سياسة التثقيف العسكري وتسليح المجتمع الاسرائيلي هي القضية الأولى التي يجب معالجتها/ وليد ياسين

صدر في اواخر الأسبوع المنصرم (في 25 آب 2005) تقرير اللجنة العسكرية التي عينها رئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، دان حالوتس، للتحقيق في المجزرة التي ارتكبها الارهابي اليهودي الجندي في الجيش الاسرائيلي، عيدن ناتان زادة، في مدينة شفاعمرو، في الرابع من آب 2005، والتي اسفرت عن استشهاد اربعة مواطنين من المدينة.

ويتأكد مما رشح عن التقرير ان طاقم التحقيق الذي ترأسه العميد (احتياط) آيكا ابربنيل، عمل بروج توجيهات رئيس هيئة اركان الجيش، دان حالوتس، الذي طلب "عدم التركيز في البحث عن متهمين وانما عن العبر الفورية التي يمكن استخلاصها من القضية" ! وهكذا وجدنا توصيات التقرير تركز على ما تسميه "الخلل" الذي يرافق متابعة انخراط الشبان الاسرائيليين في صفوف الجيش الاسرائيلي، ومحاولة التغاضي عن الاهمال الكبير في تبادل المعلومات بين الجهات الأمنية التي كانت على اطلاع على حقيقة انخراط السفاح عيدن ناتان زادة في نشاطات التنظيمات اليمينية الاسرائيلية المتطرفة، التي كررت مراراً تهديدها بتنفيذ عمليات ارهابية كبيرة في اطار مساعيها الى اشعال النار بين قوات الامن الاسرائيلية والمواطنين العرب داخل اسرائيل، و/او بين قوات الأمن وشعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، في سبيل وقف خطة فك الارتباط التي انتهي من تنفيذ المرحلة الأولى منها باخلاء المستوطنين من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية.

ويستدل مما نشرته وسائل الاعلام الاسرائيلية (الجمعة 26.8.2005) ان اللجنة خرجت باستنتاجات تشير الى عدم نقل المعلومات بين الأجهزة العسكرية المختلفة بشكل سريع، مؤكدة الاهمال في عدم الاهتمام بالمعطيات التي توفرت حول السفاح زادة والتي كان يمكنها، حسب تقرير اللجنة، ان تقود الى تسريحه من الخدمة العسكرية بسبب عدم ملاءمته، او على الأقل، اعتقاله بتهمة الفرار من الخدمة.

وفي هذا تشير اللجنة الى عدم التعاطي مع توصية ضابط التصنيف الذي سجل تدريجا نفسيا منخفضا للسفاح، كان من شأن الاهتمام بمتابعته ان يمنع تجنيده. الا ان اللجنة تسارع الى محاولة تجريد الجيش وجهاز الشاباك الاسرائيلي من المسؤولية عن هذا الاهمال، زاعمة أنه "حتى لو تم جمع كافة المعلومات المتعلقة بالقاتل، لما كان ذلك كافيا لاشعال الضوء الاحمر بشأن امكانية اقدامه على القيام بعملية ارهابية، على الأقل، حسب المعايير القائمة في هذا المجال التي يمليها الشاباك على الجيش".

ويهمل تقرير لجنة ابربنيل كافة الجهات التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن المجزرة البشعة، وتنتقل الى طرح التوصيات بشأن ما تسميه "سد الثغرات في المصفاة"، وتعميق البحث عن الجنود الذين يحتمل قيامهم بعمليات ارهابية. وتدعو الى توثيق العلاقة بين الشاباك والجيش في كل ما يتعلق بالشريحة الشخصية للمتجندين للكشف عمن يملك محفزات القيام باعمال ارهابية، كما توصي بقيام الجيش بتركيز أكبر للمعلومات حول الجنود وتناقلها بين الجهات العسكرية ذات الصلة.

ولعل التوصية الأخيرة التي ينطوي عليها تقرير لجنة ابربنيل، تعتبر الاهم من حيث اهمال الجيش، حيث تشير الى ضرورة اعادة النظر في السماح للجنود بالخروج الى اجازاتهم دون ان يتم تجريدهم من اسلحتهم الشخصية. ويؤكد التقرير ما كانت نشرته "هآرتس" حول توصية شعبة القوى البشرية، قبل اكثر من سنة، بمنع الجنود من حمل سلاحهم معهم الى بيوتهم، بسبب المخاطر التي ينطوي عليها ذلك. وتؤكد الكثير من الأنباء التي تناقلتها وسائل الاعلام الاسرائيلية في السنوات الاخيرة قيام جنود من الجيش الاسرائيلي باستخدام اسلحتهم العسكرية، خلال تواجدهم في الاجازات، لارتكاب جرائم. ونحن في المجتمع العربي داخل اسرائيل عانينا كثيرا بسبب الاستخدام الجامح لهذه الأسلحة من قبل جنود يتباهون بحمله في المناسبات ويطلقون مخازن من الأعيرة النارية، كانت في عدة احيان سببا لمقتل ابرياء.

اما المسألة الأكثر اهمية في هذا التقرير فهي تجاهله للمسؤولين المباشرين عن الجريمة وتصويره للقصور الرسمي في التعامل مع السفاح زادة وامثاله على انه مجرد "شوائب" او "خلل" في الأنظمة. فمثل هذا التعامل يجب أن يكون مؤشراً على عدم جدية التحقيق العسكري في الجريمة، ويجب ان يشعل اكثر من ضوء احمر، خاصة في ضوء التهديدات المتواصلة لليمين الارهابي بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين، سواء هنا داخل الخط الأخضر، أو خارجه. ويمكن القول وبكل تأكيد ان الجيش الاسرائيلي لم يستخلص اي عبرة من مجزرة شفاعمرو، واذا ما كان سيواصل التركيز في البحث عن الارهابيين المحتملين في صفوف الجيش فقط، فمن المستبعد جداً تمكنه من منع الجريمة القادمة. لأن الارهابيين لا يتواجدون في صفوف الجيش فحسب، وانما في صفوف الابناء المدللين للمؤسسة العسكرية الاسرائيلية، والمقصود المستوطنين الذين يسلحهم الجيش بمحتلف انواع الأسلحة اليدوية بزعم الدفاع عن أنفسهم، وقد سبق واستخدم هؤلاء سلاح الجيش الاسرائيلي لارتكاب مذابح واعمال قتل فظيعة ضد ابناء شعبنا الفلسطيني. وعملية شيلو التي ارتكبها مستوطن، بعد مجزرة شفاعمرو، تؤكد هذا التوجه، ولا ننسى ايضا مجزرة الحرم الابراهيم، ومقتل الكثير من الفلسطينيين الابرياء بسلاح الجيش الذي تحمله سوائب المستوطنين.

البحث عن الارهابي القادم في صفوف الجيش الاسرائيلي قد لا يأتي بنتيجة، وتوصيات لجنة ابربنيل قد لا تسفر عن اي تغيير طالما لم يتم تغيير سياسة التثقيف العسكري في المجتمع الاسرائيلي، ووقف اعتبار ابناء الشعب الآخر طابورا خامسا وعدوا يتربص باليهودي في كل زاوية. تسليح المجتمع الاسرائيلي هو القضية الأولى التي يجب معالجتها ووضع حد لها. يجب نزع اسلحة المستوطنين كافة، لان اعمالهم الارهابية ضد الفلسطينيين لا تتوقف على مجزرتي شفاعمرو وشيلو، ولن تتوقف هناك طالما تواصلت سياسة العسكرة والتثقيف على الكراهية والعنصرية ازاء العرب والفلسطينيين.

لقد دعت القيادات العربية فور وقوع مجزرة شفاعمرو الى التحقيق في دور الشاباك والاجهزة الامنية الاسرائيلية في المجزرة، وهذا ما يجب ان لا يتم التنازل عنه. توصيات تقرير لجنة ابربنيل يأتي للتغطية على هؤلاء المسؤولين، واذا ما تم تمريرها والاكتفاء بها فعلى المسؤولين الاسرائيليين الا يستبعدوا وصول الارهابي القادم باسرع مما يتوقعون، لأن "جهاز التصفية" سيعمل، ان كان سيعمل حقا، ازاء المتجندين الجدد، لكن الجيش الاسرائيلي بات يعج بأمثال ناتان زادة، وقد رأينا ذلك خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية من خلال اعمال لا تقل ارهابية عن عمل زادة، ارتكبها جنود في الجيش الاسرائيلي بحق الابرياء الفلسطينيين، على المعابر وفي السجون وفي المدن والقرى الفلسطينية. ان التنكيل بالعمال الفلسطينيين هو عمل ارهابي، واحتجاز فلسطيني داخل حفرة وتركه يتعرض الى الشمس الحارقة حتى فقدانه للوعي وموته هو عمل ارهابي، واجبار الفلسطيني على احتساء بول الجندي الاسرائيلي هو عمل ارهابي، واستغلال اعمال التفتيش داخل المنازل الفلسطينية لسرقة اموال وممتلكات خاصة هو عمل ارهابي، والقاء قنبلة تزن طنا على حي اسكاني وقتل الاطفال الابرياء هو عمل ارهابي، وهناك الكثير من جرائم الحرب الارهابية التي نفذها مسؤولون في الجيش والشاباك الاسرائيلي الذين كان يجب محاكمتهم عليها وزجهم وراء القضبان، بدل ترقيتهم وفتح الطريق امامهم لتولي مناصب عسكرية وسياسية رفيعة في اسرائيل.

في دولة تحترم حقوق الانسان الآخر ما كان هؤلاء سينجون من جرائمهم، وفي دولة تقدس حياة البشر ما كان مدرب السفاح عيدن ناتان زادة سيخرج من السجن بعد سنوات من اقدامه على قتل فلسطيني، وتوجهه الى تفوح لتدريب زادة وامثاله من الفاشين الصغار على مواصلة الطريق، ومن ثم المفاخرة في مقابلة صحفية بأن هؤلاء يتخذون من امثاله مثالهم الأعلى.

في دولة تستخدم اعتى اسلحتها ضد مواطنين خرجوا للتظاهر السلمي مطالبين بالمساواة ودفاعا عن اراضيهم، فتجرح وتقتل العشرات منهم بدعوى الحفاظ على الأمن، بينما، في الوقت ذاته تتعامل بقفازات من حرير مع فئة اخرى تتظاهر بعنف وتعتدي على الأمن ورجال الأمن، وتدوس القانون، لا يمكن ان تدعي انها دولة ديموقراطية.

ومن هنا، علينا الا نستبعد تحويل المجرم الى ضحية والضحية الى جلاد في مجزرة شفاعمرو، ومن يدري، ربما في مجزرة شيلو، ايضا. وعلينا الا نتوقع من التحقيق في مجزرة شفاعمرو، اكثر مما اسفر عنه التحقيق في مجزرة اكتوبر 2000، الذي قادته لجنة اور، والتي يعترف رئيسها بعظمة لسانه ان توصياته لم تنفذ بحذافيرها، ولم تؤخذ في الاعتبار كل التوصيات التي طرحتها بشأن محاكمة المجرمين.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص