بضاعة إسرائيلية لبروكسل../ رامي منصور

بضاعة إسرائيلية لبروكسل../ رامي منصور

تزاحم قادة إسرائيل في أعقاب هجمات بروكسل على منافسة اليمين المتطرف في أوروبا في حديثهم عن حرب يخوضها الإسلام المتطرف ضد الحضارة الغربية، ولم يتردد وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعالون، في القول إن ما يحصل هو 'حرب عالمية ثالثة ضد قيمنا المشتركة'، فيما ربط بنيامين نتنياهو بشكل فج العمليات الإرهابية في إسطنبول (وليس أنقرة التي يستهدفها الأكراد بعمليات انتحارية وضحاياها كلهم أتراك وليسوا إسرائيليين!) وساحل العاج وباريس بالعمليات التي ينفذها فتية فلسطينيون ضد عناصر الاحتلال في القدس والضفة المحتلتين.

واللافت أن تصريحات قادة إسرائيل عن محاولة الإسلام المتطرف فرض هيمنته على العالم المتحضر تلتقي ليس فقط مع اليمين المتطرف في أوروبا، وإنما أيضًا مع أنظمة الاستبداد العربية 'العلمانية' التي تسحق كل معارض لها، وتبرر ذلك بذريعة 'محاربة إرهاب التكفيريين'، كما الحال مع تصريحات بشار الأسد للإعلام الغربي بهذا الشأن.

وتجتمع الأطراف الثلاثة على أن مواجهة الإرهاب لن تكون إلا بالقبضة الحديدية الصارمة، ودك معاقل الإرهاب و'تجفيفها'، وما إلى ذلك من بروباغندا رخيصة لا تأبه باستغلال دماء الضحايا لتبرير مواقفها. لكن من حسن طالع الأوروبيين أن حكوماتهم أكثر رشدًا وعقلانية من أن تصغي لنصائح نتنياهو الذي فشل حتى في مواجهة الهبة الأخيرة رغم القبضة الحديدية والإعدامات الميدانية، ولا نصائح الاستبداد العربي 'العلماني' الذي فشل في الحفاظ على أمن بلاده ووحدتها، ولا اليمين المتطرف الذي يتغذى على الكراهية، وترد على التطرف بتطرف أشد.

وفي عودة إلى تصريحات قادة إسرائيل ووسائل إعلامها، فقد بدا المحللون فيها طيلة يوم أمس وفي الصحف الصادرة اليوم كأنهم في 'حفلة شماتة جماعية' من الأوروبيين والهتاف 'لقد قلنا لكم... قلنا لكم'، حتى أن أصغر صحافي صار خبيرًا أمنيًا ويقدم التوصيات لأجهزة الأمن الأوروبية في كيفية الدفاع عن مطاراتها ومواقعها الحساسة، إلى درجة أن خصصت صحيفة واسعة الانتشار مثل 'يديعوت أحرونوت' صفحة كاملة لمادتين، الأولى تحت عنوان 'كيف بمقدور الغرب الانتصار'؛ والثانية اقتباس من خبراء أمنيين إسرائيليين بأن 'على أوروبا أن تتعلم من إسرائيل'. وفي المادتين 'نصائح' لدول أوروبا في كيفية حماية مواقعها الإستراتيجية، وضرورة اعتمادها أساليب أمنية على غرار تلك التي يستخدمها جهاز 'الشاباك' في حماية المطارات، إذ قال أحد الخبراء إن إسرائيل متقدمة على أوروبا في هذا المجال 40 عامًا. ولولا دموية الحدث وعدد الضحايا الأبرياء لكان بالإمكان السخرية من هذه التوصيات وكأنها 'توصيات لتخفيض الوزن' والهدف منها الترويج لمنتوجات 'سحرية' لتخفيض الوزن أو محاربة 'إرهاب الإسلام المتطرف'.

وإذا ما أردنا التعامل بجدية أكبر مع التصريحات الإسرائيلية، فإن الحقيقة معاكسة لما يحاول أن يروج له الإسرائيليون بأنه على أوروبا البريئة الساذجة أن تتعلم من إسرائيل، فالأخيرة في حربها ضد الفلسطينيين منذ 7 عقود تقريبًا تعتمد ليس على السلاح الغربي فقط، وإنما أيضًا على قوانين ورثتها عن الاستعمار الغربي، البريطاني على وجه التحديد، فالاعتقالات الإدارية وقوانين الإبعاد القسري والاعتقالات التعسفية ليست 'إبداعًا' إسرائيليًا وإنما 'منتوجًا' غربيا، لكن إسرائيل لا تتوانى عن استخدامها دون أي اعتبار لحقوق الإنسان. فالإرث الغربي في 'مواجهة إرهاب' الشعوب المستعمرة 'غني' ولا حاجة لنصائح نتنياهو أو يعالون ولا حتى دونالد ترامب، ففي الواقع كل هذه الوسائل القمعية فشلت على مدار عقود في وأد النضال الفلسطيني الذي ترى فيه إسرائيل إرهابًا، فحصار مليون ونصف المليون فلسطيني في غزة برًا وبحرًا وجوًا بأحدث الوسائل التقنية لم يمنع الفلسطيني من ابتكار وسائل نضال ومقاومة جديدة.

إذًا، البضاعة الإسرائيلية ليست إسرائيلية تمامًا، ولكن استخدامها إسرائيلي بامتياز، استخدام بعقلية 'كل حتى تشبع'، ونجاحها غير مضمون أبدًا. وهنا لا بد من التذكير أن داخل كل عربي أو مسلم نقمة على الغرب ليس بسبب قيمه المتنورة أو إبادة الفرنسيين لمئات آلاف الجزائيين مثلاً، وإنما لاعتبار أبسط، وهو الانحياز الغربي والأوروبي تحديدًا لإسرائيل بشكل أعمى. لكن ليس هذا جوهر الموضوع، وحقيقة ما يهم إسرائيل ليس سوى استغلال دماء الأوروبيين لتنحاز دولهم إلى إسرائيل أكثر، وهذه أيضًا فرصة مواتية لدفع منتوجات الشركات الأمنية الإسرائيلية إلى 'أسواق جديدة' بعدما استنفذت أسواق العالم الثالث الممتدة من أميركا اللاتينية حتى أفريقيا، والتي ليس بمقدور نتنياهو المجاهرة بأن بينهم قيما مشتركة.

اقرأ/ي أيضًا | نتنياهو يزعم وجود علاقة بين هجمات بروكسل والهبة الفلسطينية

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية