هل لفتح قيادة واحدة، بقرار واحد ؟!/ رشاد أبوشاور

أسئلة كثيرة تشغل بالي منذ ما بعد ( أوسلو)، وبروز ما سمّي بالسلطة، ازدادت إلحاحاً بعد ( محاصرة) الرئيس عرفات، وظهور الصراع علنيّاً على وراثته، ووضع اليّد على قرارا حركة فتح، والهيمنة على قيادة السلطة.

بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعيّة والتي منح فيها شعبنا الفلسطيني في الضفّة والقطاع ثقته لحركة حماس، بهتت قيادات فتح السلطويّة، وردّت بشكل عصبي، عدواني، استفزازي، على خيار الشعب الفلسطيني. فقد سمعنا محمد دحلان وهو يصرّح بأنه من العار على فتح مشاركة حماس في حكومة وحدة وطنيّة، أمّا السيّد أبو الأديب الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، والذي زار الكويت مع رئيس السلطة أبومازن بعد الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة، فقد صرّح للصحافة الكويتيّة بأنه لا يوجد رجل من رجالات فتح يقبل بأن يكون الثاني بعد رجل من حماس! ( وزّع الزعنتون على أعضاء المجلس الوطني المتواجدين في عمّان صورة من المقابلة، واشتبكت معه في الجلسة بحضور مراسلي الصحافة العربيّة والفضائيّات).

لم نسمع أن قيادة فتح، لجنتها المركزيّة، وأطرها القياديّة في الأقطار العربيّة، والساحات الخارجيّة ( بما فيها ساحة الصين، والهند، وروسيا...) _ مصطلح الساحة قديم، وفتح تطلقه على تنظيمها بحسب البلد! _ اجتمعت وناقشت مجريات الانتخابات، ونتائجها، وأسباب هذه النتائج، وكيفيّة التعامل معها...

أوّد أن أعود إلى السؤال الهّام جدّاً، والكاشف لواقع حال فتح، وللمخاطر التي تتهدّد الشعب الفلسطيني، والقضيّة الفلسطينيّة: هل توجد قيادة لفتح، تتفاعل مع الأطر التنظيميّة للحركة، وتنقل توجهاتها بعد بلورتها إلى الشعب الفلسطيني، قيادة تقود فتطاع، قيادة مركزيّة قراراها ينفّذ بعد أخذه ؟!

دعوني أذكّر بأن ما بقي من اللجنة المركزية، القيادة المؤسسة ( التاريخيّة) لحركة فتح، هم ثلاثة فقط: ـ أبواللطف، أبومازن، أبوماهر غنيم، وهؤلاء بينهم إثنان مختلفان، هما أبو اللطف وأبومازن، والصراع بينهما معلن، وتتناقله الصحافة، والفضائيات، ومنشور في بيانات، ومقابلات صحفيّة...

أعضاء اللجنة المركزيّة غير التاريخيين، أمثال هاني الحسن، قريع، محمّد جهاد، عبّاس زكي، ومن أضيفوا بعد أوسلو: صائب عريقات، الآغا، لم يتمكّنوا من تشكيل قيادة، واستمدّوا قوّتهم من عرفات، وبقدر تقريبه لأي واحد منهم، أو نبذه...

كان عرفات هو القيادة: اللجنة المركزيّة، القائد العام، رئيس اللجنة التنفيذيّة، رئيس السلطة، المسؤول المالي مطلق الصلاحيّة..الخ، وما بقي من ( قيادات) فهم ليسوا سوى منفذين، أو مستشارين...

بعد أوسلو، وبروز السلطة، أسست أجهزة الأمن، وباتت بسرعة قصوى هي السلطة من حيث تحكّمها بحياة الناس، والدعم الذي ظفرت به من عرفات، وما سمّي بالتنسيق مع الجهات الأمنيّة الأمريكيّة و( الإسرائيليّة )، وهي تبعيّة وليست تنسيقاً...

تلقى (قادة) الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة دورات قيل أنها تدربيّة في أميركا، على أيدي ضبّاط الCIA، وزوّدوا بشبكة أجهزة تقنيّة تربطهم بزملائهم في الموساد، ومن هنا استمدّوا قوّتهم...

أجهزة أمنيّة في وطن غير محرّر، لشعب مقاوم، بعض أبنائه وبناته يحملون السلاح ويقاتلون ( وفي مقدمتهم أبناء وبنات فتح )، مهمتها رسمت، ولم تكن أولوياتها حماية أمن الوطن والمواطن!

من يرغب في معرفة دور هذه الأجهزة يمكنه العودة إلى اتفاقات أوسلو، وملحقها الأمني _ الفضيحة، ليرى كيف رسم دور السلطة وأجهزتها.

في مناطق السلطة، وهي سلطة بلا سيادة، حرصت الأجهزة ممثلة بقادتها، على تقديم نفسها بما يرضي أميركا وشريكتها في السلام (إسرائيل). تورّمت أجهزة الأمن، ودبّت الصراعات بين رؤوسها على الامتيازات _ صراعات الرجوب دحلان _ والاستئثار بالميزّات، والمكاسب، ونيل الرضى، وبات بعض هؤلاء هم مراكز القوة، وبخّاصة بعد احتجاز الرئيس عرفات في المقاطعة برام الله.

لم يخضع هؤلاء لأوامر قيادتهم السياسيّة، لأن هذه القيادة لم تعد موجودة، هي التي استمرأت مصادرة قراراها من ( عرفات، والتي لم تعمل على بناء تنظيم فتح في أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، واكتفت بالوجاهة، والتزلّف للقائد الرمز الذي اختصر كلّ الصلاحيات في شخصه، وأمسك بكّل الخيوط بين أصابعه...

يجب أن لا تغيب عن بال أي مواطن فلسطيني، فصول الصراع بين عرفات وأبي مازن على الصلاحيّات، واضطرار أبومازن للاستقالة من رئاسة الوزراء _ يمارس أبومازن مع الحكومة ( الحماسيّة) المنتخبة شرعيّاً، نفس ممارسات عرفات، ويمعن في الاستعداء عليها عربيّاً ودوليّاً _ وانقلاب قادة الأجهزة على رئيسهم ( الأب القائد) كما كانوا يصفونه ويخاطبونه بعد أن أغرقهم ب( نعمه) مالاً ومناصب...

رحل عرفات مسموماً، فأداروا ظهورهم لجثمان الأب، ولم يتّهموا القاتل الحقيقي _ الاحتلال، وشارون، وإدارة بوش التي أباحت حياة عرفات، وباركت سجنه وحصاره _ وانهمكوا في الصراع على ( الوراثة). عندما نصّب ( أبومازن) رئيساً، روّج بعض قادة الأجهزة أنه ليس سوى ( مرحلة) وأنه رئيس لفترة محدودة...

أين قيادة حركة فتح، الحركة التي تقود الشعب الفلسطيني، وهل هي موجودة، ومن هي؟
كل هذه الأسئلة وغيرها توصلنا إلى نتيجة لا لبس فيها : لا توجد قيادة مركزيّة لحركة فتح، فالقادة التاريخيّون الثلاثة لا يجتمعون، واللجنة المركزية ما بعد التاريخيّة، لا يجمعها جامع، والصراعات على المكاسب، والمواقع بين أعضائها، والتقلبّات في المواقف السياسيّة يتندّر بها شعبنا...

قيادة فتح الفاعلة، هم قادة الأجهزة الأمنيّة، وهؤلاء هم الذين يحرّضون قواعد فتح بإثارة العصبويّة، والحقد، واللعب بالسلاح...
ولنتذكّر أن أجهزة الأمن هذه، وقياداتها، قد وجدت بعد أوسلو، وأن الفلتان الأمني، واستباحة حياة الفلسطينيين في الضفة والقطاع، استشرت، وأن هؤلاء لم يضعوا حدّاً للفلتان، ولم يصونوا الأمن، ولا قاموا بواجبهم الوطني، وهنا نستذكر مشهد اقتحام جيش الاحتلال لقلعة الأمن الوقائي في رام الله، والاستيلاء على الرشاشات الثقيلة، والاربيجيهات، والملفات الأمنيّة، وأسر المعتقلين الذين كانوا في زنازين جبريل الرجوب !...

في المشهد، على الفضائيات، نسمع ونرى : الرجوب، دحلان، والمشهراوي..فأين قيادة فتح، أين صوت التنظيم، أين اللجنة المركزيّة ؟

رّد فعل ( فتح) على نتائج الانتخابات التشريعيّة، وخيار الشعب الفلسطيني، هو رّد أمني، فلا تحليل سياسي، ولا إعادة نظر في واقع الحركة، ولا تأمل في الأسئلة المطروحة...

ماذا يريد هؤلاء بردّهم الأمني، بتحشيد الأجهزة ؟ بتسليحها ؟ على أين يغامرون بشعبنا وبقضيتنا ؟
هل يمكن لقواعد فتح أن تستيقظ وتستعيد قيادة الحركة، ودورها، وتجددها؟!

ثمّ أطرح هذا السؤال على أبناء وبنات شعبنا، وعلى المثقفين بخّاصة : هل الصراع هو بين حماس وفتح، أم انه بين شعبنا وقواه الحيّة وبين الخارجين على خياره ؟!
إلى اللقاء...

الجمعة 26 أيّار 2006

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018