دولـة المـواطــنين: ليـس مجـرد شــعار انـتخــابي/ نضال وتد

دولـة المـواطــنين: ليـس مجـرد شــعار انـتخــابي/ نضال وتد

عــ48ـرب

عندما جاء التجمع الوطني الديمقراطي بطرح دولة المواطنين في الانتخابات الأولى التي خاضها عام 1996، لم يكن قصده مجرد رفع شعار جديد ليبرر نشوء هذا الحزب الوليد في ظروف إقليمية ودولية سعت لتصفية القضية الفلسطينية وحصرها في دويلة مشوهة الهوية في الضفة والقطاع، وتكريس مباني القوة وسياسيات العنصرية داخل إسرائيل لإعلانها دولة يهودية صرفة يعيش فيها رعايا "غير يهود".

جاء شعار دولة كل مواطنيها استكمالا وتطويرا لمشروع الحكم الذاتي الثقافي، الذي طوره في بداية التسعينات المفكر عزمي بشارة سوية، في مرحلته الأولى، مع الدكتور سعيد زيداني، كمشروع فكري وثقافي كان لا بد من أجل استكماله أن يرفد بمشروع سياسي واجتماعي حتى لا يبقى مجرد "فكرة رومانسية" يتداولها مثقفون في الصالونات الفكرية كنوع من الحلم والأتوبيا البعيدة المنال. وعليه فإن الانطلاق خطوة أخرى إلى الأمام في بلورة مشروع دولة المواطنين، لكونه خطوة حتمية نحو تحقيق فكرة الحكم الذاتي، كان يلزم الخوض في السياسة والحياة السياسية وبناء الحزب الذي يستطيع أن يحمله مشروعا وطنيا وقوميا وبطبيعة الحال مدنيا حتى يستطيع أن يربط دوائر الصراع والأزمة بسياقاتها الحقيقية ليحدد البوصلة الصحيحة.

سياقات مشروع دولة المواطنين ليست على الإطلاق مجرد الرغبة في "الانخراط" في البنية السياسية الحزبية لإسرائيل، بقدر ما هي استغلال هذا الإطار، في حدوده وتخومه المتاحة، سعيا للتغلغل فيه وتفكيك بناه العنصرية، تجاه الفلسطينيين في الداخل، وتوفير إطار يزرع الأمل بأن هناك خيارا آخر مطروحا أمام العرب (الذين بات اسمهم من جديد في الخطاب السياسي حتى لأحزاب إسرائيلية أخرى "الأقلية الفلسطينية في إسرائيل") من جهة، ورفد الحركة الوطنية الفلسطينية والثورة الفلسطينية بعمق فلسطيني داخل إسرائيل متحرر من إسار الأحزاب الإسرائيلية ومن اليسار الإسرائيلي الذي طالما انقلب على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

لعل أهم ما في مشروع دولة كل مواطنيها أنه يطال ويشمل كافة مجالات الحياة المدنية المنبثة من الإشكالية القومية والصراع مع إسرائيل بكيانها العنصري الصهيوني وفرض التحدي الحقيقي والوحيد الذي لا يمكن بدونه أن تقوم قائمة حقيقية للأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، وهو أن شعار المساواة التامة المنزوع من الهوية القومية والوطنية لم يعد قادرا على تلبية مطالب وحاجات هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، إذا ما اقتطع منه البعد العربي القومي والوطني الفلسطيني.

دولة كل مواطنيها في السياق الإسرائيلي تعني تفكيك منظومات الفكر الصهيوني ومنظومات القوة ،وصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، يقول بأن الدولة لكل مواطنيها ، وهذا يعني أن الموارد  وليس فقط الميزانيات يجب أن تتوزع بين كل المواطنين. أي أنه من خلال هذا الطرح يبطل مفهوم "أراضي الدولة" وأراضي الشعب اليهودي، المرسخ كأداة ووسيلة لمنع العرب من استعادة أراضيهم، ومنعهم من الاستفادة منها بحجة أنها صودرت لأسباب امنية، وهي الآن تباع في مزادات التنظيم والبناء كأراضي الشعب اليهودي.

بعبارة أخرى فإن مفهوم دولة كل مواطنيها في هذا السياق يحدد ويحتم على المؤسسة والنظام تفكيك مفاهيم سرقة الأرض، وإعادتها لأصحابها، وهو يعني أيضا أن نزع الهوية القومية اليهودية عن الدولة، إلغاء كافة القوانين الإثنية العنصرية وفي مقدمتها قانون العودة الذي يجيز لكل يهود العالم القدوم إلى فلسطين واستيطانها ومنع أهل البلاد الأصليين المهجرين، سواء اللاجئين في الداخل، أم اللاجئين في الشتات من العودة إلى بلادهم.
وهذا هو أحد عناصر قوة طرح دولة كل مواطنيها، وأحد أشد نقاط التحدي الذي يفرضه طرح التجمع، وفقا لما طوره المفكر والمؤسس عزمي بشارة، على الصهيونية المتمثلة، فهو يسحب البساط كليا من تحت أقدام الفكر الصهيوني، بما فيه ذلك الشق الليبرالي عندما يضعه في مواجهة الواقع القائم على الأرض وعلى محك الممارسة اليومية والتخطيط الاستراتيجي البعيد الأمد.

ففي دولة كل مواطنيها كمشروع متكامل، وليس مجرد شعار انتخابي، تتهاوى كل منظومات القوة التقليدية في إسرائيل، وتتهاوى معها كل تشوهات الشعارات والبرامج المطالبة بمساواة مدنية دون أرضيتها القومية والوطنية، فلن تكون مساواة حقيقية مثلا، وأنت تحمل شعار دولتين لشعبين، لأنه لا يوجد شعب واحد في إسرائيل بل شعبان، عربي فلسطيني،  ويهودي- إسرائيلي، إذا جاز التعبير في ظل عدم اتفاق اليهود أنفسهم على تحديد من هو اليهودي. وبالتالي فإن الاكتفاء بشعار المساواة متبوع بشعار دولتين لشعبين هو عمليا تكريس ليهودية الدولة، ومسخ لحقيقة الوجود الفلسطيني فيها.

دولة كل مواطنيها وفق طرح التجمع هي الدولة التي يكون فيها أبناء المجموعتين القوميتين متساوين في كل شيء وليس فقط في الحقوق المدنية أو الوظائف أو ظروف السكن، بل وبالأساس متساوين في آليات القوة ومنظومات الإنتاج ، وقبل كل شيء بالحق العام والأساسي في تحديد السياسات ورسمها وتنفيذها بآليات واضحة لا تترك أهل بلاد كالأيتام على موائد اللئام.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018