كشف حريق الكرمل عن بيروقراطية الدفاع المدني الإسرائيلي ومحدودية إمكانياته، لينجلي، (مرة أخرى)، الفارق بين المُضَخَم والفعلي في قدرات الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لنكون مجدداً أمام هيجان داخلي إسرائيلي، وإندهاش خارجي. والسؤال: ترى هل كان هذا الهيجان وذاك الإندهاش ليكونا، وبذات الحدة، لو أن الأمر تعلق بدولة غير دولة إسرائيل؟؟!! أعتقد أنهما لم يكونا ليحصلا، وفي أقله لم يكونا بذات الحدة، أما لماذا؟؟
في الإجابة، فإنه فضلاً عن سبب وجود نظام إسرائيلي يسمح بإجراء تحقيقات تسائل وتحاسب حتى أعلى رأس في الهرم السياسي والعسكري والأمني، فإن هنالك سبباً آخر لهذا الهيجان وذاك الإندهاش وحدتهما، هو في الواقع أبعد وأعمق، ويتعلق بما في الوعي من تطرف، يصل درجة الخرافة و"الأسطرة"، حول كافة جوانب القدرات الإسرائيلية، وليس حول قدرات "الجبهة الداخلية" ودفاعها المدني فقط. وهذا ما يفسر حدة الهيجان الداخلي الإسرائيلي، وإعتبار انكشاف بيروقراطية الدفاع المدني ومحدوديته، دلالة على كذب ادعاء الجهوزية الأمنية الإسرائيلية في حالات الحرب، وهي الجهوزية التي "انكشف طابقها" في غير محطة مفصلية، بدءاً بحرب عام 1973، مروراً بالعدوان على المقاومة الفلسطينية واللبنانية عام 1982، عرجاً على الإنتفاضة الشعبية الفلسطينية الكبرى عام 1987، وصولاً إلى محطة العدوان على لبنان في صيف 2006، وما تلاه من مواجهة مع المقاومة اللبنانية التي كانت بمثابة مطرقة توجت كسر "جوزة" الوعي الخرافي حول القدرات الإسرائيلية وقوة ردعها التي ضخمها الإنتصار الإستثنائي عام 1967، ولعب دوراً أساسياً في "أسطرتها" لدى طرفي الصراع، عبر تضخيم قدرة المنتصر، وتقزيم قدرة المهزوم، فبينما أُصيبت القيادات الإسرائيلية، (المشحونة أصلاً بعنصرية التفوق الخرافي)، بـ"الثمالة" جراء هزيمة ثلاث جيوش عربية، والإستيلاء في ساعات على ثلاثة أضعاف الأراضي التي جرى الإستيلاء عليها عام 1948، فقد أفضت هزيمةُ النظام الرسمي العربي في تلك الحرب إلى "بلْعِ" مقولة أن "الجيش الإسرائيلي لا يقهر"، كخرافة سكنت في وعي غالبية القيادات الرسمية العربية.
كان يمكن استيعاب تضخيم القدرات الإسرائيلية لو لم يجرِ دحض هذا التضخيم بالوقائع مثنى وثلاث ورباع، وما عجز "الجبهة الداخلية" ودفاعها المدني عن مواجهة حريق الكرمل سوى دحض آخر، أما ظاهرة إستمرار هذا التضخيم، عند الإسرائيليين والآخرين، فمسألة يصعب تفسيرها إلا بإعتبارها شكلا متطرفا مِن أشكال فرض الوهم على الواقع، وتحويل نتائج حدث إستثنائي، (إنتصار عام 1967)، إلى قانون ذهني عام مفروض على الواقع، تجلت خرافيته مرة أخرى في هيجان الإسرائيليين وإندهاش الآخرين جراء واقعة حريق الكرمل وعجز الدفاع المدني الإسرائيلي، لولا المساعدات الخارجية، عن مواجهته.
على الأغلب أن يقود "كشف طابق" "الجبهة الداخلية" الإسرائيلية وعجزها عن مواجهة حريق الكرمل، إلى تشكيل لجنة تحقيق أخرى، على غرار تشكيل "لجنة اغرانات" إثر حرب 1973، وتشكيل "لجنة فينوغراد" إثر عدوان صيف 2006 على لبنان، لكن من المؤكد أن لا تفضي هزة حريق الكرمل، كما لم تفضِ كل الهزات التي سبقتها، إلى مراجعة إسرائيلية أعمق وأشمل، تصل إلى تقييم قيادي سياسي واقعي، أعني لا خرافي، يجيب على سؤال: إلى أيّ مصير مجهول مهول تقود قيادات إسرائيل المسكونة درجة "الأسطرة" بعوامل قوتها العسكرية، مواطنيها، قبل باقي شعوب المنطقة؟؟!! وكذا، فإن من المؤكد أن لا تفضي هزة حريق الكرمل، كما لم تفضِ الهزات التي سبقتها، إلى مراجعة رسمية عربية أعمق وأشمل، تصل إلى تقييم واقعي، مرة أخرى لا خرافي، يشخص بواقعية المقدار المُقزّم في القدرات العربية، والمقدار المُضخَم في القدرات الإسرائيلية، لكي لا يبقى التكامل الموضوعي بين هذا التقزيم وذاك التضخيم، ويتلاقى، على اختلاف المنطلقات، في إعاقة وضع حدٍ لعنجهية القيادات الإسرائيلية التي منعت، وما زالت تمنع، إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية للصراع.
قصارى القول، دون مراجعة واقعية لعوامل القوة على طرفي الصراع، سيبقى الشعور الخرافي بالعجز مغذيا للشعور الخرافي بالتفوق، والعكس صحيح، لتكون نقطة التلاقي الموضوعي، بصرف النظر عن اختلاف النوايا، في استمرار منطلقات يغئال آلون عام 1967 للتسوية السياسية، منطلقات إسرائيلية ثابتة ومعتمدة، وهي:
1: "أن الحروب تخلق واقعا سرعان ما يُعترف به، فلو أن إسرائيل سمحت لجيشها عام 1949 باحتلال كامل الضفة الغربية "لما كان يخطر ببال أحد الآن أن يدّعي ضد حق إسرائيل بالبقاء في المدينة القديمة أو الخليل أو نابلس".
2: "إذا كان لا بد من خلافات في الرأي بيننا وبين واشنطن بشأن مستقبل المناطق التي نحتفظ بها، فمن الأفضل أن تنشب هذه الخلافات من خلال إعتراضهم على سياستنا، وليس نتيجة إعتراضنا على آراء متبلورة لديهم، لئلا تختلط مشكلة الهيبة في مجمل الإعتبارات".
3: "فكما أنه لا يمكن الانتصار في الحرب بدون معارك، لا يمكن كذلك الانتصار في نضالنا السياسي حول المناطق بدون فرض حقائق استيطانية. فبما أن توازنات سياسية تفرض علينا أن لا نعلن عن تصريحات ضم مطلق، إلا أن عملية استيطان واسعة النطاق لا تحتاج إلى تصريحات ضم".
4: "تثبيت الحدود الإسرائيلية مع الدول العربية المجاورة (مصر والأردن وسوريا) بحيث تكون حدوداً يسهل الدفاع عنها، وتحول دون تعاون الفلسطينيين (مستقبلا) مع تلك الدول من أجل اي عدوان على إسرائيل".
6: "عدم المس بحق الشعب اليهودي التاريخي في استيطان أرض إسرائيل".
ذلك يعني أن القيادات الإسرائيلية كانت، وما زالت، مسكونة بوهم تصفية القضية الفلسطينية، فيما غذى العجزُ الرسمي العربي هذا الوهم. وهذا وذاك لم يكن ليكون لولا تطرف النصر والهزيمة الإستثنائي في حرب عام 1967، وفرضه كقانون عام، بما يخالف حقيقة أن المعرفة حصيلة تأثير الواقع في الفكر، ويرتبط تطورها بالممارسة، وتقاس صحتها بمدى اقترابها من الواقع، وتبلغ ذروتها عند تطابقها معه. أما عندما يصار لفرض المعرفة على الواقع، وكأنها الواقع، فذلك هو منبع الخرافة التي إحترقت في حريق الكرمل.