الحاج أمين الحسيني والبوسنيون .. وقائع لها تاريخ/ صقر أبو فخر

الحاج أمين الحسيني والبوسنيون .. وقائع لها تاريخ/ صقر أبو فخر

ما كاد بنيامين نتنياهو يعود إلى المعزوفة القديمة التي عزفها أمام المؤتمر الصهيوني في القدس المحتلة في 21/10/2015، واتهم فيها الحاج أمين الحسيني بتحريض الألمان على إبادة اليهود، حتى تحمس "جيش" من الكُتّاب اليساريين التائبين، ومن الصحافيين الذين لا يتقنون إلا اصطياد الوقائع، ليحبروا المقالات "الملووقة"، ويستلوا أقلاماً كالخناجر في سبيل تمزيق التاريخ الوطني لمفتي فلسطين. هؤلاء ألسنتهم عربية، غير أن قلوبهم وعقولهم معادية تماماً للعرب، فالبحث في الماضي عن لوائح اتهام للحركة الوطنية الفلسطينية لا يصدر دائماً عن حصافة نقدية، أو عن ميل مشروع إلى الكشف والإيلام، بالمعنى العلمي لكتابة التاريخ المعاصر لفلسطين، وإنما يصدر، في أحيانٍ كثيرة، عن الهوى والنكاية، وهو أمر لا يليق بمن يتصدّى لكتابة التاريخ القريب. والتهمة الدائمة ضد الحاج أمين الحسيني التي ما فتئ كثيرون، حتى بين الفلسطينيين، يتغرغرون بها، هي الموافقة على إفناء اليهود في أوروبا، وحث الألمان على ذلك. وهذا هراء مكشوف؛ فالحاج أمين الحسيني ما كان يستطيع أن يؤثر مقدار خردلة في الاستراتيجية الحربية للألمان آنذاك. ومن الخُبال أن يستمر كثيرون ممن لا يتمتعون بالنزاهة العلمية، في ترويج خرافات قديمة، تبغي شيطنة المفتي. فهذه الشيطنة رددتها قبل اليوم "المعارضة الفلسطينية"، ونسج على منوالها الصهيونيون وبائعو الأراضي وسماسرة البيوع. ويبدو أنْ لا شيء جديداً اليوم إلا ترداد ما قيل في الأمس. وهذه التهم الزائفة لم تعش طويلاً، إذ جرى البرهان على فسادها وعلى انحطاط أصحابها. وللأسف، فإن بقايا هؤلاء المزوِّرين اليوم لا يفعلون شيئاً غير نبش "القطط الميتة" من ركام الماضي.

شيء من التاريخ 

ترتقي علاقة الحاج أمين الحسيني بأهالي البوسنة والهرسك إلى سنة 1931، أي إلى ما قبل استيلاء الحزب الاشتراكي الوطني الألماني (النازي) على السلطة في برلين بالانتخابات المباشرة. ففي تلك السنة، عُقد في القدس "مؤتمر العالم الإسلامي"، وجاء وفد كبير من أعيان البوسنة والهرسك إلى فلسطين، للمشاركة فيه، يتقدم الوفد الدكتور محمد سباهو (وزير في مملكة يوغوسلافيا) وسالم مفتيش (مفتي سيرايفيو) ومحمد موغاييش (قاضي المحكمة العليا في سيرايفيو) والحاج مصطفى مرهميش. وتطورت العلاقات بين الحاج أمين الحسيني ومسلمي يوغوسلافيا بقوة منذ ذلك الوقت، وسلكت مساراتٍ متعددة، بحسب وقائع الأحوال، فكثيرون من مسلمي يوغوسلافيا قاتلوا في فلسطين لاحقاً، واستشهد منهم عديدون. وقبل ذلك، حاول الحاج أمين الحسيني حمايتهم من بطش الصرب المتحالفين مع النازية، بعدما استغاث به أهالي البوسنة والهرسك، ونجح في ذلك جزئياً. وسعى الحاج أمين الحسيني، وغيره، أمثال الأمير شكيب أرسلان، إلى نجدة مسلمي تلك البلاد، الواقعين بين الكروات الكاثوليك والصرب الأرثوذكس. وكان العداء بين الصرب والأتراك قوياً منذ القرن الرابع عشر، وتحديداً منذ معركة قوصو في 28/6/1389 التي تمكّن أحد الصرب في أثنائها من اغتيال السلطان مراد الأول. ومع ذلك، هُزم الصرب في هذه المعركة، وأعدم الأتراك أميرهم لازار، وفقدوا استقلالهم في تلك الحقبة. وفي أوائل القرن الثامن عشر، ارتكب الصرب، بقيادة الأسقف دانيال، مجزرة في الجبل الأسود (مونتي نيغرو) لم ينجُ منها إلا مّن فرَّ أو تخلى عن الإسلام وعاد إلى المسيحية. وفي الحرب العالمية الأولى، لم يتورع رئيس حكومة صربيا عن القول: "إذا اجتاز جيشنا نهر درينا (وهو الحد الفاصل بين صربيا والبوسنة) فسيمهل البشناق (أي البوسنيين) ثماني وأربعين ساعة على الأكثر للعودة إلى دين أجدادهم. فمن يأبَ يُقتل". وكانت اللغة السائدة منذ سنة 1875 لدى الصرب هي: "إما الارتداد عن الإسلام فوراً، أو الهجرة فوراً، أو حز الرقاب". وتذكّرنا هذه العبارات باللغة الداعشية ومفرداتها في أيامنا هذه. 

المفتي والبوسنيون 

مع سقوط مملكة يوغوسلافيا في ربيع 1941، وخضوعها للاحتلال الألماني، عاد الصرب إلى ارتكاب المذابح ضد مسلمي البوسنة والهرسك، مع أن كثيرين من هؤلاء المسلمين ينتمون تاريخياً إلى القومية الصربية، فأهالي البوسنة والهرسك يعودون، في أصولهم، إلى السلاف (الصقالبة)، وكانوا يعتنقون الديانة المسيحية، وإلى الألبان والأتراك، وهؤلاء مسلمون. واشتُهر، آنذاك، دراغا ميخائيلوفيتش قائد وحدات "الشيتنيك" التي كانت الغاية من تشكيلها القتال من أجل وحدة صربيا الكبرى، وطرد غير الصرب منها، حتى لو كانوا مسيحيين. وفي 2/12/1941 أصدر ميخائيلوفيتش أمراً بالقتال حتى الوصول إلى الحدود بين صربيا والجبل الأسود، وبين صربيا وسلوفينيا. ولتحقيق هذا الهدف، كان ينبغي تطهير سنجق يني بازار من المسلمين، وطرد المسلمين والكروات من البوسنة والهرسك. وقُتل في تلك الحرب نحو مئتي ألف نسمة من سكان البوسنة والهرسك.
كان الحاج أمين الحسيني، آنذاك، في روما بعد مغادرته العراق، غداة فشل حركة رشيد عالي الكيلاني في سنة 1941، فاتصل به طالب بوشناقي يدرس في جامعة روما، يدعى مصطفى بوصولاجاييش، وأخبره بالمذبحة. ثم توالت اتصالات البوسنيين بالمفتي، طالبين الدعم والمؤازرة والحماية. وجاءه وفد من البوسنة والهرسك، برئاسة المفتي حافظ عمر جاييتش، ومن أعضائه أحمد أفندي قره بك، فبادر المفتي إلى الاتصال بوزارة الخارجية الألمانية، وبحث الأمر مع وكيل الوزارة، فون وايسيزيكر، الذي أبلغ إليه أن المنطقة التي جرت المجزرة فيها تقع في نطاق سيطرة القوات الإيطالية، فما كان من المفتي إلا أن غادر برلين إلى روما، وقابل موسوليني بحضور وزير الخارجية الكونت شيانو. وأمر موسوليني وزير خارجيته بضرورة وقف المجازر. لكن، مع عودة المفتي إلى برلين، لم يتغير الوضع قط. فانتقل على الفور إلى فيينا في 14/3/1943، ثم إلى زغرب، حيث قابل رئيس دولة كرواتيا ورئيس وزرائها، ومنها استأنف السفر إلى سيراييفو التي لم يتمكن من الهبوط فيها جرّاء عاصفة ثلجية، فغيَّر مساره إلى بانيا لوكا، ومنها إلى البوسنة. وفي الاجتماعات المتتالية التي عقدها مع زعماء البوسنة والهرسك، وبناء على اقتراحات البوسنيين أنفسهم، جرى الاتفاق مع قيادة القوات الألمانية على ما يلي:

1. تجنيد شبان من البوسنة والهرسك، ومن سنجق يني بازار، لتشكيلهم في قوات عسكرية ووحدات للأمن العام والشرطة. 
2. تكون مهمة هذه القوات حماية النفوس والأموال والممتلكات. 
3. لا تكلف هذه القوات بأي عمل عسكري خارج بلادها، ولا بأي مهمة غير الدفاع عن النفوس والأموال والممتلكات.

أسراب الحماية

في سنة 1943، ظهرت أسراب الحماية البوسنية التي توزعت على فرقتين، هي "فرقة خنجر"، و "فرقة كاما". وتشكلت، علاوة على ذلك، "فرقة إسكندر بك" الألبانية. وبالفعل، درّب الجيش الألماني فرقة خنجر التي اتخذت من قرية نوي هامر في مقاطعة سيليزيا مقراً لها، غير أن أسراب الحماية البوسنية هذه لم تشارك في أي عملية ضد اليهود على الإطلاق، بل إن الذين نفذوا "الحل النهائي" هم الكروات والألمان (راجع: جلبير أشقر، العرب والمحرقة النازية، ترجمة بشير السباعي، بيروت: دار الساقي، 2010، ص 238). والمعروف أن معظم عناصر أسراب الحماية البوسنية انضم إلى المقاومة اليوغسلافية ضد الاحتلال الألماني في سنة 1944 التي كان يقودها الماريشال جوزيف بروز تيتو، والذي أصبح أول رئيس لجمهورية يوغوسلافيا بعد تحريرها. والمشهور أن مشايخ الدين البوسنيين أصدروا ثلاث فتاوى تشجب الممارسات الكرواتية – النازية ضد اليهود، الأولى فتوى سيراييفو في أكتوبر/ تشرين الأول 1941، والثانية فتوى موستار في سنة 1941، والثالثة فتوى بانيالوكا في 12/11/1941، ولم يكن الحاج أمين الحسيني بعيداً عمن أصدروا هذه الفتاوى.

اليوغسلاف وفلسطين 

رأى المفتي أمين الحسيني أن هؤلاء المقاتلين يجب أن يتزوّدوا بالثقافة السياسية، لكي يعرفوا لماذا يدافعون عن أنفسهم، ولكي لا تقودهم غرائزهم الدينية إلى ارتكاب مجازر على غرار خصومهم. ولهذه الغاية، اقترح إنشاء معهد لتخريج أشخاص يخدمون في الوحدات العسكرية، على غرار ما فعلته حركة فتح بعد ربع قرن، حين عيّنت لكل كتيبة مفوضاً سياسياً. وبالفعل، أُسس معهد لهذه الغاية في مدينة غوين، وألقى المفتي عدداً من المحاضرات على طلابه، وساهم في ذلك أيضاً الشيخ حسن أبو السعود من القدس، ومصطفى الوكيل من مصر. ونتيجة علاقة الحاج أمين الحسيني بهؤلاء الطلبة، بات هؤلاء يتحرّقون للقتال في فلسطين. وبالفعل، جاء كثيرون منهم إلى فلسطين، وخاضوا معارك مشهودة، وقدموا مثالاً مدهشاً للتضحية والشجاعة، وسقط منهم شهداء كثر. ففي معركة القسطل، استشهد علي بولوباشيش وهابرودي تابوكويش. وفي معركة يافا، استشهد كامل بودروغ. وفي معركة المالكية، استشهد أمين خليلويتش ومنيب بينو ومصطفى إمامويتش. وجُرح شوقي مفتيش مرتين في القسطل والمالكية، وكذلك رفعت بكريش الذي قطعت يده في معركة الشجرة. وجُرح أيضاً موشان شابانوفيتش وإسماعيل كوروزوفيتش في معركة يافا. وفقد شيفكو باشيش عينه في المعركة نفسها، وجُرح معه محرّم بيرقدار ونذير فرلياك اللذان التحقا بعد النكبة بالجيش السوري، وتدرّجا في الرتب العالية كضباط عاملين (انظر: مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني، إعداد عبد الكريم العمر، دمشق: دار الأهالي، 1999). وذكر المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه "النكبة" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2012) أن عدد الشهداء اليوغسلاف الذين تمكن من إحصائهم بلغ 22 شهيداً؛ فقد استشهد تيودور كونيتش في الحي اليهودي في القدس، واستشهد آخر عند باب الواد في القدس أيضاً، واستشهد 20 مقاتلاً في معركة المنشية في يافا.

انتهازية سياسية

ليس من المستغرب البتة أن تطل الانتهازية السياسية بين حين وآخر، كلما عاد الكلام إلى تاريخ الفلسطينيين؛ فتارة يتهمونهم ببيع أراضيهم والرحيل عن بلادهم، مع أن أي "تلموذ" في حقل التاريخ يعلم أن غيرهم هو من باع أراضي الفلسطينيين. وتارة يُتهم الحاج أمين الحسيني بما ليس فيه حقاً، كالاشتراك مع النازية في إبادة اليهود، ويستندون في ذلك إلى شهادة أدلى بها مساعد آيخمان في محاكمات نورمبرغ في 1946، والتي تبين أنها مزورة تماماً ولا يُعتد بها. وبدلاً من أن يتصدّى هؤلاء الكتبة للسياسة الصهيونية النازية التي تفتك بالفلسطينيين اليوم، ها هم يستلون أقلامهم المخنجرة، وينغمسون في حملة هاذية لتزوير الوقائع في حكاية تعاون الحاج أمين مع النازية. وكان الحاج أمين أوضح مراراً أن النازية كفكرة لم تخطر له على بال في أي يوم. وهؤلاء الكتاب الذين يطعنون الحاج أمين في خياراته السياسية آنذاك باتوا مثل قوالي الزجل، فكلما فاه إسرائيلي من عيار نتنياهو بمثل هذه الترّهات، استجابوا على الفور. وهؤلاء يغفلون ألوف الشخصيات الفكرية والأدبية والسياسية، علاوة على الأحزاب والجماعات التي تعاونت مع النازية، ولا سيما في فرنسا والنمسا، وتسببت حقاً في موت يهود أبرياء كثيرين آنذاك، بينما كان الحاج أمين الحسيني يسعى لدى ألمانيا وإيطاليا قبل مذابح اليهود، في سبيل منع قيام وطن قومي لليهود في فلسطين. وحتى لو أخطأ الحاج أمين في بعض خياراته السياسية، ومنها صلاته بألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، فمن غير النزاهة أن تجري محاكمته اليوم بأفكار الحاضر؛ فالوعي المتأخر لا يفيد في محاكمة الماضي، خصوصاً إذا كان كثيرون من مثيري الزوابع ليسوا إلا مستجيبين تلقائيين للمواقف الصهيونية، وهذه الحال تمس نزاهة هؤلاء الكُتَّاب وتغمرهم بالعار أخلاقياً. حسبنا، في هذا المقام أن مؤرخين يهوداً ردّوا على نتنياهو، وفندوا أباطيله، بينما تجاوب كُتَّاب عرب مع خرافات نتنياهو، وراحوا يغزلون على مغزله، فيا للعجب.

(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018