البحر هو البحر والعرب هم العرب!../ نواف الزرو

البحر هو البحر والعرب هم العرب!../ نواف الزرو

في الوعي السياسي الصهيوني المبلور عبر الأجيال على مدى أكثر من ستة عقود من الزمن، أن الصراع مع العرب وجودي ومفتوح، وأنه بدأ منذ اكثر من مائة عام، وقد يستمر مائة عام اخرى، حتى يستسلم العرب ويعترفون بعجرهم عن تسلق الجدار الفولاذي الجابوتنسكي، والسياسات الصهيونية بنيت على ذلك، وما تزال، فمن وجهة نظرهم"ان البحر هو البحر وان العرب هم العرب"، وقد استحضر نتنياهو هذه المقولة الشهيرة التي كان أطلقها اسحق شامير عشية مؤتمر مدريد، للإشارة إلى ان العرب في عداء أبدي مع الصهيونية ولن يتغيروا، وذلك في كلمته الاستذكارية لشامير الذي توفي في منتصف تموز الجاري، وكان شامير قد أضاف حينئذ انه "سيجعل المفاوضات تستمر عشر أو عشرين عاما"، ولم تخيب الأحداث والتطورات السياسية توقعات شامير، فالمفاوضات تستمر منذ أكثر من عشرين عاما، دون أن تثمر عن شيء حقيقي في سياق التسوية المروج لها وقد بقي البحر هو البحر، أما بالنسبة للعرب، فإن كان شامير قصد الأنظمة والسياسات الرسمية العربية، فقد انتقلت على نحو لم يخطر ببال مؤسسي الصهيونية، من سياسة ومواقف اللاءات للصهيونية، الى سياسة ومواقف النعمات لها، ولكن إن كان شامير يقصد الشعوب العربية، فقد أصاب، ولم يخب ظنه.

وفي تفاصيل المشهد السياسي الصراعي المستمر مع المشروع الصهيوني، فالواضح الملموس اننا أمام خطين متوازيين لا يلتقيان على الاطلاق: "خط المفاوضات والسلام"، و"خط التطبيقات والإجراءات الصهيونية على الارض" التي تنسف بمنتهى القسوة كل شعارات ومؤتمرات وفعاليات السلام المزعوم، فالمفاوضات والمؤتمرات شيء، وما يجري على الارض من حروب صهيونية وصلت مؤخرا الى مستوى تراثي وتاريخي شيء آخر.

فهذه هي السياسة الصهيونية في جوهرها، تطلق العنان لكل شعارات ولقاءات وقمم السلام الثنائية أو الثلاثية او الرباعية مع العرب، في الوقت الذي لا يتوقف فيه البلدوزر عن بناء "حقائق الامر الواقع" الاستيطاني التهويدي الإلحاقي على الارض، التي لا يمكن لأي تسوية سياسية أن تخلعها على الاطلاق من جهة، ولا يتوقف فيه ايضا عن التجريف والتخريب والهدم الشامل لمقومات الصمود والبقاء الفلسطيني وللبنى التحتية الاستقلالية الفلسطينية من جهة ثانية.

وفي قصة السلام الاسرائيلي كان حنان كريستال، معلق الشؤون الحزبية في الإذاعة والتلفزيون الاسرائيلي باللغة العبرية قال "لو قام ابو مازن بتقديم رؤوس قادة حماس والجهاد الاسلامي إلى اولمرت-في عهده- على طبق من فضة، فإن الأخير غير قادر على التقدم خطوة حقيقية واحدة في اتجاه التوصل لتسوية القضية الفلسطينية"، وكان جدعون ليفي المحلل في "هآرتس" قد كتب حول هذه الحقيقة تحت عنوان: "إسرائيل لا تريد السلام" يقول: "حانت لحظة الحقيقة، وهذا يجب أن يقال: إسرائيل لا تريد السلام، انتهت ترسانة الذرائع، مخزن الرفض بات فارغا، وإذا كان ممكنا حتى وقت أخير مضى القبول بالكاد لجملة حجج وشروط إسرائيل "لا شريك" و"لم يحن الوقت"، فإن الصورة الناشئة الآن لا تدع أي مجال للشك، فقناع إسرائيل المحبة للسلام تمزق تماما، ومن الآن فصاعدا يقال: لا مُحبة ولا سلام"، فـ"إسرائيل والسلام خطان مستقيمان لا يلتقيان" كما يؤكد الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل في "هآرتس"، ويضيف: "النظر الى الوراء يشير الى أننا -أي إسرائيل- نتدبر أمورنا منذ عام 67 من دون السلام مع سوريا، أو لبنان أو الفلسطينيين، وهذا دون أن نحصي السنوات التي سبقت الاحتلال، إذن فلماذا نغير عاداتنا؟".

وكانت عميره هس -مراسلة هآرتس للشؤون العربية- أكدت على المضمون ذاته قائلة: "المفاوضات حول مستقبل بلادنا من النهر الى البحر والشعبين اللذين يعيشان فيها، تجري في مسارين متوازيين، هذا ما كان الامر عليه منذ محادثات مدريد واوسلو، المسار الاول بين الفلسطينيين والاسرائيليين".

وفي قصة السلام الاسرائيلي ايضا، كان بن غوريون ذكر في مذكراته، أن آبا ايبان نصحه في يوم 14-7-1948، بأن لا يلهث وراء السلام، وتكفي اتفاقات الهدنة"، معللا ذلك بالقول: "لأننا إذا ركضنا وراء السلام فإن العرب سيطالبوننا بالثمن، والثمن هو تحديد الحدود أو عودة اللاجئين أو الاثنين معا".

ومن بن غوريون الى الراهن الإسرائيلي حيث كتبت صحيفة هآرتس "أن أية حكومة إسرائيلية ليس باستطاعتها التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين مهما كان نوع ولون هذه الحكومة".

وأضافت "أنه في حال تحول الفلسطينيين إلى "فنلنديين"، فإن أي حكومة لن توقع للفلسطينيين على اتفاق سلام"، واوضحت الصحيفة "إن السلام مع الفلسطينيين يعني الانسحاب من الأراضي المحتلة بما فيها القدس إضافة إلى عودة اللاجئين الأمر الذي لا يمكن أن تقبل به أية حكومة إسرائيلية ".

هكذا هو المشهد على حقيقته، فالبحر سيبقى هو البحر، والعرب سيبقون هم العرب، والصهيونية ستبقى هي الصهيونية، وما جرى في فلسطين، يفتح الصراع الوجودي حتى تحين ساعة الحل الجذري بالتحرير وعودة أصحاب الوطن المغتصب والمهود...!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018