد لا يجد فيه ما يناسب مهمته. حيث رفعت لافتات ونداءات وتظاهرات شعبية عامة رافضة استقباله ومنددة بزيارته واعتبرته زائرا غير مرغوب فيه، بل وحملته شخصيا وسياسات حكومته كل مآسيها التي تعيشها، لما ارتكب بحقها من جرائم مباشرة أو بالإنابة أو بالمشاركة أو بالصمت والتفرج.

ومهما حاول أن يعوض ما فات دون وقائع جديدة فعلية وقدرات على تحقيق ذلك عمليا فإنه أضاف نقاطا سلبية أكثر عليه، لا تنفعه كثيرا، إلا إذا كان مطلوبا منه ذلك لأسباب أخرى، لا تتعلق بمنصبه، حاليا ولمشاريع قد تظهر لاحقا، وبغض النظر عنها فإن سمعته الشخصية لم تعد قادرة على حمل مسئوليات ملتبسة وملتوية مثل سياساته فيها وفي المشاعر العامة لسكان المنطقة. فزيارته ووعوده في تكرارها وطروحاته حول حلول لمشكلاتها من وجهة نظره لم تغير من صورته ولم تخفف من تدهور شعبيته، مثل حليفه الأميركي، بل دعمت عزلته ولن تضيف نفعا إلى سياسات بلاده وحزبه الحاكم أمام الناخبين والانتخابات القادمة.

وكانت طريقة استقباله في مؤتمر النقابات العمالية، وإجباره على إعلان موعد رحيله، ولقطات المناكفة السياسية في وسائل الإعلام قد كشفت أن أفول نجمه أصبح منجزا، وان الشعارات التي رفعت بوجهه أثناء زيارته للمنطقة العربية هي جزء من مطالب أغلبية بريطانية، وعمالية أيضا، وباتت سياسته في العالم العربي خصوصا موضع جدل داخلي مثلما هو خارجي، وانه لم يعد وسيطا نزيها وتاريخه المنحاز فيه إلى طرف واحد لا يشفع له في تغيير جلده في أيامه الأخيرة، وأصبحت قضايا ما بعد فترته والمنافسة الانتخابية لتجديد حياة الحزب والسياسة المستقلة والمعبرة عن المصالح الوطنية والمشتركة هدفا أساسيا وسبيلا أفضل واسلم للحزب والحكومة.

وبما انه اختار طريقه وحدد موعد تنحيته بنفسه لاستباق ما يحصل في مؤتمر الحزب السنوي فإن المتوقع في فترته الختامية محاولات أخرى لكنها لا تشهد متغيرات دراماتيكية على مختلف الأصعدة على الأغلب، خصوصا الخارجية منها، إلا إذا وقع ما لم يكن متوقعاً. وفي كل الأحوال لم يعد رحيله مأسوفاً عليه، الآن أو بعد أشهر.


* باحث عراقي من جامعة لندن

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018