السكان العرب في المدن المختلطة/ د. رائد غطاس

السكان العرب في المدن المختلطة/ د. رائد غطاس

مقدمة:
يهدف هذا المقال الى استعراض وضع السكان العرب في المدن المختلطة، وأنا أسميه مقالا وليس دراسة أو بحثا لأنه لا يرتقي الى مستوى البحث الأكاديمي من ناحية صياغته وعدم تصنيف المعطيات حسب جداول ورسوم بيانية كما ينبغي في الأبحاث العلمية، لكني ارتأيت أن أسجل في هذا المستند حقائق هامة حول التركيبة السكانية في المدن المختلطة. وبرأيي هذا الموضوع غاية في الأهمية ويجب أن يستحوذ انتباه ورعاية واهتمام قيادة الجماهير العربية في الداخل.


تجدر الإشارة إلى النقص الشديد في المعلومات والأبحاث عن المدن المختلطة، وقد اعتمدت في هذا المستند على المعطيات الشحيحة وغير الدقيقة لدائرة الإحصاء المركزية، وعلى بعض الأبحاث القليلة التي تطرقت لهذا الموضوع منها: المركز العربي للتخطيط البديل ومركز الحكم المحلي ومبادرات صندوق ابراهيم ومنظمة "شتيل"، وبالأساس إلى معلومات قمت بتجميعها بجهود ذاتية خاصة في مدينة "نتسيرت عيليت" بعد انتخابي كعضو في بلديتها منذ سنتين ونصف. وأنا فخور بأن هذه المعلومات رغم شحتها كانت عاملاً مساعدًا للعديد من طلابنا في الجامعات الذين اختاروا المدن المختلطة والسكان العرب فيها كموضوع لأبحاثهم في دراستهم الأكاديمية حيث قمت بتزويدهم بها. إني أطمح أن يكون هذا المقال محفزًا للعديد من أكاديميينا لأخذ موضوع المدن المختلطة كموضوع رئيسي في أبحاثهم للحصول على الألقاب الأكاديمية المختلفة.


المدن المختلطة

مصطلح "المدن المختلطة" يتطرق إلى المدن التي تعيش فيها أقلية عربية إلى جانب أكثرية يهودية، وحسب دائرة الإحصاء المركزية هنالك 8 مدن مختلطة: القدس، عكا، حيفا، تل أبيب – يافا، الرملة، اللد، "معالوت"-ترشيحا، و"نتسيرت عيليت"، يعيش في القدس الشرقية أكثر من 269,000 نسمة من السكان العرب، نحن بالطبع لا نعترف بضم القدس العربية، وبالتالي لا نعترف بهم كمواطنين في إسرائيل لذلك لا نتعاطى مع القدس كواحدة من مجموعة المدن المختلطة.

ينبغي تقسيم المدن المختلطة إلى مجموعتين: المجموعة الأولى المدن العريقة (القديمة أو الأصلية) ومعظم السكان في هذه المدن من المواليد الأصليين وهي خمسة: عكا، حيفا، تل أبيب – يافا، الرملة واللد. والمجموعة الثانية هي مدن مختلطة جديدة مثل "نتسيرت عيليت" و"معالوت"-ترشيحا.
 

يشكل السكان العرب في إسرائيل حوالي 20,5 من مجموع السكان، عدد العرب 1,587,000 نسمة من أصل 7,746,000 مواطن. بحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزيةـ السكان العرب في المدن المختلطة موزعون حسب الترتيب التالي:


عكا: 13,200 عربيما يعادل 28% من مجمل السكان – 47100 نسمة * حيفا: 27,100 عربي ما يعادل 10% من مجمل السكان – 271,000 نسمة * تل أبيب – يافا: 17330 ما يعادل 4,30% من مجمل السكان – 403,000 نسمة * الرملة 15,130 عربي ما يعادل 23% من مجمل السكان – 65,800 نسمة * اللد 17,400 عربي ما يعادل 25% من مجمل السكان – 69,600 نسمة * "نتسيرت عيليت" 8,100 عربي ما يعادل 18,5% من مجمل السكان – 43,600 نسمة * "معلوت" ترشيحا 4,660 ما يعادل 22% من مجمل السكان 21,200 نسمة.

تجدر الإشارة إلى أن الأرقام المذكورة أعلاه (حسب دائرة الإحصاء المركزية) غير حقيقية فالأعداد الحقيقية للسكان العرب في هذه المدن أعلى بكثير من المعطيات الرسمية، وهنالك ازدياد ملحوظ في أعداد السكان العرب الذين يتوجهون للسكن في هذه المدن في السنوات الأخيرة، وحسب بعض التقديرات هنالك حوالي 50 ألف مواطن عربي يقيمون اليوم في مدن يهودية غير معرفة كمدن مختلطة. على سبيل المثال في كرميئيل (64100 نسمة) وبئر السبع (185,400 نسمة) حسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية لا تتعدى نسبة السكان العرب 1,5% وتبلغ في كلتيها معًا حوالي 3,500 نسمة بينما الأعداد الحقيقية أعلى من ذلك بكثير، حيث تشير التقديرات على سبيل المثال أن نسبة السكان العرب في كرميئيل هي في الواقع حوالي 10% من سكان المدينة أي (حوالي 4500 نسمة). كذلك، حسب بعض التقارير، هنالك عائلات عربية كثيرة انتقلت للإقامة في بلدات مثل بيت شان (بيسان) وعتليت وبئر السبع وعرب القدس وغيرها.


إن الأرقام الرسمية الواردة لا تعبر عن الحجم الحقيقي للظاهرة نظرًا لأن عائلات عربية كثيرة تحافظ على التسجيل في عنوان السكن الأصلي لأسباب متعددة: مثل إمكانية إرسال أولادهم الى مؤسسات تربوية في البلدة الأصلية، في ظل انعدام أطر تعليمية ملائمة في البلدات المختلطة أو للمحافظة على حق التصويت في انتخابات السلطة المحلية في البلدة الأصلية وذلك لارتباطات عائلية أو طائفية وما شابه.
 

تجدر الإشارة أيضًا الى أن الكثير من هذه المدن تتحول الى مراكز لقضاء أوقات الفراغ والترفيه والتجارة والاستهلاك للسكان العرب، ونجد أن العديد من المبادرين والمستثمرين وأصحاب المصالح التجارية العربية يقيمون مصالحهم التجارية في هذه المدن.

السكان العرب في نتسيرت عيليت

أود في هذه الفقرة التطرق مع بعض التفاصيل للسكان العرب في نتسيرت عيليت.
أقيمت نتسيرت عيليت في النصف الثاني من سنوات الخمسين وذلك تتويجًا لحلم بن غوريون بإقامة مدينة يهودية في قلب الجليل وبالذات قرب مدينة الناصرة عاصمة الجماهير العربية. كما يعلم الجميع أقيمت نتسيرت عيليت على أراضي مدينة الناصرة وقرى عين ماهل، كفركنا، الرينة والمشهد حيث صودرت هذه الأراضي عنوة عن أهلها.

يبلغ عدد السكان في نتسيرت عيليت حوالي 50,000 نسمة وحسب تقديراتنا خلافًا لما جاء في معطيات دائرة الإحصاء المركزي يسكن المدينة حوالي 12,500 عربي أي ما يعادل 25% من السكان، قسم منهم حوالي 2500 لم يغيروا مكان تسجيل السكن في دائرة تسجيل السكان في وزارة الداخلية، ويعود ذلك برأينا لعدة عوامل أولها عدم الاكتراث، وثانيًا الإصرار على إبقاء التسجيل في أماكن السكن الصلية، وذلك من أجل الانتخاب والتصويت والتأثير في الانتخابات البلدية وخاصة في حالة الناصرة. وأنا أنتهز هذه المناسبة لأدعو جميع السكان العرب القاطنين في المدينة الى نقل التسجيل الى عنوان "نتسيرت عيليت" حتى تتسنى لهم المشاركة في الانتخابات البلدية القادمة، وهذا أمر هام من أجل تعزيز وحدتنا وزيادة تمثيلنا وبالتالي تأثيرنا في المجلس البلدي.
 

والسؤال الأساسي الذي يطرح هنا ما هي الأسباب والعوامل التي حدَت بالمواطنين العرب لانتقال للسكن في نتسيريت عيليت؟
برأيي هنالك عدة عوامل لذلك:
 

1. قسم كبير من المواطنين السكان الأصليين الذين كانوا يقطنون حي الكروم (كرميم) والذي كان يتبع لنفوذ قرية الرينة ومدينة الناصرة وضم لاحقًا لنفوذ نتسيرت عيليت حين تأسيسها وبدء البناء فيها على الأراضي المحاذية لهذا الحي. ونحن نؤكد في هذا السياق أن نتسيرت عيليت هي التي جاءت إلينا أي إلى السكان العرب منذ البداية وليس العكس.


2. القسم الثاني من السكان العرب الذين انتقلوا للعيش في نتسيرت عيليت (وهذا هو القسم الأكبر من السكان) فعلوا ذلك بسبب الضائقة السكنية وشح أراضي البناء في المدن والقرى العربية المجاورة.


3. القسم الثالث ويضم فئة اجتماعية من المثقفين (أطباء، محامين، مهندسين، أدباء ومثقفين آخرين) ذوي قدرات اقتصادية عالية نسبيًا الذين بحثوا عن مستوى حياة أعلى. ووجدوا مبتغاهم في مدينة عصرية مثل نتسيرت عيليت ولا شك أن مستوى التعليم والثقافة في نتسيرت عيليت بشكل عام قد ارتفع بفضل انتقال هذه الفئة للسكن في المدينة.


4. القسم الرابع والأخير هو قليل نسبيًا لكنه مهم خاصة أنه شبه منسي. وهذا القسم يشمل بالأساس جمهور نساء من الأرامل والمطلقات والأمهات المعيلات الوحيدات في العائلة، وقد اخترن السكن في نتسيرت عيليت ليكن مستقلات وبعيدات عن التدخل العائلي في أحياء السكن الأصلية. وتجدر الإشارة الى أن هذا القسم من السكان يتطلب رعاية وعناية خاصة حيث توجد مشاكل اقتصادية واجتماعية جمّة.

بالرغم من كون نتسيرت عيليت مدنية مختلطة حسب التعريف الرسمي ولكن حتى يومنا هذا لا يوجد في المدينة مدرسة عربية واحدة، ولا يوجد أماكن عبادة للمسيحيين والمسلمين، ولا يوجد مقابر لدفن الموتى. السكان العرب في المدينة يعانون الأمرين من التمييز والعنصرية. في حي الكروم (كرميم) والحي العربي: الشوارع ضيقة، لا يوجد بنى تحتية، هنالك بيوت جميلة ولكن دون مجاري، لا توجد خدمات بلدية بمستوى عالٍ كباقي الأحياء بالرغم من أن المواطنين يسددون الضرائب البلدية مثل باقي السكان ولكنهم لا يحصلون على الخدمات البلدية الممنوحة لمجمل السكان. هنالك نقص حاد في المراكز التربوية للسكان العرب في المدينة مما يرغم السكان العرب خاصة الشباب ممارسة هواياتهم وأعمالهم الثقافية، التربوية والرياضية في الناصرة والقرى المجاورة.

كل هذه القضايا تشكل الأساس لبرنامج القائمة المشتركة- قائمتنا العربية التي تناضل من أجل تقديم الحلول لهذه المشاكل. وأنا لن أتطرق في هذه العجالة لأهمية الوحدة والنتائج الطيبة التي حققتها هذه التجربة الرائدة والخاصة وأهمية تعزيزها في المستقبل مما سيؤدي بالتأكيد الى نتائج أفضل لصالح السكان العرب في المدينة، وسنؤجل ذلك ربما لمقال آخر في المستقبل.

الخصائص والتحديات المركزية للسكان العرب في المدن المختلطة


من الطبيعي أن تكون الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية لدى السكان العرب في المدن المختلطة أفضل نسبيًا من أوضاع باقي السكان العرب في إسرائيل وذلك نظرًا للسكن في مدن مركزية، بعضها في قلب الدولة والتجمعات السكنية الكبرى (تل أبيب-يافا، اللد والرملة). لكن النتائج تشير الى أنه لا توجد فوارق واضحة بين هؤلاء السكان وعموم السكان العرب حيث تشير معظم الأبحاث الى حقيقة مؤلمة إذ أنه أكثر من 90% من البلدات العربية حسب دائرة الإحصاء المركزية تتواجد بصورة منهجية في العناقيد الثلاثة الدنيا من السلم الاجتماعي الاقتصادي للبلدات في إسرائيل، بكلمات أخرى السكن في المدن المختلطة لم يحسن من أوضاع المواطنين العرب، لا بل أدى في بعض الحالات (خاصة في المدن المختلطة العريقة) إلى تدهور في بعض المقاييس بالمقارنة مع عموم السكان العرب في إسرائيل.


السكان العرب في المدن المختلطة يقطنون مدنا كبيرة يُفترض أن توفر لهم موارد اقتصادية وفرص تطوير. وفي الواقع فإن غالبية هؤلاء السكان يقيمون في أحياء قديمة داخل هذه المدن حيث مستوى البنى التحتية فيها متدنٍّ وذلك بسبب سياسة التمييز المركزية القطرية والبلدية المحلية حيث لا يتم توجيه الموارد للتطوير، وينعدم الاهتمام بالثقافة والتربية، وكل ذلك بسبب انتمائهم القومي. هناك نقص شديد في المؤسسات التربوية للسكان العرب، ومن جهة أخرى فإن العديد من الأطر التعليمية تتحول إلى أطر مختلفة فعلاً، بدون إعطاء تأهيل وأدوات ملائمة للطاقم التربوي وبدون تمثيل لائق في هذا الطاقم، ففي يافا مثلاً هناك 15 بستانًا رسميًا تعمل في طواقمها نساء يهوديات فقط، مع العلم أن عدد الأولاد العرب واليهود شبه متساوٍ.
 

إن الخرائط الهيكلية والعامة لا تأخذ بعين الاعتبار التكاثر الطبيعي للسكان العرب، كما أن مقترحات التخطيط لا تراعي احتياجاتهم، فنجد أن الكثير من السكان العرب يسكن برسوم "خلوّ رجل" ويمنعهم القانون من توسيع بيوتهم. وهناك أحياء كاملة غير معترف بها في المدن المختلطة (مثل حي بربور في عكا، وبيارة شنير في اللد، وبيارة أبو سيف في يافا وحي القطار في الرملة) وتنقصها الخدمات البلدية الأساسية. وبالطبع هنالك بيوت كثيرة بنيت فيها بدون الحصول على رخص بناء رسمية، وبالتالي فإن أصحابها يواجهون خطر أوامر الهدم.


تنتهج السلطة المركزية سياسة توطين موجهة تؤثر بالتالي على ترتيب سكان المدن المختلطة، وتزيد من الاحتكاكات والتوتر بين اليهود والعرب وبالتالي تؤجج العنصرية، فقد تم توطين أعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من الاتحاد السوفييتي سابقًا في هذه المدن. ويتميز هذا الجمهور بمواقفه العدوانية من السكان العرب.


لقد أقيمت عدة مدارس يهودية في المدن المختلطة بمبادرة وتشجيع السلطات المحلية وذلك منذ إخلاء المستوطنات من قطاع غزة في صيف عام 2005، وهاكم بعض الأمثلة: مجموعة "أومتس" في مدينة عكا، نواة "عميحاي" في اللد، نواة "الرأس اليهودي" في مدينة يافا، وأخيرًا وليس آخرًا مستوطنو "غوش قطيف" الذين أتى بهم رئيس البلدية الى مدينة "نتسيرت عيليت" مؤخرًا. إن التصرفات التي ترتكبها والنشاطات التي تقوم بها هذه المجموعات الدينية تؤجج الكراهية والعنصرية وتزيد من حدة التوتر المتفاقم أصلاً في هذه المدن.

الخلاصة:


يستخلص من المعلومات المذكورة أعلاه أن السكان العرب في المدن المختلطة هم جزء هام وَحَي من شعبنا العربي الفلسطيني في الداخل. وهم يعانون الأمرّين من التمييز المضاعف: تمييز على مستوى قطري من السلطة المركزية، وتمييز على مستوى محلي من السلطة البلدية المحلية. كل ذلك يتطلب إعارة الاهتمام الخاص من قبل قيادة الجماهير العربية في الداخل وعلى رأسها الأحزاب السياية ولجنة المتابعة العليا حيث يجب رسم استراتيجيات عمل وتخطيط تكون أساسًا للكفاح ضد هذا التمييز على مستوى السلطتين المحلية والمركزية.











 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018