هبة أكتوبر أيقونة عرب الداخل.. من أطفأ جذوتها..؟؟/ توفيق عبد الفتاح

هبة أكتوبر أيقونة عرب الداخل.. من أطفأ جذوتها..؟؟/ توفيق عبد الفتاح

عــ48ـرب

تعيدنا الذكرى الثالثة عشرة لهبة القدس والأقصى إلى السؤال المهم بل ربما الأهم في سيرورة المعترك السياسي والوجودي  لعرب الداخل، السؤال الذي أجاب عليه نواة الجيل الجديد من الشباب بلحمه ودمه ليقول الكلمة الفصل في اكتوبرعام 2000. جاءت الهبة الشعبية العارمة مدفوعة بإرادة شبابية حية وعنفوان غير مسبوق أسقط الرهانات السلطوية ورهانات بعض النخب السياسية العربية لاسيما التقليدي والمحافظ منها، بل  باغتها وأحرجها عندما تخطته لتضع غالبية القيادات في المؤخرة وتجاوزته بمسافات، ذلك بعدما كانت تتساءل متشككة في بنية وذهنية وإرادة الجيل الجديد واعتباره جيلا لامباليا وغير مكترث بقضاياه ومصيره.

ومن الأهمية بمكان الإشارة الى أن الشباب قد اعطى الأجوبة الشافية بل المفاجئة لتسقط الرهان بقطع الشك باليقين ولتعيد الكرة الى ملعب القيادات والنخب السياسية العربية التي اعتادت بغالبيتها أنماطا وأداءً  تقليديًا لم يكن ليستجيب لأدنى حد من طموح الشباب وتطلعاتهم، كذلك رسالة هامة للمؤسسة الاسرائيلية التي راهنت على الانتصار في معركة  الوعي.

نعم لقد صنع وأبدع هذا الجيل أهم الأيام والمحطات الكفاحية ربما هي الأهم في تاريخ عرب الداخل بعد معركة يوم الأرض الخالد عام 1976، وأكدها عبر الإرادة الجماعية ليضع النقاط على حروف الهوية الملتبسة والإرادة الجمعية، وحشر المؤسسة الإسرائيلية التي طالما راهنت عبر أجهزتها وأدواتها وعكاكيزها السياسية والثقافية والاقتصادية "والأمنية" للاجهاز الذهني والنفسي على ارادة وانتماء هذا الجيل، بحيث انقلبت الموازين لصالح الهوية الجمعية والحركة الوطنية ومشروعها الذي يشكل التجمع الوطني الديمقراطي رأس حربتها والذي واصل التعاطي مع نتائجها في احتضان جيش من الطاقات الشبابية الواعي والمنظم ،في وقت هرولت غالبية القيادات السياسية العربية لقطف ثمار الدم الذي لم يكن قد جف بعد في اجتماعهم الشهير مع رئيس الحكومة حينذاك "ايهود براك" والذي اتخذ طابع الاستجداء والاعتذار والمساومة الرخيصة.

الهبة الشعبية  باعتقادنا اكتسبت  بالغ الأهمية ليس لأن انتفاضة الغضب الشبابية  جاءت مدفوعة ومشحونة بالغضب جراء التهميش والإقصاء والإحباط وانسداد الأفق أمامهم جراء السياسات العنصرية أمام تطلعاتهم واحتياجاتهم الحياتية فحسب، بل تجاوزت ذلك عندما حملت معاني وأبعادا وطنية ومعاني الهوية من الدرجة الأولى بعدما انطلقت شرارة  الغضب ليلتحموا مع ابناء شعبهم في القدس والضفة الغربية وغزة، وهذه دلالات  وأبعاد لم تمر المؤسسة الاسرائيلية عليها مر الكرام،بل توقفت مليا وجندت المختصين والأبحاث والميزانيات وأجهزة الأمن والإعلام  وغيرها في سبيل مواجهة الواقع الناشئ الذي حمل دلالات عميقة وهامة -وهنا لامكان للتطرق الى تغيير السياسات والآليات المستحدثة لمواجهة جيل الغضب-،وباعتقادي أن الأكثر اهمية من كل ذلك هو هل أجرت النخب والقيادات السياسية العربية في علاقاتها المفترضة مع المثقفين والأبحاث والأكاديميين ومع الشارع جرد حساب وتقييم ومراجعة فعلية عميقة وشاملة  للاستفادة من نتائج الهبة ،من خلال التشخيص والتوصيف والقراءات الصحيحة لتتحول الى ادوات عمل واليات ناجعة ميدانيا تعتمدها القيادات والكوادر الحزبية في سبيل تحسين الأداء وتحسين العلاقات الداخلية للارتقاء بالفكر السياسي وبالاداء الى مستوى التحديات والتضحيات؟

جاء كل ذلك مع غياب  الإطار الجامع  والإجماع بين كافة فصائل العمل السياسي لاحتضان الهبة ونتائجها وتحويلها الى حالة منظمة وموجهة تكون قادرة على استثمار نتائجها وتحويلها الى كابوس يقض مضاجع المؤسسة وعامل قوة ضاغط من اجل تعزيز روح الكفاح  الشعبي والتنظيم لانتزاع حقوق جماعية دون توسل، إلا أن الجهوزية التنظيمية القاصرة لمعظم الحركات السياسية وغياب الرؤى الاستراتيجية وترهل بنية لجنة المتابعة العليا والتمترس من قبل البعض على تكريس نفس البنية وبنفس العقلية ألقت بظلالها على نتائج الهبة، في حالة متداعية طرديا الى حد التآكل، لتضع مئة علامة سؤال وسؤال على مصير الذاكرة والذكرى بما يليق بشعب يحترم نفسه ويحترم شهداءه كي لا تتحول نضالاته وشهداءه الى مجرد  سباق وطقوس ومواد انتخابية..أما حان الوقت لجرد الحساب؟
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018