المؤتمر السادس../ عوض عبد الفتاح

المؤتمر السادس../ عوض عبد الفتاح

لم تبدأ القصة بالكنيست، ولا تنته بها. إنما بدأت قبل ذلك بكثير. بدأت منذ أن ولدت، فكرة الغزو الحديث للشعوب المستضعفة في القارة الأوروبية. انتخابات الكنيست باتت آلية من آليات التأثير في حياتنا، وإحدى وسائل فرض حضورنا في المكان، ومقارعة المضطهد. هذا ما ابتغاه تيارنا الوطني، وهذا ما يمارسه يومياً.

ليس أقسى من فقدان الوطن، وتشريد الإنسان، ومن ثم فرض مواطنة الدولة التي نهبت وطنك وشردتك، ووضعتك في حالة تناقض مؤلم تعيشه يوميًا وعلى مدار اللحظة، تجعلك كوطني تراقب وتراجع نفسك بصورة دائمة.

وحين تضيقُ خياراتك، وبعد أن طال الصراع، وابتعد الحلم عنا أكثر مما تصورنا جميعاً، تضطر لخوض خيارات عمل صعبة، وأقساها خيار الكنيست، لما فيها من تناقضات ومعاناة. هذا الخيار ليس إجبارياً ولكنه بات خياراً مؤثراً منذ فترة طويلة. وإن كان يتعرض مؤخرًا لتشكيك متزايد في جدواه. ومن دون فكرة القائمة المشتركة قد تتحول مقاطعة الانتخابات إلى تيار جارف.

قد يسأل سائل ما الحاجة إلى هذا الكلام في بداية معركة انتخابية جديدة تحتاج إلى الحشد والتعبئة وأعلى درجات التنظيم. خاصة وأننا كأقلية قومية، أو للدقة القوى السياسية، سنخوض هذه الانتخابات ولأول مرّة موحدين.

نعم هناك حاجة. نحن بحاجة دائماً إلى أن نتذكر، ينبغي ألا تغيب عنا هذه الحقيقة ولو للحظة، فالهوية ليست مسألة ثابتة، وهي قابلة للتغيّر والتآكل. ففي زحمة الحياة، وتحت ثقل سياسات التشويه والأسرلة، إذا ضاعت البوصلة، ضاعت الهوية، وضاعت المواطنة، وضاع المشروع.

نحتاج دائماً إلى استحضار القصة، حتى لا نغرق في الكنيست ودهاليزها، وحتى لا تأخذنا النجومية، وحتى نبقى مميزين عن الآخرين، وحتى نحافظ على توازننا. والأهم، حتى لا تصرفنا عن البناء، بناء التنظيم، وبناء مؤسسات الحزب والمؤسسات الوطنية. باختصار حتى لا نغتال أحلام الشباب.

الوضع السياسي الراهن

ليست الظروف الراهنة التي تجري فيها هذه الدورة لانتخابات الكنيست، مختلفة عن ظروف سابقتها. فالعالم العربي يعيش مخاضاً صعباً بعد انتفاضة شعوبه. مخاضٌ لمرحلة لسنا متأكدين متى تتبلور وكيف ستكون معالمها ومضامينها. هذه الانتفاضات الجبارة أغرقتها أنظمة الاستبداد بالدماء وتبعها التدخل الدولي والإقليمي، ففقدت هذه الانتفاضات قيادتها المدنية السلمية لتخلي مكانها لأمراء الحرب والانتهازيين الذين خطفوا الثورات واغتالوا أحلام الناس. فتحولت ساحات العالم العربي إلى صراع بين القوى الخارجية، الدولية والإقليمية، على المصالح والنفوذ بهدف تكريس الاستبداد وتعميق الشرخ الطائفي والمذهبي، وبهدف تكريس الهيمنة الاستعمارية على المنطقة العربية. قد تطول هذه الحالة الدامية والمؤلمة، لفترة طويلة ولكن ما هو مؤكد أن الحقبة السابقة قد ولت، وأصبح المواطن الفرد لاعبًا أساسيًا في الحياة السياسية بعد أن كان مغيبًا ومقموعًا. موقفنا ومطلبنا، هو إنهاء الاستبداد وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية وضمان وحدة الدولة الوطنية العربية أرضًا وسكانًا، ودحر الاستعمار الغربي والصهيوني، والحفاظ على وتقوية حركات المقاومة العربية والفلسطينية، سواء على مستوى صراعها ضد الصهيونية، أو على مستوى بناء الديمقراطية والدولة المدنية الحرة.

أما بخصوص الوضع الإسرائيلي، فنحن نشهد تغولاً متواصلاً للمشروع الكولونيالي وتفاقمه في الضفة والقدس والحصار الإجرامي لقطاع غزة في ظل تحلل النظام العربي الرسمي، وتحالف بعضه مع إسرائيل. وهناك رفض إسرائيلي منهجي لكل تسوية تضمن الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني. لا يوجد في الأفق تسوية عادلة، فالذي يُوجّه النظام السياسي الإسرائيلي الكولونيالي هو سياسة إدارة الصراع لضمان استكمال مشروع التهويد والاستيطان، وتصفية قضية فلسطين، وهذه السياسة هي  ما ستكون بعد الانتخابات القادمة.

كما أن واقع الشعب الفلسطيني، يزداد تعقيداً، وتعصف به تحديات هائلة على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي. الانقسام لا زال يتعمق، ولا تظهر بوادر في الأفق لإنهائه، رغم كل الاتفاقات الكثيرة التي وقّعت بين فتح وحماس.

والعدوان الإسرائيلي الإجرامي على قطاع غزة الصيف الماضي، والذي ووجه بصمود أسطوري شاركت فيها فصائل المقاومة الوطنية والإسلامية الفلسطينية والتي أبلت فيه بلاءً حسنًا وأذهلت العالم، لم يجرِ استثماره أو تحويله، كما كان متوقعاً أو مرجوًا، إلى رافعة للوحدة السياسية والتنظيمية والجغرافية للحركة الوطنية الفلسطينية. كما أن هبّات القدس البطولية المستمرة منذ سنوات، والتي تحولت الصيف الماضي إلى انتفاضة جسوره في حدود المدينة وضواحيها على خلفية تفاقم جرائم الاحتلال والاعتداءات على الأقصى، لم تجد من يحضنها ويطورها وينشرها إلى جميع أنحاء الوطن. بل كان هناك قرار إستراتيجي من السلطة الفلسطينية في حصرها في حدود المدينة، فتم خنقها وهي في المهد. هذه الانتفاضة لا تزال تنتظر مفجرها وحاضنتها.. فكل الأسباب لانفجارها مجدداً قائمة. ولولا هذا الصمود الأسطوري في غزة وهذه الانتفاضة البطولية لطوى النسيان قضية فلسطين لسنوات طويلة في ظل ما يجري في العالم العربي.

 أما بخصوص التوجه إلى المحافل الدولية، فالسلطة لا تزال، رغم ما قامت به من خطوات، تتجنب المواجهة الكاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أنه لا يجري ربطه بإستراتيجية كفاحية على الأرض. لقد تأكد مرة أخرى أن بنية النظام السياسي الفلسطيني القائمة غير مؤهلة لحسم الأمر باتجاه التصرف كحركة تحرر وطني تخوض نضالاً حقيقياً ضد نظام كولونيالي عنصري مجرم. وهذا ما هو مطلوب ومنتظر وطنياً وشعبياً، وبالتالي فإن واجب الساعة هو توفير مقومات الصمود والمقاومة ضد الاحتلال والاستيطان، والتي تشمل إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية واعتماد إستراتيجية سياسية ونضالية حقيقية، تشمل كل الشعب الفلسطيني، ضد نظام الاستعمار الكولونيالي الصهيوني.

المعركة الانتخابية هي معركة سياسية هامة

ربما نحن على عتبة نقلة سياسية تاريخية في حياة هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني. نحن نشهد بداية مرحلة تمكنت فيها القوى السياسية العربية الرئيسية التي تخوض انتخابات الكنيست، من تحقيق اختراق هام في جدار الرفض لفكرة القائمة الواحدة. لقد لعبت عوامل موضوعية في تسهيل تحقيق هذا النضوج، أهمها رفع نسبة الحسم وازدياد تطرف النظام الصهيوني. ولكن ما كان ممكناً تحقيق ذلك لولا موقف التجمع، ومثابرته وعناده على ألا تكون هناك خيارات أخرى سوى خيار القائمة الواحدة. ليس موقف التجمع نابعًا في الأساس من الحاجة لزيادة حجم التمثيل العربي، على أهميته، إنما من مبدأ توحيد القوى في معركة سياسية هامة لها أبعادها الإستراتيجية على العلاقات الداخلية لعرب الداخل.

لن يكون معنىً حقيقي لهذه المعركة الانتخابية إذا لم تُتبع بإطلاق المعركة الأهم معركة البناء وتحصين المجتمع من الداخل. وعليه فإن على التجمع أن يبقى متيقظًا وجاهزًا لما بعد الانتخابات حتى لا يجري تبديد مكاسب هذه المعركة الموحدة.

 يعتبر التجمع أن خوض الانتخابات بقائمة مشتركة مصلحة لمجتمعنا لأن ذلك يصونه من خطر الاستقطاب الطائفي، ويعزز اللحمة الاجتماعية الوطنية أولاً. وثانياً هي تعزيز لأطروحات التجمع القومية والديمقراطية التي قام عليها أساساً، والتي حوّلته، وعبر نضال لا هوادة فيه، إلى قوة مركزية في معادلة القوة ضد نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وكما هو معروف كانت الجبهة المعارض الرئيسي للفكرة طيلة الوقت، كما هي معارضة لمأسسة لجنة المتابعة. ولذلك، ومن منطلق المسؤولية، كان على التجمع أن يبذل كل جهد مطلوب، وأن يقدّم التنازلات لتشجيعها على تعديل موقفها وخاصة فيما يتعلق بالمرشح الأول للقائمة. وقد توجهنا للأخوة في الحركة الإسلامية منذ اللقاء الأول بأن يُظهروا نفس المرونة إزاء ذلك. ومع أن وفدها قال لنا نحن نفضل أن يحتل التجمع الموقع الأول، وعلى لسان ممثليه قيل "إن التجمع هو الصمغ الذي بإمكانه أن يربط بين التيارين" غير أن التجمع تنازل عن ذلك، انطلاقًا من مسؤوليته الوطنية ورؤيته الاستراتيجية.

 هكذا كسرت الجبهة إحدى المسلمات، أي مقولة "الانغلاق القومي".. مما يفتح الباب لمتغيرات بعيدة المدى على مستوى توطيد العلاقات على مستوى ساحة عرب الداخل، وأيضًا على مستوى التخاطب مع المجتمع الإسرائيلي.. وخاصة مع الأوساط المناهضة للعنصرية والاحتلال.

كما أن هذا سيقلل من النقاش الشعبي حول الشرذمة وغياب الوحدة الحملة الإعلامية التثقيفية موجهة كلها ضد نظام نظام الأبارتهايد الصهيوني مما يرفع نسبة التصويت، ويمنح الناس بعض الأمل ويفتح الأفق لتحقيق إنجازات نوعية.

 وتزداد أهمية القائمة المشتركة في ظل ما يمر به العالم العربي، وما تمرّ به الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث الصراع الدامي، والفرقة والانقسام. نحن نقدم بذلك مثالاً على إمكانية تحقيق حالة وحدوية التي يمكن أن ترسل رسالة إيجابية إلى أشقائنا.  

من خلال خوضنا هذه المعركة السياسية موحدين نقوم بحماية أنفسنا من تداعيات ما يحيط بنا من أهوال.. وما يمكن أن يؤدي إلى يأس وإحباط في صفوف المواطنين العرب. ونحن نعرف أنه في ظل الأزمات العربية والفلسطينية الشديدة تبدأ أوساط معينة في مجتمعنا بالميل نحو التماثل مع المؤسسة الصهيونية ومخططاتها كالتجنيد وغيرها.

 يخوض حزبنا هذه الانتخابات، وفي جعبته رصيد كبير من العمل والنضال والإسهام الفكري والسياسي في حياة عرب الداخل، كما في جعبته رصيد كبير من الإنجازات والمشاركة الطلائعية في المعارك الشعبية، وكان آخرها معركة الكفاح ضد "مخطط برافر" الذي سقط قانونه بفعل هذه النضالات. وتعرض قادة التجمع للاعتداء والتحريض، كما تعرض المئات من أعضاء وكوادر الحزب الذين كان لهم شرف المشاركة وقيادة هذه المعارك، للاعتقالات والتحقيقات المخابراتية.

 خاضت كتلة التجمع في الكنيست على طول الطريق، مواجهة دائمة مع ما تُمثله المؤسسة الإسرائيلية من قوانين عنصرية، وحملات تحريض غير مسبوقة، كالتي نشهدها ضد حنين زعبي، هذا الطريق خطه الدكتور عزمي بشارة الذي أرسى قواعد جديدة للعمل داخل الكنيست. وقد كان للجمع بين العمل البرلماني والنشاط التنظيمي والنضال الشعبي مردوده الكبير على تعميق الوعي السياسي وترسيخ الحركة الوطنية في التربة الشعبية. لم يتراجع التجمع منذ الحملة عن مواقفه، ولن يتراجع، ومع ذلك فإن ما نحتاجه، ونحتاجه بإلحاح، هو مراجعة وتقييم أداء الحزب خلال المرحلة الممتدة منذ المؤتمر الأخير للحزب، حتى المؤتمر الدوري القادم في أكتوبر من هذا العام حينها سيقول كل منا كلامًا كثيرًا في إطار المراجعة.

دور التجمع في المعركة الإنتخابية

ما هو دورنا في هذه المعركة السياسية التي يأتي شكل خوضها متسقًا مع ما طالبنا به مرارًا، وما رسخناه في أدبياتنا وخطابنا القومي الديمقراطي منذ انطلاق التجمع.

دورنا هو أن نُظهر أقصى الجدية ونبذل أقصى الجهد والتواصل المباشر مع كل الناس، لإنجاح أهداف هذه المعركة، والمتمثلة، أولاً: في رفع نسبة التصويت لصالح القائمة المشتركة إلى أقصى ما يمكن، وترجمة هذه النسبة العالية في زيادة عدد المقاعد، مما يزيد الوزن السياسي للعرب ويعزز القدرة على مواجهة نظام القمع والتمييز والاحتلال.

الهدف الثاني: ترسيخ وتوطيد العمل المشترك بين القوى السياسية العربية وأطر المجتمع المدني والأهلي التي تلتف حول القائمة المشتركة، وخاصة خلال الحملات الانتخابية الإعلامية والميدانية.

الهدف الثالث: الترويج خلال فترة الانتخابات بصورة منهجية، خطاب الوحدة وتنظيم المجتمع العربي الفلسطيني وبناء المجلس التمثيلي الأعلى، كثمرة ممكنة جدًا من ثمرات خوض انتخابات الكنيست بقائمة وطنية ديمقراطية.

أما بخصوص التجمع، فكما في كل معركة سياسية (انتخابية) أو شعبية ضد مخططات السلطة، فهذه فرصة لتجديد وتقوية وتوطيد صفوف الحزب، فالأمر المنطقي من نجاح فكرة مركزية من أفكار الحزب هو أن تزداد قوته وتأثيره، وأن يزداد دوره في خدمة المشروع الوطني لعرب الداخل – المشروع الثقافي المتمثل في الحكم الذاتي والاعتماد على الذات. هذه مسؤولية تاريخية نواصل حملها دون كلل.

إن مؤتمرنا هذا، ينبغي أن يكون رافعة لتوطيد بنية الحزب وتعزيز مصداقيته ومصداقية قياداته المركزية والقاعدية.