نحن وثورة ظُفار/ نمر سلطاني

نحن وثورة ظُفار/ نمر سلطاني

محاضر في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن

في هذه الأيام بالذات حيث يبدو الربيع العربي للبعض شتاءً، وبعد عقود من انحسار النفس الثوري وتراجع اليسار في العالم، وحيث تبدو دول النفط مراكز للثورات المضادة، علينا أن نتذكر ثورة ظفار في الخليج العربي ونستقي منها بعض العبر. وقد نجح الصديق الدكتور عبد الرزاق التكريتي في كتابة تاريخ هذه الثورة واستحضار روح وأيديولوجية الثوار أيما نجاح في كتابه الفذّ الصادر حديثا بالانجليزية. وقد حاز كتابه 'ثورة الريح الموسمية: الجمهوريون والسلاطين والإمبراطوريات في عُمان، من ١٩٦٥ حتى ١٩٧٦' على العديد من الجوائز المهمة. في هذا الكتاب يحكي التكريتي قصة الثوار ومنابعهم الأيديولوجية في حركة القوميين العرب، ثم تأثرهم بالأيديولوجيات الشيوعية من الماركسية-اللينينية إلى الماويّة الصينية. واعتمد الكتاب على وثائق بريطانية والتاريخ الشفوي لسرد هذه القصة بكافة جوانبها.  

استعرض في ما يلي بإيجاز بعض أهم النقاط التي تثيرها قصة ثورة ظفار وتحمل دلالات علينا استذكارها في أيامنا هذه، وهي الأمور التالية: معنى الثورة، الارتباط الثوري العربي بقضية فلسطين وثورتها، الترابط بين الداخل والخارج أو المحلي والعالمي، وموقع مسألة تحرير المرأة في التراث الثوري.   

أولاً، ما هي الثورة؟

ينكر الكثيرون في السنتين الأخيرتين على وجه الخصوص لقب الثورة عما جرى ويجري في العالم العربي منذ الإطاحة بنظامي بن علي ومبارك. لكن التكريتي يدّعي وبحق أن علينا أن لا نخضع الحراك الثوري لمقياس النجاح أو مقياس السيطرة على جهاز الدولة. لأن من شأن مثل هذه المقاييس إخراج الكثير من الثورات في العالم الثالث من تعريف الثورة. فثورة ظفار لم تنجح في السيطرة على الدولة. بل كانت هذه ثورة قبل وجود الدولة أصلا وقبل استقلال معظم دول الخليج الحالية من الاستعمار البريطاني، وبالتالي كانت ثورة ضد الاستعمار وضد الأنظمة العربية التسلطية الناشئة بدعم من الاستعمار. ورغم هزيمتها في نهاية الأمر، إلا أنها أدت إلى العديد من التطورات الهامة التي لم تزُل بإندثار الحراك الثوري. ومن ضمن ذلك: إلغاء العبودية، ومواجهة النظام القبلي والتراتبية القبلية، ومحاربة الأمية، وإضعاف سلطة الشيوخ، والسيطرة لعقد من الزمن على مناطق واسعة تحت السلطة الثورية، وخلق الهوية العُمانية الجامعة الحديثة، والمساهمة في إغناء التجربة والفكر والأدب الثوري واليساري.

كما أن عدم نجاح الثورة الكامل لا يعني عدم اضطرار الاستعمار لتحسين ظروف الناس كردّ فعل على بعض مطالب الثوريين لمنع السكان والقبائل من دعمهم. وأبرز مثال على ذلك، خلع السلطان سعيد وتنصيب ابنه السلطان قابوس مكانه. حيث مثّل الأول عقلية استعمارية كلاسيكية معادية للتطوير والاهتمام برفاهية المواطنين، في حين مثّل الثاني التوجه الاستعماري الذي يسمح ببعض التحديث والتطوير لاحتواء الناس ومنع الاحتقان. وبالتالي، فإنه من الإجحاف أن لا نشمل مثل هذا الحراك تحت اسم ثورة بعد كل هذه التغييرات التي أدى إليها بشكل مباشر أو غير مباشر، كفعل أو كرد فعل. وبالمثل فإن الربيع العربي أدى إلى تغيرات عدة وأطلق سيرورات عديدة لم نر نهايتها بعد.     

ثانيًا، الثورة وفلسطين

ارتبطت ثورة ظفار ارتباطًا وثيقًا بقضية فلسطين. فقد كان منشأ الثورة الفكري في فروع حركة القوميين العرب وتفرعاتها من جبهة شعبية وديموقراطية لتحرير فلسطين. وقد تشابهت التغييرات التي مرَت بها ثورة ظفار بالنقاشات التي مرّت بها الحركات الفلسطينية. كما دعمت الحركات الفلسطينية، ومن ضمنها حركة فتح، الثوريين في ظفار من حين إلى حين بالسلاح وبالرجال. كما أن أعداء الثورة كانوا الاستعمار البريطاني الذي ساهم في نكبة فلسطين والسلطان قابوس الذي كنّ العداء للفلسطينيين. كذلك حاز السلطان على دعم الملك حسين في الفترة التي كان فيها الأخير يحارب الفلسطينيين في أيلول الأسود وما بعده. إضافة إلى ذلك، كانت فلسطين حاضرة في الفكر والأدب الظفاري.

وبالمثل، لم تغب ثورة فلسطين عن الحراك الثوري في الربيع العربي وأبرز مثال على ذلك ديباجة الدستور التونسي التي أكدت على الالتزام بقضية حرية الشعب الفلسطيني. ولكن مما لا شك فيه أن ضعف الثورة الفلسطينية وتدهورها إلى موقعها الحالي الذي لا تحسد عليه يضعف من الترابط لأن الفلسطينيين لم يعودوا في موقع ثوري رائد. 

ثالثاً، الثورة والثورة المضادة بين الداخل والخارج

برع التكريتي في توضيح الترابط بين أعضاء معسكر الاستعمار والتسلط من جهة والترابط بين أعضاء معسكر الثوريين من جهة أخرى. فمما لا شك فيه أنه لا يوجد حراك ثوري داخلي في القرن الأخير إلا واضطر إلى مواجهة قوى خارجية من ناحية، واستفاد من تجربة أو حاز على دعم من قوى ثورية خارجية، من ناحية أخرى. فجذور نظام السلطنة نشأت في النظام الاستعماري في الهند حيث نشأ السلطان سعيد ودرس. ثمّ ساهم البريطانيون مساهمة فاعلة في إنشاء نظام التسلط والاستبداد ونهب الموارد تحت سلطة قابوس. كما استفاد الاستعمار البريطاني في الخليج من دروس القمع ومحاربة التمرد التي استخدموها في أماكن أخرى بالعالم. حتى أن بعض القيادات العسكرية استُجلبت إلى مواجهة ظفار بسبب تجاربها في القمع. كما دعمت الأنظمة التسلطية من الشاه في إيران إلى أمير دبيّ إلى ملك السعودية إلى ملك الأردن نظام السلطان قابوس بالمال والعتاد والرجال.

ومن ناحية أخرى حرص الثوار على رؤية أنفسهم كجزء من تراث ثوري وتحرريّ عالمي وفي مركز ذلك الثورة الفلسطينية والثورة الفيتنامية والثورة الكوبية. كما تواصلوا مع الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية حيث تم تدريب بعض الكوادر الثورية. لكن دعم هذين البلدين المحدود خضع لحسابات إقليمية واعتبارات اقتصادية وسياسية. وقد أجاد التكريتي على وجه الخصوص بإبراز التراث الجمهوري (الذي يتمحور حول فكرة سيادة الشعب وملهمه الأكبر الفيلسوف الفرنسي روسو ومثاله الأبرز اليعاقبة الفرنسيون إبّان الثورة الفرنسية) كخلفية لفهم الثوار وتصرفاتهم. وبذلك جعل التكريتي منهم اليعاقبة العرب كما فعل سي ال أر جيمس مع اليعاقبة السود في كتابه عن ثورة هايتي ضد الفرنسيين والعبودية.   

وبالمثل، فقد رأينا دول الخليج تتدخل في الحراكات الثورية في مصر وتونس والبحرين وسوريا وغيرها. ورأينا الدول الملكية تتعاون لمواجهة 'خطر الديمقراطية' الداهم. كما رأينا دولا إقليمية مثل تركيا تتدخل في سوريا. ورأينا كيف تخضع حسابات القوى الكبرى لمصالحها وميلها في الغالب للدكتاتوريين.

كما أن من يقرأ كتاب التكريتي بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، لا يسعه إلا أن يرى التشابه بين الوسائل العسكرية التي استعملها الاستعمار البريطاني في ظفار (مثلا عام ١٩٦٩) وما استعمله الجيش الإسرائيلي في الصيف الأخير. ومن ضمن ذلك: العقوبات الجماعية والفتك بالمدنيين وهدم المساجد والطلقات 'التحذيرية' على سطوح المنازل.  

رابعا، تحرير المرأة

يروي التكريتي قصة المشاركة النسائية في الحراك الثوري منذ بداياته. لم تساهم النساء في التعليم ومحو الأمية فحسب، بل أيضًا في المجهود القتالي والعسكري (وكان الروائي المصري صنع الله إبراهيم قد وصف هذا الدور في روايته الرائعة 'وردة'). وقد خلق الحيّز الثوري مساحة ثرية لتحدي السلطة القبائلية والدينية والأبويّة. وكانت النساء تتحدى في مشاركاتها الأدوار المخصصة للنوع الإجتماعي. لكن انحسار المدّ الثوري (من تحرير الخليج إلى تحرير عُمان) أدى إلى تنازلات من قبل القوى الثورية لصالح النظام القبائلي والأبوي مما حدّ من راديكالية الخطاب التحرري بالنسبة لمكانة النساء. فقد استعمل الاستعمار خطاب معاداة الشيوعية لتصوير الثوار كمعادين للإسلام وكفرة وعديمي الأخلاق، وتصوير النساء الثوريات على أنّهنّ منحلات. فقامت الثورة بفرض قوانين للحدّ من الاختلاط بين الجنسين. وبذلك نرى أن مسألة وجود تناقض بين النضال الثوري أو القومي وبين تحرير المرأة (وأيهما يجب أن يحوز على الأولوية) تتعلق بضعف الثورة أو قوتها وثقة الثوريين بمشروعهم وبنجاحهم. بدايةً، كان يبدو أن تحرير المرأة وتحرير الشعب متطابقان لأن كليهما مرتبط بالتمرد على سلطة القبيلة والأب والشيخ والسلطان والاستعمار. ولكن عندما بدأت الثورة بالتقهقر أخذ التوتر بين تحرير المرأة وتحرير الشعب يبرز لأن تقهقر المشروع الأخير قاد الثوريين للتضحية بتحرير المرأة.

وبالمثل، رأينا المشاركة النسائية المصرية في ميدان التحرير وكثر الحديث في تلك الفترة عن انحسار ظاهرة التحرش الجنسي. ولكن مع تقهقر الثورة وجدنا أن هذه الظواهر تعود وبقوة. 

لا شك أن هناك دروسا أخرى يمكن أن نستقيها من ثورة ظفار خصوصًا والتراث الثوري العربي والفلسطيني عمومًا. ونأمل أن يُترجم كتاب الدكتور عبد الرزاق التكريتي إلى العربية قريبًا لكي يستفيد منه القراء.