جثمان عيلان.. صورة أمة تغرق/ وديع عواودة

جثمان عيلان.. صورة أمة تغرق/ وديع عواودة

بالأمس حمله البحر واليوم قد استبطنته الأرض. الآن هو ينام بأمن وهدوء.  بين رغوة  ورمل ساحل  بودروم التركي أغمض عينيه للمرة الأخيرة فنجتا من رؤية الجحيم من جديد. يداه أيضا بدتا مستريحتين لن تمتدان لأم ملهوفة لتنقذه بالرمق الأخير. لن يسمع أحد بعد اليوم نداء استغاثته وبكائه من خلف أمواج بحر هائج أصم أبكم كحال من يسكنون على ضفافه. الآن وبعدما فقد أمه الأولى يكون قد استراح في بطن أمه الكبيرة داخل وطنه الجريح. تحت الأرض لن يكتوي جسده الغض بالجوع والعطش والبرد. عيناه العسليتان لن تلتقي بعد اليوم بعيون من حدقوا به  وهو ملقى على ساحل أرض غريبة ولم يمدوا له يد العون. الآن قد مات واستراح من رحلة لجوء يموت فيها مرتين أو ثلاث باليوم. ما لم يحظ به بحياته حظي به الآن بعدما خطفه البحر وصار جثة هامدة. بصورته أتاح لكل العالم أن يفزع برؤية ذاته بمرآته فيرى زيف حضارته . ربما بجسده المصروع قبالة البحر تحرك صورته ضمير العالم لإنقاذ من هم بعمره. يقال إن الصورة بألف كلمة أو دمعة فعل تنقذ البشرية من لامبالاتها فعلا هذه المرة؟

من جهته، هو لن يستشعر بدقات القلوب المفطورة وآهات الأرواح المتألمة وخطابات السياسيين المتلفزة إزاء آلاف السوريين الهاربين من الوطن نحو المنفى، من الجنة التي صارت نارا. لن يسمع صرخات ' وامعتصماه '  على صفحات الفيسبوك ولن تقض مضاجعه ثرثرات القنوات العربية. مات عيلان ولم تسقط ثلاث ورقات من رزنامة عمره ولن تبكي عليه أمه ريهان فقد غرقت هي الأخرى وشقيقه غالب. لم يبق للوالد المفجوع عبد الله الذي رفضت كندا طلبه باللجوء، سوى أمنية واحدة أن يعثر على جثة الزوجة والابن لدفنهم في ضريح مشترك في بلدته ' كوباني'.

 نام عيلان  نومة أبدية عميقة لا صحوة منها وهو بعمر زهرة الورد الجوري. هذه الاستراحة السرمدية ستمنحه فرصة للتأمل واكتشاف إنسانية باتت تدين بدين ' اللهم أسالك يا نفسي' أو تأخذ من الدين العبادات وتترك نصفه الآخر، المعاملات، وجعه لا يعنيها كسائر أطفال العرب ممن لم يرحمهم الموت بعد من ميتات متكررة كل نهار. الأردن ولبنان ومصر بلاد تنوء بأعبائها ذاتها تستقبل هؤلاء الفارين من ثورة صارت حربا طائفية تأكل الأخضر قبل اليابس. وتفتح ألمانيا والنمسا وغيرهما من دول الإفرنج أبوابها أمام لاجئين سوريين وتعمل بإنسانيتها وهي دول وجد فيها محمد عبده قبل قرن ونصف إسلاما ولم يجد مسلمين. كما في وقته يصلح الجزء الثاني من مقولته لهذه الأيام عندما عاد للمشرق فوجد مسلمين ولم يجد إسلاما.

اقرأ أيضًا| قصة الطفل عيلان و"مقابر البحار"

دول عربية وإسلامية تتباكي على شام ولا تقدم قطرة من الشهامة العربية لإغاثة أهلها واستقبالهم ولو كلاجئين مؤقتين. مرة أخرى يفر المؤمنون لملك صالح لا يظلم عنده أحد. هذه المرة رحلة  الاستجارة واللجوء كانت إلى الشمال. هناك في الغرب يسد البعض الطريق أمام بحر اللاجئين المتدفق من الشرق بيد أن البعض الآخر اختار  الانتصار لإنسانيته وأن يكف عن احتضان التضامن مع رموز الموت وضحايا بحر هائج فقرروا مد يد العون لمن بقوا أحياء. كثيرون من هؤلاء، ضحايا النكبة السورية مشتتون على قارعة الطريق داخل أقفاص تسمى مخيمات وهم أيضا تراهم  بشرية لا تسمع استغاثة لاجئين أو تغدق عليهم بكلمة شفقة لا تغني ولا تسمن من جوع. تراهم أرقاما في نشرات الأخبار وتمضي في مشاغلها وهم حتى الأمس كانوا أعزاء في مواطنهم واليوم باتت حياتهم كمماتهم وربما أقسى. هل تستفز صورة جسد عيلان على الشاطئ إنسانية البشر وتدفعهم لفعل مفيد بدلا من شفقة فارغة؟ وهل تحرك ذوي قربى لإسعاف لاجئين سوريين باتت برلين أقرب لهم من مكة ؟

يبدو أن عيلان قد أدار ظهره وأشاح بوجهه غير  راغب بسماع الجواب !

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


جثمان عيلان.. صورة أمة تغرق/ وديع عواودة