من أي منظور تكتب تقارير التنمية "العربية"؟../ نيفين مسعد

كان من المنطقي أن يرفض دكتور مصطفى كامل السيد المؤلف الرئيس لتقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2008 وضع اسمه على نسخة خضعت للحذف والتعديل دون استشارته، ولمبررات لا علاقة لها بالنواحي الأكاديمية.

فقد كان اسم دكتور مصطفى كامل سبباً رئيسياً من أسباب ترحيبي وأتصور ترحيب كل المشاركين ممن وجهت لهم الدعوة للكتابة في التقرير، فهو أكاديمي محترم وجاد وموضع ثقة على المستويين العربي والدولي.

وباعتباري مسؤولة عن كتابة إحدى الأوراق الخلفية التي اعتمد عليها دكتور مصطفى كامل في إعداد الفصل المحذوف من التقرير حول "صراعات الهوية" كمصدر لتهديد الأمن الإنساني العربي، يهمني توضيح النقاط التالية :

1- عندما صدر تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول في عام 2002، قوبل بحفاوة وترحيب دوليين وأمريكيين كبيرين لعلهما أحرجا المشاركين في التقرير، وكنتُ بينهم، بسبب التوظيف السياسي لمادته التي تضمنت معاناة الوطن العربي من فجوات ثلاث للحرية والمعرفة والتنمية الاقتصادية.

وتجلى هذا التوظيف كأوضح ما يكون في تأكيد مبادرة الشرق الأوسط الكبير على وجود الفجوات الثلاث المذكورة واقتراح سبل للتعامل معها. وفي كل مناسبة تطرقت فيها تصريحات الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ووزير خارجيته كولن باول ومن بعده كوندوليسا رايس إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول بالإشادة والإعجاب كان هناك حرص على التذكير بأن التقرير كُتب بأقلام عربية وبواسطة متخصصين عرب موثوقين. ثم عندما احتل العراق بذريعة تحريره من نظام مستبد كان يمكن الترويج أمريكياً لمنطق يقول: هانحن نتعامل مع إحدى أبرز الفجوات التي يعاني منها العرب.

الغريب في الأمر أنه عندما أُعِدَت مسودة تقرير التنمية الإنسانية العربية الثالث حول الحرية السياسية في الوطن العربي، فإنها خضعت لهجوم أمريكي شديد وصل لحد التهديد بوقف تمويل مشروعات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العالم. وهذا يتناقض بشدة مع التأكيد على وجود فجوة الحرية في الوطن العربي ومع الترحيب بالدور العربي في كتابة التقرير. وهكذا لم تصدر النسخة النهائية من تقرير الحرية في عام 2004 إلا بعد إدخال تعديلات صياغية عليه تقلل من أهمية الاحتلال الإسرائيلي كنقيض لمفهوم الحرية، وتخفف من الانتقادات الموجهة لسياسات الدول العربية الصديقة.

وهكذا يصير السؤال هو: أي مفهوم للحرية السياسية مطلوب للتطبيق؟ وأي وجهة نظر عربية مدعوة للتعبير عن نفسها؟

2- النقطة السابقة تضعنا في الجو العام لإعداد المجموعة الأولى من تقارير التنمية الإنسانية العربية التي انتهت في عام 2005. وعندما تم التخطيط لإصدار مجموعة جديدة من التقارير وعُهد بمسؤولية الإشراف على تحرير أول عدد منها للدكتور مصطفى كامل السيد، تضمن المخطط فصلاً عن صراعات الهوية. ويعكس هذا التضمين ما ذهب إليه تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم في عام 1994 حول العلاقة الوثيقة بين صراعات الهوية وبين تهديد الأمن الإنساني، وهي علاقة صحيحة. وذلك أنه منذ انتهاء الحرب الباردة أصبحت النزاعات الداخلية لا الخارجية هي المصدر الرئيسي لتهديد الأمن الإنساني. ويكفى أن نستحضر نماذج السودان والعراق و الصومال لكي نتأكد من صدق هذا القول.

وبذلك فإنه عندما يتم إلغاء الفصل الخاص بصراعات الهوية من التقرير فإن هذا يعني تجاهل أحد أبرز عوامل تهديد الأمن الانساني عموماً، والعربي خصوصاً في ظل ارتباط العرب أكثر من غيرهم بولاءاتهم الدينية والطائفية والقبلية واللغوية...إلخ.

ومن جهة ثانية فإن اقتطاع التقرير الجديد حالة دارفور وحدها، وضمها إلى الفصل الخاص بالدولة أمر مريب، فلماذا دارفور وحدها وليست أي بؤرة أخرى من بؤر نزاعات الهوية في الوطن العربي؟ وهل توجد علاقة بين إلغاء كل البؤر الأخرى عدا بؤرة دارفور وبين مذكرة المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو بتوقيف الرئيس عمر البشير؟

3- في تعليق دكتور مصطفى كامل السيد على تعديل التقرير دون مشورته ذكر بعض الحقائق عن خلفيات النقاش حول مسودات التقرير الأربعة. ومنها أن الاعتراضات الرئيسية على هذا الفصل جاءت من طرف الدول الخليجية التي هي أصلاً ليست موضع صراعات معلنة للهوية.

وكانت الورقة الخلفية قد قسمت الدول العربية إلى دول تتعايش هوياتها سلمياً، ودول تتراوح علاقة هوياتها ما بين تعايش وصراع، ودول يغلب الصراع على علاقة هوياتها، ووضعت الورقة كلاً من السعودية والكويت والبحرين ضمن الفئة الثانية من الدول التي تتعايش فيها الهويات وتتصارع لسببين: الأول هو خلل التركيبة السكانية في هذه الدول لصالح العمالة الأجنبية مقابل المواطنين، والثاني هو سوء إدارة العلاقة بين السنة والشيعة و تضخم نتائجها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

وبالتالي فعندما يأتي بعض دول الخليج ليعترض على الحديث عن صراعات الهوية، فهو إنما يريد صرف الانتباه عن الخطر الكامن المتعلق بالتوتر بين الجماعات المختلفة والذي ينذر في حده الأدنى بتهديد الاستقرار السياسي لتلك الدول، وفي حده الأقصى بتفكيكها إلى كيانات أصغر فأصغر. والمشكلة أن تجاهل هذا الوضع لا يصححه بل يفاقمه، لكن التصحيح مرتبط بتغيير في سياسات التشغيل وإدارة التنوع.

4- برر الأستاذ عادل عبد اللطيف رئيس قسم البرنامج المحلي ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بمكتب الدول العربية، برر حذف الفصل الخاص بصراعات الهوية بأن به "بعض المواد التي لم يتم توثيقها"، وأن "قيود الوقت وحدها" هي التي منعت البرنامج الإنمائي من العودة للدكتور مصطفى كامل. وهذا تبرير واه، أولاً لأن كافة الأوراق الخلفية التي اعتمد عليها التقرير اشترط فيها التوثيق الدقيق. ثانياً لأن المواد التي لا توثق تحذف هي لا يحذف بسببها فصل كامل مما يوضح أن الحذف سياسي وليس علمياً. ثالثاً كان هناك متسع من الوقت لمشاورة دكتور مصطفى إن أرادوا ذلك لأن الورقة الخلفية لصراعات الهوية سُلمت في يناير 2008. ولذلك كان من الأفضل لو قيل صراحة إنه حدث تراجع عن تناول صراعات الهوية بسبب حساسيتها السياسية بدلا من ادعاء نقص التوثيق.

***

أتصور أن أي باحث عربي عليه من الآن فصاعداً أن يعد للألف قبل أن يشارك في تقرير ينسب للعرب ويحرر من غيرهم. وخير للأمم المتحدة أن تواصل إصدار تقارير التنمية بإسهامات غربية تعكس رؤيتها الخاصة عن أن تطلب من العرب أن يتبنوا رؤيتها بإسهاماتهم.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص