العروبة والإسلام: اتصال أم انفصال؟/ نيفين أبو رحمون

العروبة والإسلام: اتصال أم انفصال؟/ نيفين أبو رحمون

يرتكز 'الخلاف' الشكلي بين العروبة والإسلام في التحولات الجذرية التي مرت بها المنطقة العربية، من مرحلة الحكم العثماني وما رافقه من سياسة التتريك نهايات عهده  )في القرن الثامن عشر لغاية مطلع القرن التاسع عشر( والانتقال إلى مرحلة الاستعمار، ثم التحرر، وبناء الدولة القطرية بحدود التجزئة، الأمر الذي شكل فجوةً في صياغة المفاهيم والأفكار، حيث أن لا خلاف على الإسلام بحدِ ذاتهِ، ولا في العروبةِ بذاتها، وإنما في إشكالية فهم الحركات العروبية – القومية منها - والإسلامية، للعروبة والإسلام، وآليات التفكير.

إن هذه الإشكالية القائمة في الفهم بعلاقتهما ببعض، ولَّدت تساؤلاً مركباً وجدلياً إن كانت العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة اتصال أم انفصال؟

لا يمكن وضع العلاقة ضمن إطار أحادي يقصي الطرف الآخر، وإلا فإننا ننفي في هذه الحالة كلمة 'علاقة' وما تتضمنه من تفاعل! لنكون أمام عملية تجاذب وانفراد، وعدم تكافؤ، وتوازن في ما بينهما! وفي حال كانت الإجابة حَدِّية شمولية تسعى لتضمين طرف تحت طرفٍ آخر، فإننا في هكذا حال نقوم بتشكيل بنية منغلقة على ذاتها ومستقلة بعناصرها!

يتضح في ما أشرنا سابقاً أن عملية الفصل تستحيل لأسباب عديدة، يتصل بعضها في ما يتعلق بجناحي التكوين للأمة – أكانت الأمة العربية أو الإسلامية – وهما الإسلام والعروبة، وما يتقاسمانهِ من مضامين مشتركة، والتشابك القائم بينهما بشكل عميق ومتفاعل، لدرجة أن الفصل يقود إلى خلل في المعالجة والتفكير. 

وقبل أن نشرع في معاجلة العلاقة بين الطرفين، أرى من المهم، عرض بعض الإشكاليات التي تعمل على خلق ضبابية في فهم الإسلام والعروبة حركيًّا، حيث ألخص الإشكاليات في النقاط التالية:

الإشكالية القطرية: 

أصبح من نافل القول إن الاستعمار نجح في رسم حدود الدولة العربية القطرية مع خلق تباينات ثقافية وسياسية في ما بين الدول العربية، علاوةً على زرعِ كيانٍ مسخ ونشاز عن تاريخ المنطقة وجغرافيتها، لفصل الشطر الآسيوي العربي عن الإفريقي (المغاربي). 

إن عملية تشكيل هذه الدول – الدوليات – خلق بدوره أكثر من بيئة متباينة، سياسيا، وثقافيا واجتماعيا، ما قاد إلى معالجة الأزمات، والملفات المختلفـة، وفق رؤية وسياسة هذه الدولة، فكانت العروبة في الشمال المغاربي – كذلك الإسلام – تعاملان بشكل استئصالي – كما في تونس – مع مساعٍ نحو تغريب المجتمع لصالح الثقافة الفرانكفونية، الأمر الذي أنتج حركات إسلامية وقومية حدِّية في التفكير، وفي آليات معالجة العروبة والإسلام، فكان كل طرفٍ يسعى لنفي الآخر باعتبارهِ نقيضاً، ولعب في تعميق هذه الأزمة صعود اليسار الرافض للتراث والعروبة والإسلام، باعتبارها عناصر لا تمت للحداثة، وما هي إلا منتجات ماضوية (حسب قاموسهِ السياسي)، وتدفع بالمجتمع نحو النكوص إلى الوراء. 

وفي المقابل، أنتجت دول قطرية أخرى فكراً يضع العلمانية في سلة واحدة، فيكون الشيوعي والقومي والعروبي والإسلامي المتنور – الوسطي – بضاعة واحدة، ما جعل التكاتف بين الحركات الإسلامية والعروبية أمراً مطعوناً بهِ، وأن مجرد الدخول بهِ مسألة تدفع المرء للخروج عن الأمة.

إشكالية المجتمع الفسيفسائي: 

قامت التحركات المشبوهة لتحويل الدولة إلى فسيفساء طائفية وإثنية، وأقليات وأكثريات، كما هو الحال في لبنان والعراق، وتمزيق نسيج المجتمع، والسعي لفرط العقد الاجتماعي، بحيث نشهد حالة من التشرذم، يكون فيها الحديث عن الاستقلالية لهذا 'الكنتون' أو ذاك، علماً أن العروبة والإسلام، جمعا فسيفساء المجتمع، في حالة تفاعلية إيجابية، الأمر الذي خلق حضارةً طالما تغنينا بها، وطالما استفاد منها الغرب. 

وهنا لا بد من التذكير، أن هذه المعادلة، أنتجت بدورها، 'عكاكيز' للتدخل الخارجي، ومراكز توترٍ داخلية، جعت من غير العرب – الأكراد والأمازيغ – في صورة 'النقيض' الوهمي للعرب، ومن غير المسلمين في بعض الحالات – مصر والأقباط – في صورة 'النقيض' الوهمي أيضاً، علماً أن هذه المكونات تعايشت على مر القرون، وتكاتفت، وكانت خير دليلٍ على التعايش. 

وأكثر من ذلك؛ إن اليهود طالما نعموا بحقوقهم في ظل الدولة العربية الإسلامية وحضارتها الرائدة، في وقت كانوا فيها يعيشون حالة قمعٍ واضطهاد في الغرب، تصاعدت بعد ثورة القوميات – لاسيما في الثورة الفرنسية وقيام الفكر القومي الاشتراكي الألماني (النازي)–، حيث بدأت الأمم في إعادة تشكيل نفسها، ليكون حل الغرب – للتخلص من عنصر غير متجانس لديهم (اليهود) – ترحيلهم إلى فلسطين، لتشكيل 'الكيان القومي' الخاص بهم، بدعم من الصهيونية العالمية (المحرك الرئيس في المعادلة)، الأمر الذي حقق للغرب هدف الانتهاء من المشكلة اليهودية، وهدف آخر استراتيجي يتمثل في تمزيق جسد الأمة العربية والإسلامية، وخلخلت بناها الاجتماعية، وضمان السيطرة عليها.

إشكالية الكتالوج الفكري الجاهز: 

لقد مثَّل انهيار الدولة العثمانية مترامية الأطراف مرحلة حرجة، فكانت فرصةً للتغلغل الغربي عبر مسميات متعددة باسم 'التنمية' و'التعليم' و'حماية الأماكن المقدسة'!. 

إن هذه المرحلة كانت حاسمة فيما يتعلق بالعرب؛ مرحلة انتقالية ضاعت فيها الحقوق، وتمزقت فيها أواصر الترابط، من الوحدوي شمولي إلى تجزئة وقطرية وتخلف، حيث أصبح العرب مختبراً للتجارب، ومسرحاً عالمياً لتجسيد النظريات!.

في هكذا وهن، كانت استقبال الأفكار من الغرب تمثل الأولوية لدى شريحة واسعة من المفكرين، والمثقفين، لاسيما ممن درس في أوروبا، فكانت القومية العربية محاولة لاستنساخ 'الكتالوج' الغربي، بفصل الدين كلياً عن الدولة، علماً أن الغرب كان حاكماً باسم السلطة الثيوقراطية (الدينية المطلقة) الأمر الذي ولَّد لديهِ حاجةً للإصلاح، فكانت حركات الإصلاح الديني. 

إن العرب في وقتٍ استنسخوا فيه 'كتالوج الأمة الغربي' فإنهم اندفعوا إليه تحت ضغط سياسة التتريك، التي كانت تقودها جمعية الاتحاد والترقي التركية، الأمر الذي مثل خلطا بين ما هو إسلامي – باعتبار أن تركية مركز الخلافة – وما هو قومي – باعتبار أن العرب قومية مضطهدة –. 

إن هذه الإشكالية مثلت معوقاً هاماً في الفهم، وفي آليات التفكير، وفي كيفية المعالجة، حيث أن ما سبق سهل من دخول التيارات الغربية، ومن سرعة تأثر العرب بها.

التواصل والاتصال: 

لا نبالغ إن قلنا أن هذه بعضاً من الإشكاليات التي تعوِّق فهم العروبة والإسلام وجدلية العلاقة التفاعلية فيما بينهما، حيث أن الحركات – من كلا الطرفين – مدعوة لتجسير الهوة القائمة على تلك الإشكاليات، والتطلع إلى بناء تكامل – لا في العروبة والإسلام المتكاملان – وإنما في البنى الفكرية والتنظيمية للحركات العروبية الإسلامية. 

إن الاتصال بين العروبة والإسلام قائم، ويبقى السؤال: هل سنشهد تواصلاً واتصالاً بين الحركتين العروبية والإسلامية؟.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018