ماذا يفعل رجل أسود في البيت الأبيض؟../ جميل مطر

قضى أوباما وحاشيته أسبوعاً عصيباً. بدأ الأسبوع عندما نقل له مساعدوه أن شرطياً أبيض استخدم العنف ضد أستاذ أسود من مشاهير الأكاديميين يقيم في حي تسكنه غالبية من البيض في ضاحية كامبريدج في مدينة بوسطن.

كان الأستاذ حسب الرواية المنقولة إلى الرئيس أوباما، يحاول فتح باب بيته مستخدماً كتفه وكتف سائق سيارة تاكسي. تشككت سيدة مارة بالطريق في أنهما ربما يحاولان اقتحام المنزل بغرض السرقة فأبلغت الشرطة. وصل الضابط كراولي وتوجه على الفور إلى الرجلين الأسودين، وتقول الرواية إنه أثار غضب الأستاذ الذي حاول إقناع الشرطي بأن الباب الذي يحاول فتحه هو باب مسكنه، وأن أحدا سبقه إليه أثناء سفره في رحلة إلى الصين وحاول اقتحامه فانكسر قفل الباب، واستعصى على الأستاذ فتحه بمفتاحه. لم يقتنع الشرطي الأبيض وطلب من الأستاذ مرافقته إلى قسم الشرطة. ولما رفض قام بوضع الأصفاد في يديه واصطحبه بالقوة.

هذه هي الرواية كما سمعها الرئيس أوباما الذي يعرف الأستاذ جيداً ويعتبره مرشداً وصديقاً. غضب الرئيس لما جرى لصديقه الأسود فأدلى بتصريح استخدم فيه عبارة تصف تصرف الشرطي الأبيض بالغباء. قال أوباما إن الأستاذ له مكانته المرموقة في جامعة هارفارد وكان يجب أن يدرك الشرطي هذه الحقيقة ويعامله بشكل أفضل.

هاجت واشنطن وأغلبية سكانها كما نعرف من السود، ونخبتها الحاكمة، كما نعرف أيضاً، من البيض. وقفزت أجهزة الإعلام على الموضوع مستخدمة كل ما في جعبتها من عناصر الإثارة. تحدثت إلى الشرطي الأبيض الذي روى رواية مختلفة، قال إن الأستاذ سخر منه ومن “أمه”. ورفض التحدث بتهذيب فاضطر إلى احتجازه كإجراء عادي يتخذ مع كل من “يتهجم” على شرطي يؤدي واجبه. وسرعان ما انتقل هياج واشنطن إلى كل أنحاء الولايات المتحدة. واستنفرت كل القوى، وأعني فعلا كل القوى، إمكاناتها للمشاركة في تصعيد أزمة كان حدوثها متوقعاً إن آجلاً أو عاجلاً فوقعت عاجلاً.

وبسرعة مدهشة تراجع أوباما، في سابقة فريدة، واعتذر علنا عن وصفه تصرف الشرطي الأبيض بالغباء. ودعا الدكتور هنري لويس جيتس أستاذ الجامعة الأسود والضابط الأبيض كراولي من شرطة بوسطن لتناول كأس من الجعة معه في البيت الأبيض وكله أمل أن تتوقف تداعيات الأزمة ويعود الصفاء إلى واشنطن ومن واشنطن إلى كل أمريكا ليستأنف جهوده المكثفة نحو تمرير مشروع قانون لإصلاح نظام الرعاية الصحية، البند الأول في أجندة التغيير الذي وعد به الشعب الأمريكي خلال حملته الانتخابية.

* * *
حادث بسيط كشف عن قضايا عديدة وكبيرة. المعتاد في الولايات المتحدة أن الشرطي الأبيض يعامل الأمريكي الملون، سواء كان من أصل إفريقي أم لاتيني، معاملة مختلفة عن المعاملة التي يلقاها الأمريكي الأبيض.

أكثر من 80% من المواطنين السود واللاتينيين يؤكدون في استطلاعات الرأي أن الشرطة تتعمد استخدام القسوة معهم وأنه يجري حبسهم لأن بشرتهم غير بيضاء. لذلك لم يكن الحادث، في حد ذاته، غريبا أو غير مألوف، ولكنه صار غريباً وغير مألوف عندما تدخل الرئيس أوباما متسرعاً في الحكم ومرتكباً، بسبب هذا التسرع، ثلاثة أخطاء وصفها أحد علماء السياسة الأمريكية بأنها أخطاء قاتلة لرئيس بالكاد اكتملت شهوره الستة الأولى.

كان خطؤه الأول أنه تسبب في الكشف عن خلل في نظام تدفق المعلومات التي تصل إلى رئيس الجمهورية وفي صدقيتها. خطؤه الثاني أنه كرئيس جمهورية ما كان يجب أن يصدر أحكاما بتسرع ومن دون تروٍ. خطؤه الثالث أنه في غمرة العواطف وتأثره بحادث صديقه طرف فيه، كشف عن تحيزه “الفطري” أو التلقائي للأمريكيين السود، رغم أنه حاول على امتداد عامين، هما عمر الحملة الانتخابية، تجنيب القضية العنصرية وإبعادها عن بؤر الاهتمام السياسي. ورغم أهمية وخطورة هذه الأخطاء التي ارتكبها أوباما في تعامله مع حادث الدكتور جيتس والشرطي كراولي، إلا أنه يجب الاعتراف من جانبنا بأن الظروف كانت مهيأة لأن يتسبب حادث مألوف بسيط كهذا الحادث في تداعيات غير مألوفة وغير بسيطة. من هذه الظروف مثلاً:

أولاً: رشح أوباما قاضية من أصل لاتيني لمنصب خلا في المحكمة الدستورية العليا. ومنذ اليوم الأول لإعلان الترشيح شنت تيارات محافظة من اليمين المتطرف عنصريا حملة ضد السيدة سونيا سوتوماير هدفها إثبات عدم صلاحيتها للمنصب كونها “تقدمية” وليبرالية وتتعاطف مع “الملونين”، ومازالت الحملة ضدها مستمرة في وسائل الإعلام وبعض مراكز البحث.

كان من بين قادة الهجوم على ترشيحها المرشح الجمهوري الأسبق بات بيوكانان الذي اعترض على ترشيح ملونات وملونين للمحكمة الدستورية العليا قائلا: “لماذا ننسى أن 100% من الذين وضعوا الدستور الأمريكي كانوا من الرجال ومن البيض، ولماذا ننسى أن 100% من الأمريكيين الذين وقعوا على وثيقة إعلان الاستقلال كانوا من الرجال ومن البيض؟”.

ثانياً: خرجت من صفوف الحزب الجمهوري جماعة أطلقت عليها وسائط الإعلام تعبير أهل الميلاد أو الميلاديين Birthers، تنادي بإسقاط الرئيس أوباما لأنه حسب معلوماتها لم يولد في أمريكا وإنما ولد في كينيا، وبالتالي لا يجوز دستورياً أن يكون رئيساً لأمريكا، وأنه ولد غير مسيحي، أو على الأقل، لا يوجد دليل مؤكد على أنه مسيحي، وأنه ابن غير شرعي لأم أمريكية بيضاء. وعندما قدمت أجهزة الأحوال الشخصية في هونولولو ما يثبت أنه ولد فيها اتهمته الجماعة المحافظة بتزوير شهادة الميلاد، فقدم صوراً للجريدة الرسمية التي تنشر أسماء المواليد وتاريخ ولادتهم.

ثالثاً: شنت تيارات متطرفة وتيارات تابعة لجماعات مصالح أجنبية حملات باهظة التكلفة تدعي وقوع حالات تمييز عنصري ضد البيض في التعيين للوظائف الرسمية وتهاجم ما يعرف بالتمييز الايجابي الذي سمح لعشرات الألوف من أبناء الملونين بدخول الجامعات والحصول على منح دراسية، باعتبار هذا النظام موجهاً ضد مصالح المتفوقين من الشباب الأبيض.

رابعاً: سربت أجهزة رسمية قريبة من البيت الأبيض معلومات تفيد بأن الجو السياسي في واشنطن يعبأ منذ أشهر لإحباط “أجندة” أوباما التي تحتوي على بنود تنفيذ وعوده الانتخابية، وبخاصة بند إصلاح نظام الرعاية الصحية. ونمى إلى إدارة أوباما أن جهوداً تبذل من جانب قوى سياسية نافذة لإحباط محاولات تحريك قضية الشرق الأوسط والانسحاب من العراق وتغيير نهج التعامل مع إيران والشعوب الإسلامية كافة.

* * *
كثيرون بيننا يتصورون أن أوباما مازال يركب مستريحا موجة ناعمة تحمله من نجاح إلى نجاح. هؤلاء ما زالوا متأثرين برومانسية الصورة، صورة الفارس الأسمر الذي أقدم على مدينتهم ودخلها ممتطيا حصانا أبيض. أخشى أن تكون هذه الجملة الساحرة السبب الحقيقي وراء أزمات أوباما الراهنة.

في زحمة اهتمامي بمتابعة قضية الأستاذ جيتس الأسود والشرطي كراولي الأبيض صدمتني كلمات وردت على لسان مواطن أمريكي متعمق في دراسة تاريخ التمييز العنصري في أمريكا. جاءت كلماته في صيغة سؤال.. قال: ماذا يفعل رجل أسود في بيت أبيض؟ لم نعرف من هو الرجل الأسود الذي يقصده.

أهو الأستاذ جيتس ومئات الآلاف من السود مثله نجحوا واحتلوا مناصب مهمة ويزاولون مهناً شتى كانت مخصصة للبيض وسكنوا ضواحي لم يكن يسكنها إلا البيض واشتروا بيوتاً شيدت من أجل أن يعيش فيها البيض؟ أم يقصد الرئيس باراك أوباما، الرجل الأسود الذي يحتل بيتاً أبيض لم يدخله إلا البيض.

كتب من واشنطن اندرو سوليفان في جريدة “صانداي تايمز” يقول لو أنك سألت أي مواطن أمريكي ماذا تسمي رجلاً أسود حاصلاً على الدكتوراه أو وصل إلى منصب الرئاسة في أمريكا، ستأتي الإجابة سريعة.. زنجي. وأضيف أنك لو سألت كبير حاخامات اليهود في “إسرائيل” أوفاديا يوسف السؤال نفسه فستكون الإجابة وبالسرعة نفسها.. “عبد أسود”.

* * *
أثبتت تطورات الأيام الأخيرة في الولايات المتحدة أن وجود رجل أسود في البيت الأبيض لا يعني نهاية قضية التمييز العنصري ضد السود، بل لعله يزيدها سخونة وتعقيدا.
الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018