الجنرال غابي أشكنازي، قائد هيئة الأركان العامة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، اضطر يوم الثلاثاء (26.01.10) إلى تأجيل سفره إلى العاصمة البلجيكية، بروكسل، لاجتماع حلف شمال الأطلسي (الناتو) خشية أن يتم اعتقاله هناك بتهم ارتكاب جرائم حرب ضدّ الفلسطينيين، خلال العدوان البربري والهمجي الذي نفذّته الدولة العبرية قبل حوالي العام ضدّ الفلسطينيين في قطاع غزة، وفي نفس اليوم طالعتنا الصحف العبرية بنبأ حول مبادرة جديدة في بولندا، تُطالب باعتقال كلٍٍ من وزير الأمن الإسرائيلي، أيهود باراك، ووزيرة الخارجية السابقة وزعيمة حزب (كاديما) تسيبي ليفني، على خلفية تورطهما في عملية (الرصاص المسبوك) في قطاع غزة، علاوة على ذلك، تمّ الكشف عن أنّ بعثة من كبار الضباط في جيش الاحتلال قاموا بإلغاء زيارتهم المقررة إلى المملكة المتحدة خوفاً من اعتقالهم من قبل السلطات البريطانية بتهم جرائم حرب وجرائم ترتقي إلى جرائم ضدّ الإنسانية، ونائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الجنرال المتقاعد موشيه (بوغي) يعلون اضطر إلى إلغاء زيارة له لبريطانيا على خلفية تورطه في اغتيال الشهيد صلاح شحادة، القائد السابق لكتائب الشهيد عز الدين القسّام، الجناح العسكري في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ولا بدّ في هذه العجّالة التذكير بأنّ وزارة الخارجية في الدولة العبرية، التي يقودها الفاشي المأفون، أفيغدور ليبرمان، أصدرت أوامرها إلى جميع المسؤولين الإسرائيليين من المستويين الأمني والسياسي، بتلقي الاستشارة القانونية قبل أن يغادروا دولتهم خشية اعتقالهم بسبب جرائم الحرب. الأوروبيون، ونقصد مؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات التي تدافع عن حقوق الإنسان، اتخذوا قراراً بملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين بموجب القانون الكوني، الذي يتيح اعتقال أيّ مسؤول في أيّ دولة، على الرغم من أنّ التهمة الموجهة إليه لم ترتكب في نفس البلد الذي يتم فيه إصدار أمر الاعتقال ضدّه، أي أنّهم يتكلمون ويفعلون.
باراك بطل في دولة أحفاد الفراعنة
الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، الذي تسلم مقاليد السلطة في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1982 بعد اغتيال الرئيس أنور السادات، قام يوم الأربعاء (27.01.10) بدعوة وزير الأمن الإسرائيلي، إيهود باراك، إلى مصر في زيارة رسمية للتباحث حول "الأفكار الجديدة" التي طرحها المبعوث الخاص لمنطقة الشرق الأوسط، جورج ميتشيل، في زيارته الأخيرة إلى المنطقة، والتي انتهت بفشل ذريع. وبما أنّ الرئيس مبارك يتحلى بالأخلاق العالية في تعامله مع الضيوف، فقد استقبل باراك استقبال الأبطال، ولا نعرف عمّا جرى الحديث بين الشخصين، ولكن بإمكاننا التخمين، على ضوء المعلومات المتوفرة، أنّ مبارك وباراك، يعدان خطةً، بناءً على أوامر من واشنطن، لإلزام السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عبّاس، بالعودة إلى طاولة المفاوضات، مع نتنياهو، الذي قام هذا الأسبوع بزرع الأشجار في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة وتعهد أمام مرأى وعلى مسمع العالم بأن تبقى هذه المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية إلى أبد الآبدين. وحسب التقارير الصحافية فإنّ رئيس السلطة عبّاس، توجّه إلى العاهل السعودي، وطلب منه المساعدة لكبح جماح الضغط الذي يُمارس عليه من قبل النظام المصري للعودة إلى طاولة المفاوضات، وإن كنّا نعتقد بأنّ على نفسها جنت براقش، فلا بدّ من تذكير السيد عبّاس، بأنّ النظام السعودي "أشطر" من النظام المصري في التحالف مع واشنطن، ولا يقدر على فعل أيّ شيء يتعارض مع مطالب إدارة أوباما، لأنّه كما يقول المثل الحسن أخو الحسين.
سفير تل أبيب يقهر القاهرة
السفير الإسرائيلي في مصر شالوم كوهين، الذي سيُنهى مهامه في القاهرة أواخر الشهر الجاري، أشاد في مؤتمر صحافي في العاصمة المصرية بالتعاون الأمني بين البلدين، مؤكداً أنه غير مسبوق، واعتبر أنّ العلاقات السياسية بين بلاده ومصر في أعلى مستوى، مستشهداً بأنّ عدد الزيارات الإسرائيلية العالية المستوى لمصر خلال الأعوام الخمسة الأخيرة تجاوزت تلك التي تمّ القيام بها لبعض الدول الأوروبية، أو لدولٍ أخرى تعتبر صديقة جداً. ولفت سعادته إلى أنّ القاهرة استقبلت خلال العام الماضي كلاً من الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريس، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ثلاث مرات. وقال إنّه في القضايا السياسية نجد المصريين حاضرين ومهتمين بالمساعدة، كما أنّ التعاون الإسرائيلي المصري في المسائل الأمنية بلغ مستوى غير مسبوق. السفير الجديد هو يتسحاق ليفانون، الذي شغل من قبل عدة مناصب دبلوماسية رفيعة، منها منصب سفير إسرائيل لدى مؤسسات الأمم المتحدة في جنيف، والمتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ويعتبر ليفانون من أبرز المخططين لهزيمة وزير الثقافة المصري، فاروق حسنى، في معركة اليونسكو حيث يمتلك باعاً فكرياً وثقافياً كبيراً في التعامل مع المنظمة الدولية وعمل لسنوات بها، وكان من أبرز المنتقدين لحسني وقت أن ترأس الوفد الإسرائيلي بها خاصة مع جمود العلاقات الفكرية والثقافية بين تل أبيب والقاهرة، ويرتبط ليفانون بعلاقات وثيقة في اليونسكو أهلته للتواصل مع العديد من المندوبين وهروب الفرصة من حسنى، كما اعترفت بعض التقارير الصحفية في تل أبيب، وكان السفير الجديد من أبرز المنتقدين لتقرير غولدستون، بالإضافة إلى هجومه أكثر من مرة على تركيا بسبب مواقفها السلبية من إسرائيل. بقي أن نذكر أنّ الرئيس المصري طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي غض النظر عن مواقف حسني "المعادية" لإسرائيل، وعدم التآمر عليه، ووعده نتنياهو بقبول طلبه، إلا أنّه نكث بوعده ولعبت الدولة العبرية دوراً مهماً في منع فاروق حسني من تسلم المنصب، وحقيقة الأمر أنّ الخسارة لم تكن لحسني شخصياً، بل لنظام حسني مبارك، ولكنّ السيّد الرئيس واصل التعامل مع الإسرائيليين وكأنّ شيئاً لم يكن.
انسلاخ مصر عن الأمّة العربية
المتتبع للشؤون المصرية الداخلية يلاحظ نشوء تيارٍٍ معادٍٍ للناطقين بالضاد، لا بل أكثر من ذلك، هذا التيار قائم على مبدأ نفي عروبة مصر، يرغي ويزبد أركانه وأقطابه بمناسبة أو بغير مناسبة، ويقول بصراحة متناهية إنّ الأمّة المصرية هي أمّة فرعونية، لا صلة لها بالعرب من محيطهم إلى خليجهم، وهذا التيار يشكل خطراً إستراتيجياً أولاً وقبل كل شيء على مصر العروبة، مصر عبد الناصر، مصر التي كان لها الدور الريادي في الوطن العربي وفقدت دورها الإقليمي بسبب ارتمائها في أحضان محور الشر العالمي، بقيادة المحافظين الجدد واليمين المسيحي المحافظ في أمريكا، هذا الانبطاح المصري غير المبرر قاد هذه الدولة العظيمة، وهذا الشعب العريق إلى الحضيض الأسفل، وتحولت مصر، للأسف الشديد، بنظامها الديكتاتوري والشمولي من أم الدنيا، إلى دولة تستأسد على الفلسطينيين وتهددهم بأنّه إذا واصلوا تعنتهم في رفض العودة إلى طاولة المفاوضات مع حكومة الدولة العبرية، فإنّها سترفع أيديها عنهم. علاوة على ذلك، تشهد مصر صراعات طائفية بين المسلمين والمسيحيين الأقباط، وبدل أن يعمل النظام على وأدها وإصلاح ذات البين بين الطائفتين، يقوم بتأجيج هذه الصراعات التي تخدم مصالحه، ضمن سياسة فرّق تسد، وتخدم مصالح أسياده في واشنطن وتل أبيب، الذين لا يألون جهداً في محاولاتهم لتفتيت الأمّة العربية، وتحويلها إلى شعوب وقبائل وطوائف ومذاهب، لأنّ هذا التقسيم يصب في نهاية المطاف في مصلحة الإمبريالية العالمية والحركة الصهيونية، وبدل أن تتحول الدول العربية إلى ما يشبه دول الاتحاد الأوروبي، باتت مباراة كرة قدم بين منتخبي الجزائر ومصر تتحول إلى أزمة سياسية، وينبري وزير الإعلام المصري ويؤكد بشكلٍ قاطعٍ وجازمٍ على أنّ ما تعرض له المصريين في أم درمان، في السودان، قبل وخلال وبعد "معركة أم المعارك بين المنتخبين الشقيقين"، كان عملاً إرهابياً مدبراً ضدّ مصر والمصريين، وبالتالي لماذا نعتب على العالم عندما يُوجه للإسلام والعرب تهمة الإرهاب، عندما نحن، أبناء الأمّة العربية، نتهم بعضنا البعض بارتكاب أعمالٍ إرهابيةٍ خلال مباراة كرة قدم؟.
مسك الختام
إننّا نتوجه إلى الرئيس مبارك ونطالبه بأن يتخلى عن الفلسطينيين، كما يهدد ويتوعد: تخلّى عنهم، تجّرأ على فتح معبر رفح، أصدر الأوامر بوقف تشييد الجدار الفولاذي الذي سيُحوّل قطاع غزة من أكبر سجن في العالم إلى أكبر معسكر إبادة في القرن الـ21، توقف عن تهديد قادة حماس بأنّ إسرائيل ستصفيهم إذا لم يذعنوا لشروطها ويعيدوا الجندي الأسير، غلعاد شاليط.
الشعب العربي الفلسطيني، يا سيادة الرئيس، الذي ما زال صامداً أمام أعتى جيش في العالم، سيبقى عاتياً على العتاةٍ بدونكم، وبدون تخاذلكم وتواطئكم وتآمركم.